معرفة أعداد العرب أولا

منشور 14 آب / أغسطس 2016 - 03:01
ارشيف
ارشيف

كارولين غليك

الفشل الاستراتيجي الكبير لإسرائيل في الموضوع الفلسطيني هو عدم الفحص العميق لموضوع الديمغرافيا

في الشهر الماضي أعلنت حماس عن نيتها المشاركة في الانتخابات البلدية في السلطة الفلسطينية التي ستتم بعد شهرين. هذا القرار أوقع السلطة الفلسطينية في خوف عميق لأنه يتوقع أن تحصل حماس على الاغلبية في الكثير من المناطق في يهودا والسامرة.

قيل في الأسبوع الماضي إن رئيس السلطة أبو مازن، واصدقاءه في فتح، ليسوا وحدهم الخائفين. ايضا قيادة الجيش الاسرائيلي تعيش في حالة ضغط. حسب تقرير اليكس فيشمان في «يديعوت» في محاولة للاستعداد لهذه الانتخابات، فإن وزير الدفاع افيغدور ليبرمان اجرى في الأسابيع الماضية عدة نقاشات مع قيادة الجيش. وخلالها اقنع الضباط الوزير ـ الذي أيد حتى الآن استقالة أبو مازن ـ بأن المصلحة الاسرائيلية هي أن يكون قوميا». لذلك، حسب فيشمان، قرر ليبرمان تبني الخطة التي أعدها منسق اعمال الحكومة في المناطق. وأهمها: نقل صلاحية التخطيط والبناء في المناطق ج من الادارة المدنية إلى السلطة. وليبرمان يؤيد ايضا المصادقة على البناء غير القانوني للفلسطينيين في المناطق ج. وسيوافق على اقامة مدينة فلسطينية جديدة في يهودا والسامرة على نمط مدينة روابي.

هناك عدة مشاكل في هذه الخطة، مثلا التنازل عن صلاحية التخطيط والبناء في المناطق ج ليس أمرا مفيدا. إن الحفاظ على هذه الصلاحية هو مصلحة اسرائيلية عليا في نقاشاتها مع م.ت.ف منذ بداية اوسلو وحتى الآن. حينما تتنازل اسرائيل عن هذه الصلاحية فهي تتنازل عمليا عن قدرتها على السيطرة الأمنية على المناطق المفتوحة ـ ومن خلالها على المراكز السكانية ـ وتعرض المناطق الإسرائيلية في يهودا والسامرة للخطر.

ولكن قبل الحديث عن التأثيرات الاستراتيجية السلبية للخطوة المقترحة، يظهر أمامنا سؤالان اساسيان يجب الاجابة عليهما. الاول، لماذا يعتقد الجيش الاسرائيلي أن التنازل عن صلاحية البناء والتخطيط سيزيد فرص مرشحي فتح للانتصار في الانتخابات البلدية في تشرين الاول؟ وعلى أي أساس تحدد الامر؟ إن تجربة السنوات الأخيرة اثبتت أن التنازلات لا تشجع الفلسطينيين على تأييد السلام، بل تزيد الكراهية لنا. فبعد خروج الجيش الاسرائيلي من غزة قام الفلسطينيون بهدم الدفيئات وأحرقوا الكنس. وبعد اشهر من الخروج استولت حماس على السلطة بانتخابات حرة.

يجب ايضا اختبار الضرر الذي سيصيب اسرائيل إذا فازت حماس في الانتخابات، وبناء على ذلك محاكمة التنازلات التي يقترحها الجيش إذا كانت في مكانها.

للوهلة الاولى، فوز حماس سيضر بنا بطريقتين: الأولى، سيؤدي إلى تقليص الأعمال التي يتخذها الجيش الاسرائيلي ضد خلايا حماس في يهودا والسامرة، الأمر الذي يعني أن الجيش الاسرائيلي سيضطر للعمل بشكل اكبر في يهودا والسامرة. ثانيا، عندما سيسيطر رجال حماس على المجالس المحلية، يمكن القول إن السلطة ستزيد الأموال التي ستضخ لنظام حماس في غزة. ليس معروفا كيف أن التنازل عن الصلاحيات في المناطق ج سيخدم مصلحة اسرائيل في هذا الوضع.

هل ستطبق اسرائيل التنازلات في حال فوز حماس في الانتخابات أم أن الحديث هو عن أمر مشروط؟ من المعروف أنه إذا اعتبر الفلسطينيون أننا نحاول اجبارهم على التصويت لفتح، فإن ذلك سيخدم حماس فقط.

يصعب التحرر من انطباع أن قيادة الجيش لا تحاول مساعدة ليبرمان في بلورة سياسية جديدة، بل هي تعمل لمنعه من التفكير. يبدو أنهم عرضوا عليه اقتراحات يريد الجنرالات تحقيقها دون صلة بالوضع على الأرض، حيث قال فيشمان إن خطة التنازل عن صلاحية البناء والتخطيط، والمصادقة بأثر رجعي على عشرات آلاف المنازل غير القانونية، واقامة مدينة فلسطينية أخرى، قائمة منذ سنتين.

ليس سرا ان هيئة الأركان تتمسك باستراتيجية الدولتين، أو على الأقل الخروج أحادي الجانب من يهودا والسامرة، رغم أن هذين الخيارين قد فشلا.

عالم الفانتازيا

منذ 1967 تجد اسرائيل نفسها أمام المشكلة نفسها. هي تحتاج السيطرة على يهودا والسامرة للحفاظ على تل ابيب والقدس. إنها تريد البقاء في يهودا والسامرة لأنها تعتبرها جزء من الوطن التاريخي للشعب اليهودي، لكنها لا تريد استيعاب الفلسطينيين في سجلها السكاني لأنها تريد الحفاظ على نظام ديمقراطي يعتمد على اغلبية يهودية واضحة.

استراتيجية الدولة الفلسطينية والانسحاب أحادي الجانب افترضا أنه لا يمكن تحقيق جميع الاهداف. فلتتنازلوا إذا عن التاريخ وعن الأمن لصالح الديمغرافيا. هذا الأمر لم ينجح وبقينا مع الفلسطينيين ومع الديمغرافيا ايضا.

الديمغرافيا تشلنا بطريقتين: نحن نخشى من انه إذا لم نعد اغلبية يهودية فإننا نخسر الشرعية الدولية. ونخشى ايضا من فقدان الأغلبية اليهودية.

التوقع أن العالم سيقف إلى جانبنا ما هو إلا فانتازيا. حقيقة أن دولا كثيرة تصمم على أن اسرائيل ما زالت هي المسؤولة عن غزة، تثبت أنه لا يوجد أي اهتمام دولي حقيقي بالسلام والديمقراطية هنا. العالم ببساطة يستغل الفلسطينيين للاضرار بنا. لذلك لا حاجة إلى النظر إلى موقف المجتمع الدولي عند الحسم بطرق العمل التي أمامنا.

لكن قلقنا من الداخل هو حقيقي. واذا كان سريان القانون الاسرائيلي في يهودا والسامرة سيضع حدا للأغلبية اليهودية في الدولة، فيجب أن نكتفي، كما يبدو، بالحل الذي ليس سيادة كاملة على الأرض.

لا يتعلمون

فشلنا الاستراتيجي الكبير في كل ما يتعلق بالفلسطينيين هو أننا لم نكلف أنفسنا عناء تعلم هذا الموضوع المصيري. الآن ليست لنا قدرة على النقاش فيه أو التوصل إلى استنتاجات في موضوع الديمغرافية لأنه لا يوجد لنا أساس في المعطيات التي تجعل الجميع يتفقون على ذلك بخصوص عدد الفلسطينيين الذين يعيشون في يهودا والسامرة.

في اليسار يوافقون على معطيات السلطة بخصوص الديمغرافية وكأنها توراة، ويقومون بإخافة مواطني الدولة بتوقعاتهم السوداوية حول ضياع الأغلبية اليهودية خلال عام أو عامين. وحسب اليسار فان كل اعلان حول موت حل الدولتين هو بمثابة اعلان الحرب على الصهيونية.

من ناحية أخرى، اليمين يعتمد على فحص المعطيات الفلسطينية من قبل عدد من الباحثين المستقلين منذ عام 2005. وحسب هؤلاء الباحثين، برئاسة يورام اتنغر ويعقوب فتلسون من اسرائيل وبينيت تسمرمان ومايك فايس من الولايات المتحدة، فان السلطة اخترعت معطياتها بشكل مقصود وأضافت 1.5 مليون شخص.

على خلفية ارتفاع نسبة التكاثر الطبيعي للإسرائيليين وانخفاضها عند الفلسطينيين في يهودا والسامرة، وعلى خلفية زيادة عدد السكان اليهود في يهودا والسامرة وهجرة الفلسطينيين إلى الخارج، فإن الباحثين يدعون أنه ليس فقط لا توجد مشكلة ديمغرافية بل إن الديمغرافيا تخدم اسرائيل في الأساس.

كل ذلك يعيدنا إلى وزير الدفاع ليبرمان ورغبته الصادقة في بلورة استراتيجية جديدة نحو الفلسطينيين. حان الوقت لأن يشكل رئيس الحكومة طاقما يعمل من مكتبه ويتم تخويله بجمع وتحليل المعطيات المطلوبة واستخلاص النتائج حول عدد السكان الفلسطينيين. اسرائيل لا تحتاج إلى ارسال الجنود إلى نابلس من أجل عد الرؤوس. وتكفي الصور الجوية ومعطيات استهلاك الكهرباء والمياه وأعداد المهاجرين من جسر اللنبي ومطار بن غوريون، من اجل الحصول على الصورة كاملة. من اجل تقليص تسييس المعطيات يجب أن يكون من يمثلون المعسكرين ضمن الطاقم، اضافة إلى اشخاص من مجلس الامن القومي.

لا توجد حلول سحرية لمشاكلنا ومشاكل الفلسطينيين، ولكن لقد ضقنا ذرعا بتكرار نفس الادعاءات. ليبرمان محق عندما يقول إنه حان الوقت للقيام بنقاش جدي. ومن اجل التغيير من الافضل فعل ذلك بناء على الوقائع وليس الفانتازيا.

معاريف

مواضيع ممكن أن تعجبك