ميزان الربح والخسارة بين تركيا وإسرائيل

منشور 28 حزيران / يونيو 2016 - 06:24
ارشيف
ارشيف

تسفي برئيل

المصالح الإقليمية المشتركة بين أنقرة وتل أبيب تتجاوز الخلافات بين البلدين وتفرض عودة السفراء

توجد أهمية إستراتيجية عليا للعلاقة الوثيقة بين إسرائيل وتركيا. فخلافا للماضي لم تعد تركيا بحاجة إلى إسرائيل على اعتبار أنها جسر للغرب، ومكانة إسرائيل المضعضعة في أوروبا وإلى درجة كبيرة في الولايات المتحدة، لا تستطيع منحها الأهمية التي كانت لها في هذا المجال في السابق.

لكن تركيا مثل إسرائيل تبحث عن أصدقاء جدد في المنطقة بعد الانكسار العميق الذي حل بها. توجد للدولتين مصالح مشتركة، إضافة إلى التجارة المتبادلة بالغاز. فالدولتان مهددتان من الحرب في سوريا، وهما تهتمان جدا بمستقبلها، وهما قريبتان بقدر معين من الخطر من مواقع «داعش». وما زال مبكرا الحديث عن تعاون عسكري بين الدولتين، لكن التنسيق السياسي والإستراتيجي أمر ممكن بالتأكيد ـ وفي المدى القريب.

جاء اتفاق المصالحة بين إسرائيل وتركيا متأخرا ست سنوات. وقد كان يمكن أن تتم المصالحة بعد بضعة أيام من الحادثة التراجيدية التي قتل فيها الجيش الإسرائيلي تسعة مواطنين أتراك على سفينة «مرمرة». في نافذة الزمن القصيرة، بعد الصدام مباشرة، طلبت تركيا فقط الاعتذار ودفع التعويضات. ورفع الحصار عن قطاع غزة لم يكن شرطا أساسيا حيث بسببه تأجل الاتفاق ست سنوات. إسرائيل وافقت على دفع التعويضات وفي ما بعد وبوساطة الرئيس باراك أوباما قام نتنياهو بالاعتذار. لقد كانت هذه فرصة لرفع الحصار عن غزة والتوصل إلى ما تم التوصل إليه في الاتفاق الحالي على الأقل، لأن إنشاء محطة لتوليد الكهرباء وإقامة مستشفى وموقع لتحلية المياه، وأيضا تقديم المساعدات عن طريق ميناء أسدود، كل ذلك لا يعني رفع الحصار ولا يعطي حرية الحركة بين غزة والضفة الغربية أو الأردن، ولم تكن إسرائيل ستظهر كمن تنازلت. من الصحيح القول إن تركيا تنازلت في هذا الموضوع، وتنازلت عن طلب رفع الحصار بشكل كامل، لكن التنازل التركي ليس إنجازا إسرائيليا.

ما زالت تركيا تبدو وكأنها تهتم بمصير مليون و800 ألف فلسطيني في قطاع غزة يوجدون تحت مسؤولية إسرائيل. وإسرائيل تبدو وكأنها تمنح الشرعية للعلاقة بين تركيا وحماس في القطاع.

البند الذي يقول إن تركيا لن تسمح لحماس بالقيام بأي نشاط عسكري على أراضيها، ما زال يترك لحماس إمكانية بقاء تمثيل لها في تركيا وإدارة العلاقات السياسية مع الدول والمنظمات الأخرى، لا سيما من أجل تجنيد الأموال التي تحصل عليها حماس. من المشكوك فيه أن تنجح تركيا في إقناع حماس بإدارة مفاوضات من خلالها لإعادة الجنود المفقودين، لأنه قبل الاتفاق تم الطلب من تركيا الحصول على معلومات من ممثلي حماس ولكن بدون جدوى. وستستمر حماس في رؤية موضوع المفقودين ورقة مساومة مع إسرائيل وليس هدية تُمنح لتركيا مقابل التوقيع على اتفاق المصالحة مع إسرائيل، خصوصا أن إعادة المفقودين، حسب منطق إسرائيل أيضا، ليس شرطا من شروط الاتفاق، حتى لا يبدو وكأن اسرائيل تقوم بالتفاوض مع حماس. هذا موقف إسرائيلي غريب ومستهجن، حيث أنه يمكن القول وبمستوى عال من اليقين إنه إذا اقترحت حماس مفاوضات كهذه، مباشرة أو غير مباشرة، فإن إسرائيل ستوافق.

لكن من الخطأ قياس ميزان الربح والخسارة للاتفاق من خلال عيون حماس أو حسب المعيار المالي، نحو 80 مليون شيكل تقوم إسرائيل بدفعها لصندوق خاص كتعويض لعائلات القتلى. توجد أهمية استراتيجية عليا للعلاقة الوثيقة بين إسرائيل وتركيا. وفي مقابل الفترة الطويلة حتى قضية مرمرة، بما في ذلك فترة أردوغان، التي كانت فيها تركيا بحاجة إلى إسرائيل كرأس جسر للولايات المتحدة، لم تعد تركيا بحاجة إلى هذه الخدمات. فمكانة إسرائيل المضعضعة في الاتحاد الأوروبي وإلى درجة كبيرة في الولايات المتحدة أيضا، لا تمنحها الأهمية نفسها التي كانت لها في السابق.

ولكن تركيا، مثل إسرائيل، تبحث عن أصدقاء جدد وإضافيين في المنطقة بعد الشرخ العميق الذي حطم مبدأ «صفر مشاكل مع الجيران» الذي سعت إلى تحقيقه. بعد سنة من قضية الأسطول قطعت علاقاتها مع سوريا، تحطمت العلاقات مع مصر في تموز/يوليو 2013، بعد أن رفض أردوغان الاعتراف بشرعية الرئيس السيسي، ولكن حتى قبل ذلك طرق مبارك كل باب في وجه تركيا. أما دول الخليج، بما فيها السعودية، فقد رأت فيها خصما ودولة غير مرغوب فيها، حتى قرر الملك سلمان ملك السعودية في بداية هذه السنة ضمها إلى التحالف السني ضد إيران، وروسيا تبذل كل جهد مستطاع كي تهين تركيا وتمس بها بعد إسقاط الطائرة الروسية.

صحيح أنه ليس لإسرائيل مكانة يمكنها أن تصالح بين تركيا ومصر أو روسيا، مثلما لا يمكن لتركيا أن تقرب السعودية من إسرائيل، ولكن للدولتين مصلحة مشتركة تتجاوز رغبة إسرائيل في بيع الغاز إلى تركيا والجهد التركي لتنويع مصادر توريد الغاز وبشكل خاص تخفيف تعلقها بروسيا. كلتاهما مهددتان من الحرب في سوريا، لكلتيهما مصلحة كبيرة في التأثير على مستقبلها، كلتاهما قريبتان بقدر خطير من قواعد «داعش» ولكلتيهما توجد أسهم في السياسة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط.

من السابق لأوانه الحديث عن التعاون العسكري بين الدولتين، ولكن التنسيق السياسي والإستراتيجي، الثنائي ومتعدد الأطراف، بمشاركة الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ممكن بالتأكيد وفي زمن قريب نسبيا. وبالتالي فمن المهم أن نتذكر أن هذا ليس اتفاق سلام بين دولتين معاديتين، بل هو اتفاق لإعادة بناء ورفع مستوى العلاقات بين الدولتين والشعبين، اللذين شهدا فترات من العلاقات الممتازة. وحتى لو جاء هذا متأخرا فهو ضروري جدا.

هآرتس

مواضيع ممكن أن تعجبك