650 فلسطينيا معتقلون في إسرائيل بدون محاكمة

منشور 27 تمّوز / يوليو 2016 - 04:09
ارشيف
ارشيف

عميره هاس

في الشهر الماضي تم إطلاق سراح بلال كايد من السجن لكنه أصبح معتقلا إداريا.

بلال كايد، المعتقل الاداري المضرب عن الطعام منذ 41 يوما، هو واحد من 651 فلسطينيا معتقلون اليوم في إسرائيل بدون محاكمة، بناء على توقيع القائد العسكري وبأمر من الشباك. عدد المعتقلين الإداريين هذا هو أكثر قليلا من عُشر السجناء الفلسطينيين الأمنيين المعتقلين في إسرائيل الذين يبلغ عددهم 6.290، حسب معطيات إدارة مصلحة السجون التي قدمتها لصحيفة «هآرتس». هناك ازدياد في عدد المعتقلين بدون محاكمة والذي يستمر منذ حزيران 2014 بعد اختطاف وقتل الفتيان الثلاثة في الضفة الغربية. ولكن إذا كانت الذروة في آب 2014 حيث وصل عددهم إلى 473 معتقلا مقابل أقل من 200 معتقل قبل ذلك التاريخ بأربعة اشهر، فإنه منذ انتفاضة الافراد في تشرين الأول 2015 زاد العدد إلى حوالي 700 معتقل: 698 معتقل في نيسان من هذا العام، 684 في أيار و 688 في الشهر الماضي.

يتلقى كايد العلاج في مستشفى برزيلاي بسبب تدهور وضعه الصحي. وهو مقيد بسريره في غرفة نافذتها وستائرها مغلقة. وممنوع زيارته. الغرفة مضاءة مدة 24 ساعة وهناك كاميرا أمنية تقوم بالتصوير ليل نهار. وثلاثة من مصلحة السجون يقومون بحراسته، اثنان منهم يتواجدون بشكل دائم في غرفته. وهو يرفض اجراء أي فحوصات أو اضافة الأملاح والفيتامينات لمياه الشرب، واحيانا يفقد نظره للحظات ويجد صعوبة في المشي، وهو يعاني من اوجاع رأس شديدة ومُعرض لخطر السكتة القلبية. ورغم ذلك هو بكامل وعيه.

عندما أعلن كايد اإضراب في 15 حزيران/يونيو كان يعرف ما ينتظره. في يوم الاثنين 13 حزيران أنهى كايد فترة اعتقال مدتها 14.5 سنة. وبشكل استثنائي جدا، في ذلك اليوم، تم استبدال تصنيفه من أسير محكوم إلى أسير اداري، لا يحق له معرفة الاتهامات المشتبه بها.

وقبل ذلك بخمسة ايام تم نقل كايد من سجن ريمون إلى سجن الرملة. وهو توقع أن سبب ذلك هو اطلاق سراحه.

وفي بيته في عصيرة الشمالية في شمال نابلس استعد الجميع لعودة الابن. فقد تم تنظيف البيت وتعليق لافتات التهنئة من الجبهة الشعبية. شقيقه محمود، وهو صاحب نادي رياضي في نابلس ويحضر للدكتورات في الرياضة في الاردن، قرر منح بلال ادارة النادي وبدأ في التفكير بزوجة مناسبة للشقيق (الوالد توفي في 2013).

في الموعد المخصص للتحرر توجه أبناء العائلة والاصدقاء إلى حاجز الظاهرية، عندها جاءت مكالمة هاتفية بأنه تم نقل بلال إلى المحكمة العسكرية في عوفر. وهناك تقرر وضعه في الاعتقال الاداري مدة ستة اشهر. تاريخ القرار هو السابع من حزيران. «قتلتم فرحة عائلة كاملة»، قال محمود كايد.

أول أمس قال بلال كايد لمحاميته فرح بيادسة التي قامت بزيارته إنه مضرب عن الطعام، ليس فقط من اجل حريته، بل ايضا كي لا تحول إسرائيل ذلك إلى طريقة تطال الجميع: اعتقال الفلسطينيين بأمر اداري بناء على معلومات سرية، قبل تحررهم من السجن بلحظة. اإضراب هو رسالة بأنه لم يختر بإرادته البقاء في السجن، قال لها وأضاف: «أنا أضرب عن الطعام ليس لأنني أريد الموت، بل لأنني أريد العيش حراً وأنا أرفض التسليم بالاعتقال كأمر طبيعي».

أمر عسكري حول أوامر الدفاع (المواد 284 ـ 294) تخول القادة العسكريين باصدار أمر الاعتقال الاداري عند وجود «احتمال معقول بأن الاعتبارات الأمنية وسلامة الجمهور تتطلب إبقاء شخص معين في الاعتقال». الدافع المعلن عادة يكون منع «الخطر» الذي قد يضر بالجمهور الإسرائيلي ـ اليهودي مستقبلا. ولكن في العادة يتم تحديد الخطورة حسب الأدلة أو الاشتباه السريين حيث يكون الشخص قد قام بتنفيذ عمل يعتبره الدستور العسكري مخالفة. في حالات كثيرة يكون الاعتقال الاداري بسبب عدم التصريح عن الجهات التي أبلغت عن المخالفة. يمكن أن يكونوا متعاونين أو يريدون الحاق الضرر بشخص معين. وتجارب الماضي تثبت، لا سيما في ظل الأحداث والمواجهات ضد الاحتلال وكجزء من القمع، تقوم إسرائيل باعتقال نشطاء فلسطينيين سياسيين واجتماعيين إداريا، بسبب ممارساتهم السياسية وقدرتهم التنظيمية ومواقفهم.

فترة الاعتقال هي ستة اشهر على الأكثر. ويمكن تمديدها بأوامر جديدة. في الماضي وصل الأمر إلى خمس سنوات. يتم احضار الأسير أمام قاض عسكري بعد اعتقاله بثمانية أيام من أجل إجراء يسمى «الرقابة القضائية».

النيابة تقوم بعرض الملف السري والأدلة والشبهات على القاضي، حيث إن الأسير ومحاميه محظور عليهما رؤيتها ودحضها. والقاضي يوافق على موقف الادعاء. وعندها يمكن تقديم الاستئناف والاستئناف مرة أخرى، لكن بدون فائدة. ومن ثم الانتظار من اجل التحرر أو تمديد الاعتقال.

 

حسب مصادر فلسطينية، 47 معتقلا وأسيرا يضربون اليوم عن الطعام تضامنا مع كايد. واإضراب عن الطعام يعتبر اخلالا بقوانين السجن. وردا عليه تقوم السلطات باتخاذ خطوات عقابية منها منع زيارة الأهالي ومصادرة أغراض شخصية وأدوات كهربائية وفرض غرامة مالية ونقل إلى الزنزانة وتقليص نصف المبلغ المخصص للشراء من الكانتينا.

عدد المضربين عن الطعام قليل جدا مقارنة بآذار 2012 حيث احتج 1500 أسير في اضراب متواصل على الاعتقال الاداري والعزل. وخلافا لليوم، فإن اإضراب في حينه أحدث صدى في اوساط الجمهور الفلسطيني.

أحد المضربين عن الطعام تضامنا مع كايد هو الاسير الاداري عمر نزال، وهو صحافي وصاحب شركة اعلانات وانتاج للافلام القصيرة، وهو متحدث باسم عدد من المنظمات الفلسطينية غير الحكومية. نزال من مواليد جنين وخريج في علم الاجتماع من جامعة بير زيت، عمره 52 سنة وأب لثلاث بنات. وهو يكثر من انتاج الافلام للمنظمات التي تدافع عن حقوق المرأة، حسب اقوال زوجته. قبل اعتقاله ببضعة اشهر ترك منصبه كمحرر رئيس في محطة التلفاز «فلسطين اليوم» (المقربة من الجهاد الإسلامي). وقد عمل في هذا المنصب سبعة اشهر، وهو بين الفينة والأخرى يقوم بنشر مقالات انتقادية ضد السلطة الفلسطينية. وقد اعتقل في 29 نيسان/أبريل في جسر اللنبي وهو في طريقه إلى مؤتمر للصحافيين في البوسنة، حيث تم استدعاؤه كعضو في نقابة الصحافيين الفلسطينيين.

وفي السنوات الأخيرة منع من السفر للخارج عدة مرات. «اعتقدنا أنه على الأكثر ستتم إعادته من الجسر»، قالت زوجته مارلين، «لكن أن يتم اعتقاله؟ هذا لم يخطر ببالنا». لقد فهم نزال من مصدر في السلطة الفلسطينية، كما قال المحامي محمود حسان للصحيفة، أنه في هذه المرة ليس هناك منع إسرائيلي ضده. وعندها ذهب إلى الجسر وتم اعتقاله. ومثل الجميع دون أن يستطيع الدفاع عن نفسه أمام الشبهات السرية.

في نقاش الرقابة القضائية قيل إنه ينتمي للجبهة الشعبية. وزوجته قالت لـ «هآرتس» إن هذا غير صحيح. وقيل ايضا إنه يهدد أمن المنطقة. زوجته نظرت إلى صورته في الغرفة وضحكت: «هو؟ خطير؟ القاضي العسكري احتياط رون دلومي الذي صادق على أمر الاعتقال لاربعة اشهر، وقاضي الاستئنافات نتنئيل بنيشو الذي رفض الاستئناف على الاعتقال قال إن نزال يستخدم علاقاته كصحافي من اجل القيام بأعمال تنظيمية. والمحامي حسان قال للصحيفة: «لم أفهم هذه الاقوال»، «كل صحافي له علاقات. وهذه العلاقات تكون مع مُعدي الاخبار. وهو يذهب إلى انشطة سياسية كهذه أو تلك». وقد قال نزال نفسه في المحكمة العسكرية إنه على قناعة أن اعتقاله سياسي يهدف إلى منعه من المشاركة في مؤتمر دولي وإسماع الصوت الفلسطيني.

في الوقت الحالي لا يعرف نزال بيقين متى سيتحرر، العمل ومصدر الرزق الذي توقف، الغاء الزيارة بسبب الإضراب، القلق على سلامته في السجن والشوق.

سنتين بدون محاكمة

في عام 2012، بعد الإضراب الجماعي عن الطعام، انخفض عدد المعتقلين الاداريين من 300 إلى 150 معتقلا، بل وأقل من ذلك (134 معتقلا في آب 2013 حسب معطيات مصلحة السجون التي نشرتها «بتسيلم»). أي خلال ثلاث سنوات تمت مضاعفة عدد الأسرى بدون محاكمة بثلاث مرات بأمر من الشباك.

وحسب نادي الأسير الفلسطيني، في الأشهر الستة الاولى من هذه السنة صدرت أوامر اعتقال اداري ضد 412 فلسطينيا، أي أن هناك 200 أسير تم تمديد اعتقالهم مرتين وربما أكثر. وفقط في 2007 كان العدد أعلى حيث وصل إلى 900 معتقل. وفي 2003 تجاوز العدد ألف معتقل.

المحامي محمود الحلبي، من نادي الأسير، يمثل منذ بداية سنوات الألفين، الأسرى الإداريين فقط. والآن هو يتابع 290 ملفا، وبعض زبائنه معتقلون منذ سنتين وأكثر. «الأمر الأصعب نفسيا ـ لهم ولأبناء عائلاتهم ـ هو عدم وجود موعد للتحرر، ويمكن تمديد الاعتقال مرة تلو الاخرى»، قال. هذا «اعتقال مؤبد بدون محاكمة»، قال محمود كايد شقيق بلال.

في الأشهر العشرة التي سبقت اعتقال بلال الاداري، تم وضعه في زنزانة في ظروف نظافة سيئة جدا وقد مُنعت زيارته من قبل والدته وزوجة والده الأولى التي قامت بتربيته كابن لها. لدى العائلة والمحامين فرضيتين حول تصميم «الشباك» على إبقائه في السجن. الفرضية الاولى هي صدام كلامي صعب كان بينه وبين ضابط الاستخبارات في سجن مجدو، حيث تم ادخاله في اعقاب ذلك إلى السجن الانفرادي. أي أنه يمكن أن يكون الحديث عن انتقام ذلك الضابط.

والفرضية الثانية هي أنه خلال سنوات كان كايد ممثلا للاسرى (شاويش) نيابة عن الجبهة الشعبية أمام سلطات السجن. ممثل الاسرى يكون دائما ينتمي لهذه المنظمة أو تلك، ولا يمكنه القيام بدوره بدون موافقة مصلحة السجون. وهذا النظام هام ومريح للطرفين للحفاظ على الهدوء. وبفعل وظيفته حاول كايد علاج المشكلات الاجتماعية الداخلية في اوساط الاسرى في سجن مجدو.

احدى هذه المشكلات كانت الاسرى الذين استغلوا موقعهم وأخذوا الاموال من الاسرى الضعفاء والاصغر سناً منهم. وقد دخل كايد في جدال مع اولئك الذين وقفوا متفرجين ولم يعملوا على انهاء هذه الظاهرة. وتفسير ذلك ما قاله محاميه محمود حسان للقاضي رون دلومي: «ضابط استخبارات بادر إلى العزل وأسرى معينين قدموا له معلومات عن كايد. وتم استبدال العزل فيما بعد بالأمر الاداري. وطلب حسان فحص ما إذا كانت المعلومات قد أعطيت مقابل امتيازات معينة.

الأخ محمود يفرض أن السبب هو الكاريزما وقدرة شقيقه القيادية، التي تبلورت أكثر من السجن وهي تقلق السلطات. فقد دخل بلال إلى السجن في جيل العشرين.

العائلة هي من العائدين: الأب خدم في الجيش الأردني، وقبل حرب 1967 غادر الضفة الغربية. وبعد ذلك انضم إلى جيش التحرير في «م.ت.ف» كمهندس ومسؤول عن الصيانة. وولد الأبناء في سوريا وترعرعوا في عمان. وعندما تم التوقيع على اتفاق أوسلو اعتقدوا أنهم عائدون إلى مرحلة أخرى من السلام. وقد أيدوا السلطة الفلسطينية إلى درجة أن بلال انضم إلى القوات الخاصة في الشرطة: القوات التي تدربت من اجل قمع الاحتجاجات والمظاهرات.

يقول الأخ محمود إنه في 2001 كان بلال من بين رجال الشرطة التي وضعت في سجن نابلس التابع للسلطة كسجان على محمود أبو هنود، عضو الذراع العسكرية لحماس وهو أحد سكان عصيرة ايضا. في أيار 2001 قامت إسرائيل بالقاء قنبلة على السجن الذي كان معتقلا فيه: أبو هنود نجح في الهرب وقُتل 11 سجان من اصدقاء بلال. هذا هو السبب الرئيس الذي دفع بلال إلى استخدام السلاح ضد المحتل. وقد اعتقل في نهاية 2001، حوكم وأُدين بسبب عضويته في منظمة معادية ومحاولتي تسبب بالقتل عن طريق اطلاق النار.

رفض القاضي العسكري دلومي فرضيتي العائلة والمحامين: «يتبين من المعلومات أن الشخص عمل في صفوف الجبهة الشعبية اثناء اعتقاله ايضا»، كتب في قرار المصادقة على أمر الاعتقال الاداري لستة اشهر. «كانت مكانته رفيعة المستوى بين أسرى الجبهة الشعبية، وكان مسؤول عن أسرى الجبهة الشعبية في سجن مجدو». وحسب اقوال دلومي فان قرار الاعتقال الاداري صدر بسبب نشاطه وبسبب البُعد العسكري. «من المعلومات التي تم تقديمها لي، يتبين أنه كان متورطا في أعمال حقيقية في هذين البُعدين، سواء في اطار السجن أو التأثير في منطقة سكنه. هذه الاعمال لها بُعد عسكري خطير. ولولا اعتقاله لكان تحرر واستكمل هذه النشاطات». لا كايد ولا محاميه من حقهم مواجهة الاتهامات أو دحضها من خلال استجواب الشهود.

«بدون معلومات فإن ما بقي للمحامي هو طرح الأسئلة التي قد تزعزع ثقة القاضي»، قال المحامي حلبي لصحيفة «هآرتس». «إنه يستطيع ايضا محاولة تقليل مدة الاعتقال، خصوصا عندما يتم التمديد». في نهاية الأسبوع الماضي عاد حلبي وهو سعيد من محكمة عوفر لأنه نجح في تقليل مدة التمديد بشهر لمعتقلين اثنين.

«اعتقال عادي»

في البينغ بونغ مع ممثل النيابة يسأل المحامي مثلا منذ متى عُرف أن فلان شارك في إطلاق النار. الجواب هو: في المادة السرية. متى بدأت المواد السرية تتدفق؟

مكتوب بالمادة السرية. هناك معلومات تفيد أنه خطط للمزيد من اطلاق النار؟ مكتوب بالمادة السرية، وهكذا. أحد موكلي حلبي هو «ش»، قاصر من مخيم للاجئين، قيل إنه اطلق النار مرة واحدة في 2015. وهناك اليوم سبعة قاصرين من بين المعتقلين بدون محاكمة. كان عددهم في نيسان 13 معتقلا. يقول حلبي إن جميع القاصرين نسبت اليهم اعمال عسكرية والتي يمكن أن تكون ايضا تخطيطاً للطعن.

«ش» اعتقل في بيته في المخيم في الصباح الباكر. ثلاث وحدات أحاطت بيت العائلة الذي يعيش فيه أعمامه.

جميع العائلات التي تسكن في البيت استيقظت على اقتحام الجنود. وفي كل شقة سألوهم ما الهدف ـ إلى أن وصلوا إلى بيت «ش»، عشرة أو سبعة جنود مع كلب أخاف الطفلة الصغيرة.

قاموا بقلب البيت وقيدوا يدي «ش» إلى الخلف وغطوا عيونه. ضربوا الأخ الأصغر منه لأنه تجرأ وقام بخفض صوت جهاز اللاسلكي الذي تم وضعه في الغرفة.

الجميع فرحوا لأن الأخ الاكبر لم يكن موجودا: يتعلم الطب في الخارج. الأب كان نشيطا في فتح في الانتفاضة الثانية واعتقل مدة سنتين. «الاعتقال هو أمر عادي»، قال الأب، «لكنني غضبت لأنه اعتقل قبل امتحانات الثانوية». الأم تحدثت عن الفرحة التي يلاقيهم بها الابن عند ذهابهم لزيارته. «في البيت ليس له الوقت لرؤيتنا، أما في الزيارات فيقول إن رؤيته لنا تجعله سعيدا».

هآرتس 26/7/2016

مواضيع ممكن أن تعجبك