السياق الجماعي هو ما يميز الفعل الارهابي

منشور 27 آذار / مارس 2005 - 11:39

جورج طرابيشي الحياة،  يمكن تعريف الإرهاب بأنه سلاح من لا سلاح له. وبعبارة يؤثرها الاستراتيجيون: سلاح الأضعف في مواجهة الأقوى. لكن هذا التعريف لا يكتسب تمام مصداقيته ما لم نضف حالاً أنه ينبغي أن يُقرأ بصيغة الجمع، لا بصيغة المفرد. فلا إرهاب إلا أن يكون جماعياً. وهو موجه دوماً من قبل جماعة ضد جماعة، ولغاية جماعية، حتى لو نفذ العملية الإرهابية فرد مفرد، وحتى لو استهدفت هذه العملية فرداً مفرداً أيضاً. إذ أن المستهدف في هذه الحالة ليس الفرد وحده، بل أيضاً، ومن خلاله، الجماعة التي يمثلها أو ينتمي إليها.

هذا السياق الجماعي هو ما يميز الفعل الإرهابي عن الفعل الاجرامي العادي. ومن هذا المنظور فإن أقدم جماعة إرهابية عرفها التاريخ المكتوب هي حركة الورعاء اليهود في القرن الأول للميلاد ممن لجأوا الى العنف المفرط في مواجهة الاحتلال الروماني لفلسطين. ولئن اشتهروا في التراث اللاتيني المسيحي باسم الورعاء Zelotes هذا، فقد أطلق عليهم الرومان أنفسهم اسم «المخنجرين»، نظراً الى أنهم كانوا يعتمدون الخنجر وحده في اغتيال ممثلي السلطة الرومانية، وكذلك في تصفية أبناء جلدتهم ممن كانوا يعتبرونهم كفاراً أو مقصّرين في التقيد بحرف الشريعة التوراتية.

وككل حركة ارهابية لاحقة، فإن فرقة المخنجرين رأت النور أولاً، وكفكرة على الأقل، في رأس بعض المثقفين اليهود، وعلى رأسهم يهوذا الجليلي الذي قدم نفسه على أنه مصلح ديني ومرمّم للعقيدة القويمة التوراتية ومناضل في الوقت نفسه ضد الاحتلال الروماني الذي كان نزع في مطلع القرن الأول للميلاد الى تجريد اليهود مما كانوا يتمتعون به من استقلال ذاتي في عهد هيرودوس. وازاء ضراوة القمع الروماني، الذي أخذ شكل عملية صلب جماعي لألفين من المتمردين، لم يكن أمام «الورعاء» من خيار آخر لمواجهة «إرهاب الدولة» هذا سوى التحول بدورهم من حركة مقاومة علنية الى حركة إرهابية سرية تعتمد لغة الخنجر بعد أن كانت تعتمد لغة تأويل النص الديني بهدف رده الى نقائه الأول.

الحركة الثانية التي عرفها تاريخ الإرهاب كانت بدورها حركة دينية قبل أن تتحول الى حركة سياسية تقدم فعل السيف، بل الخنجر تحديداً، على خطاب الدعوة. والمقصود ههنا فرقة الحشاشين المنسوبة الى الاسماعيلية النزارية. فمؤسس هذه الفرقة كان هو الآخر «مثقفاً»، أو داعية بلغة ذلك العصر، وهو الحسن الصباح الذي تفيد الروايات بأنه درس على مقاعد جامعة واحدة جنباً الى جنب مع اثنين من كبار أعلام تلك الحقبة، هما الشاعر الفيلسوف عمر الخيام ورجل السياسة والفكر السياسي نظام الملك الذي سيغدو خصمه الأول. وهنا أيضاً نلاحظ أن التطور نحو الإرهاب جاء نتيجة لاختلاط السياسي بالديني ولفقدان التوازن في القوة من جانب الأقلية المذهبية التي كان يمثلها الجناح النزاري المنشق عن الدولة الدولة الفاطمية الاسماعيلية، والمتمرد على الدولة العباسية السنية، والمتحصن في قلعة ألموت (= النسر) المنيعة في جبال الديلم شمال إيران.

وتعود شهرة فرقة الحشاشين، وهو الاسم الذي تحول في الأدبيات الاستشراقية الى «المغتالين، Assassins، الى كونها مارست على نطاق واسع استراتيجية الضربة النفسية بوصفها السمة المميزة للفعل الإرهابي من حيث أنه، على حد تعريف ريمون آرون، عمل عنيف يتقصّد أن يأتي مفعوله السيكولوجي أكبر بكثير من نتيجته المادية الصرفة. فقد نفذ أتباع حسن الصباح عمليات اغتيال مدوية طالت نظام الملك نفسه، وزير السلاجقة الكبير، وثلاثة من الخلفاء العباسيين وقائداً من أشهر قادة الصليبيين، وهو المركيز مونفرا الذي كان توج نفسه ملكاً على القدس.

ولئن يكن المخنجرون اليهود والحشاشون الاسماعيليون قد مثلوا حركة إرهابية تداخل فيها الديني والسياسي، فإن حركة «الخنّاقين» الهندوسيين، المعروفين باسم التويغ، مثلت بالمقابل حركة إرهابية دينية خالصة. فالتويغ كانوا من عَبَدة إلهة الموت الهندوسية كالي. وكانوا يعتقدون أن هذه الإلهة قد خلقت من عرق إبطيها إنسانين ليساعداها في نزالها مع الشياطين. وحتى تكافئهما أباحت لهما أن يقتلا بلا تأنيب ضمير، مشترطة عليهما ألا يسفكا دماً. ومن هنا تخصص أحفادهما من التويغ في قتل المسافرين خنقاً، وبلغ عدد ضحاياهم على امتداد القرون ألافاً مؤلفة. وكانت حركتهم هي الأكثر تعميراً في تاريخ الإرهاب: فقد رأت النور في القرن السابع ولم تتم تصفيتها، على أيدي البريطانيين، إلا في منتصف القرن التاسع عشر.

والواقع أنه كان لا بد من الانتقال الى أوروبا وحلول عصر الأيديولوجيات محل عصر الديانات، حتى يرى النور الإرهاب الحديث، أي الإرهاب السياسي الصرف. وقصب السبق في هذا المجال يعود الى الثورة الفرنسية التي أسست، في مرحلتها الروبسبييرية، عبادة حقيقية للإرهاب. فرغم أن روبسبيير كان يعتقد أن التعصب الديني هو شر الشرور لمناقضته المطلقة لمبدئي العقل والحرية، فقد استبدله بتعصب ثوري قاد الألوف من مناهضي الثورة كما من أنصارها، بمن فيهم روبسبيير نفسه، الى المقصلة. وقد كان هو من دشن، في الثورة الفرنسية، ما يُعرف بعهد الإرهاب عندما قال في خطابه أمام الجمعية التشريعية في 5 شباط (فبراير) 1794: «إما أن نسحق الأعداء الداخليين والخارجيين للجمهورية، وإما أن نهلك بهلاكها. ومن ثم ينبغي أن يكون الشعار الأول لسياستكم هو: بالعقل يُقاد الشعب، وبالإرهاب يُقاد أعداء الشعب».

وإذ جرى على هذا النحو تأسيس الإرهاب في فضيلة ثورية، فقد كان طبيعياً أن تغدو المقصلة هي الحَكَم في التمييز بين الثوريين ومناهضي الثورة. وكان الثمن الذي دفعه كلا الطرفين باهظاً. ففي باريس وحدها سيق الى الموت 2625 شخصاً، وفي عموم فرنسا 16600 شخص. وإذا أضيف الى هذه الأرقام الرسمية للإرهاب «الشرعي» العشرون ألفاً من الضحايا الذين تمت تصفيتهم بصفة لا مشروعة، وكذلك ضحايا المواجهات المسلحة بين الجمهوريين والملكيين، لا سيما في مقاطعة الفاندية، فإن اجمالي ضحايا عهد الإرهاب يرتفع الى مئتي ألف، بل الى ثلاثمئة ألف حسب بعض التقديرات، وهذا من أصل 28 مليون نسمة كانوا يشكلون جملة سكان فرنسا.

وما عرفته فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر، ستعرفه روسيا بدورها في نهاية القرن التاسع عشر، مع تأسيس العبادة الفوضوية للثورة والإرهاب الثوري. وقد لا نغالي إذا تكلمنا هنا عن تصوف، بل عن هوس ديني حقيقي. وليس من قبيل الصدفة أن يكون كبير منظّري الفوضوية الروسية، سيرغي نتشائيف، قد أطلق على كتابه عنوان: «كتاب التعليم الديني الثوري»، وفيه تحديداً قدّم التعريف التالي للإنسان الثوري، وهو تعريف لا يفقد شيئاً من مصداقيته إذا أبدلت فيه كلمة «الثوري» بكلمة «الإرهابي»، وحصراً «الإرهابي الانتحاري»: «الثوري هو انسان مائت سلفاً. فليس له مصالح خاصة، ولا اهتمامات خاصة، ولا عواطف ولا روابط شخصية، ولا حتى اسم. فكل ما فيه يستغرقه اهتمام واحد من دون سائر الاهتمامات، وفكرة واحدة وهوى واحد من دون سائر الأفكار والأهواء: الثورة. ففي عمق كينونته، وليس فقط بالأقوال بل كذلك بالأفعال، قطع كل صلة بالنظام العام وبالعالم المتحضر قاطبة، بكل قوانينه ومواضعاته الاجتماعية وقواعده الاخلاقية. الثوري هو عدو لا يهاود، ولا يحيا إذا ما استمر في الحياة إلا ليهدم ويدمّر بمزيد من التصميم».

وعلى امتداد القرن العشرين تطورت ظاهرة الإرهاب الثوري بالارتباط، من جهة أولى، بحركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا، ومن الجهة الثانية بحركات التحرر الاجتماعي في أميركا اللاتينية. لكن ابتداء من السبعينات عاد البعد الديني يتداخل من جديد مع البعد السياسي، وخلا استثناءات قليلة تمثلت بالإرهاب السيخي في الهند، وبإرهاب طائفة أوم (= جيش الله) في اليابان» فإن الإرهاب الناكص من المستوى السياسي «العلماني»، كما قد يمكن القول، الى المستوى الديني الايماني قد تمثل جوهراً وأساساً بالإرهاب الاسلاموي، بدءاً بالجماعات الجهادية التي تكاثرت ابتداء من السعبينات، وانتهاء بـ«القاعدة» التي يمكن اعتبارها بحق «شبكة الشبكات». ولا يمكن فصل الإرهاب الاسلاموي عن الرحم التي تخلّق فيها، وإن يكن قد نجح في خطف الأضواء منها، اي الاسلام السياسي الموصوف بأنه جذري او أصولي تمييزاً له عن الاسلام السلفي التقليدي. وقد تضافرت في توليد الإرهاب الإسلاموي عوامل وسياقات جيوبوليتيكية عدة، في مقدمها الاستراتيجية الايديولوجية للغرب نفسه في تطويق الاتحاد السوفياتي بحزام ديني عازل، وتنظيمه بالتالي للحرب «الجهادية» في أفغانستان. يضاف الى ذلك، ودوماً في السياق نفسه، قيام الثورة الإسلامية الايرانية التي لعبت على الصعيد التعبوي دوراً لا يقل خطورة عن الدور الذي لعبته الطفرة النفطية على الصعيد التمويلي. وأخيراً وربما أولاً من حيث الفاعلية النفسية، تعمّق الهزيمة العربية في مواجهة اسرائيل التي قامت في الأساس على ازدواجية في الهوية كدين وقومية معاً في نقطة مركزية من العالم العربي الذي لم تسمح له، بدوره، حداثته الناقصة بالتمييز بين الدين والقومية. كما ان الحبل السري الذي ربط من البداية ولا يزال بين اسرائيل والغرب - الغرب الأوروبي بالأمس والغرب الأميركي اليوم - كان له، ولو عن طريق الارتجاج العكسي، دور حاسم في إمداد الاسلام السياسي والارهاب الاسلاموي بالنسغ المغذي الذي يتمثل بكراهية الحضارة الغربية بما هي كذلك.

ولعل هذه النقطة الاخيرة هي ما لم يفهمه الغرب - وتحديداً منه اميركا - وهو يتصدى بعد 11/9 لما بات يعتبره عدوه الأول للقرن الحادي والعشرين الجديد هذا. فكل رد الفعل الأميركي بعد ضربة 11/9 يشير الى ان ادارة الرئيس بوش تحصر كل حربها ضد الارهاب بالعمليات العسكرية والاستخبارية سعياً الى تدمير طاقته البشرية وتفكيك بنيته التحتية المادية وقطع تمويله. لكنها لا تولي بالمقابل اهتماماً طويل النفس للمناخ الايديولوجي والنفسي المولّد للارهاب. ومن هنا كانت اصلاً «غلطتها» العراقية التي قدمت لـ«القاعدة» قاعدة بديلة عن القاعدة الافغانية. فأميركا، ومعها الغرب كله وحتى العالم بأسره، لن تربح حربها ضد الارهاب ما لم تجفف خزّان الكراهية ورغبة الثأر الذي يمده وسيعيد امداده بالقوى الحية. وهذا الخزان موجود أولاً في الأراضي المحتلة بفلسطين، وثانياً في البؤس المادي والنفسي للكتل الكبيرة من الشعوب العربية، المستَبعدة - بحكم قمع الأنظمة وفشل مشاريع التنمية والتحديث - من مائدتي الديموقراطية والحضارة معاً.

 


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك