هل يوجد خطأ في العنوان المتداول لكتاب الجاحظ "البيان والتبيين"؟

منشور 12 آذار / مارس 2018 - 02:17
كتاب البيان والتبيين للجاحظ
كتاب البيان والتبيين للجاحظ

إنّ مَن يطالع الطبْعات المختلفة لكتاب "البيان والتبيين" يجد أنّ مسألة العنوان محسومة لصالح العنوان المتفق عليه "البيان والتبيين"، كما أنه العنوان الأكثر شهرة عبر تاريخ الأدب العربي. غير أننا نجد أنّ الشاهد البوشيخي في كتابه "مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيّن للجاحظ" يطرح قضية وجود خطأ في العنوان، وأن العنوان الصحيح هو "البيان والتبيُّن". ويوضّح البوشيخي أن القضية قديمة وأن المستشرق الفرنسي دي سْلان هو أول من أشار إلى قضية العنوان في ترجمته الإنجليزية لكتاب ابن خلكان "وفيات الأعيان" الذي صدرت ترجمته عام 1838م، بأنّ العنوان كما ورد بخط يد المؤلف -ابن خلكان- هو "البيان والتبيُّن" وليس "البيان والتبيين".

كما أنّ المستشرق الفرنسي كليمان هيوار جزم في كتابه "الأدب العربي" -الذي صدرت طبعته الفرنسية عام 1902م- أنّ الصواب هو التبيّن، وأشار إلى أن التبيّن تشير إلى النقد والتحقيق أكثر من كلمة التبيين، بينما اكتفى بروكلمان بالإشارة إلى القضية كما وردت عند دي سلان.
 
ونجد بدوي طبانة يجزم بأن الصواب هو "التبيّن" دون تقديم أدلة على ذلك، في حين يصر الطاهر مكي على أنّ الأصل أن نلتزم بالعنوان الأصلي كما ورد في المخطوطات وليس مراعاة ما يناسب ولا يناسب، ويجزم بأن جميع المخطوطات تحمل عنوان التبيين وليس التبيّن. وهو الأمر الذي يثبت البوشيخي خطأه إذ إن مخطوطتين من أصل ست مخطوطات تحمل العنوان التبيُّـن، ويستغرب البوشيخي من إهمال عبدالسلام هارون للقضية بشكل تام على الرغم من أن المخطوطة (ل) المعتمدة لديه ليس في متنها وعنوانها إلا التبيّن.
 
كما أنّ ميشال عاصي رجّح التبيُّن وأنّ التبيين محرفة عن أصلها، وذلك لأنّ البيان والتبيين تحملان المعنى نفسه: "إن لفظة البيان التي تعني التعبير الواضح في حد ذاته... هي مرادفة من هذه الوجهة للفظة التبيين التي تعني الشيء نفسه بالنسبة للشخص المتكلم"، إضافة إلى أنّ لفظة التبيّن هي التي تعبر عن وضع السامع الذي مهمته الفهم والبيان مختص بالقائل الذي مهمته الفهم.
 
ويقدم الشاهد البوشيخي أدلة نقلية وعقلية على صحة رأيه: فأولا "إنّ (البيان والتبيّن) بياء واحدة مشددة، هو العنوان الذي عنونت به نسخ ثلاث من أصول الكتاب، هن أصح النسخ وأوثقها وأقدمها"؛ منها نسخة مكتبة فيض الله بالأستانة والعنوان بها مشكول شكلا تاما "البيان والتَّبَيُّن"، وهي نسخة يعود تاريخ إكمالها بالقراءة والمقابلة إلى سنة سبع وثمانين وخمسمئة وهو أقدم تاريخ لنسخة اعتمد عليها ناشر للبيان حتى الآن. وهي منقولة عن نسخة أبي جعفر البغدادي التي تعود إلى سنة سبع وأربعين وثلاثمئة.
 
ولقد ورد اسم الكتاب في "وفيات الأعيان" تحقيق إحسان عباس باسم "البيان والتبيّن" ولم يعلق عباس على ذلك؛ مما يوحي -حسب البوشيخي- بأن النسخ الثمانية التي قابلها عباس أثناء تحقيقه لكتاب الوفيات متفقة في ذلك. كما أن التبيّن يتفق مع خلاصة فكر الجاحظ الذي جعل العالم عنده حكمة ودليلا، وإن كان الإنسان كذلك حكمة ودليلا فإنه ليس مجرد حكمة ودليل فقط بل حكمة تعقل الحكمة وعاقبة الحكمة ودليل يستدل على عكس الأجرام الجامدة والصامتة فهي لا تتبيّن ولا تفهم. وقد ركّز الجاحظ على فكرة التبيّن في كتابيه "الحيوان" و"البيان والتبيّن"؛ فنجده يقول في الحيوان: "وكل شيء في العالم فإنما هو للإنسان، ولكل مختبر ومختار، ولأهل العقول والاستطاعة، ولأهل التبيّن والروية". وجاء في كتاب البيان: "مدار الأمر على البيان والتبيّن، وعلى الإفهام والتفهّم".
 
إضافةَ إلى أن الجاحظ -كما يرى البوشيخي- لم يكن يعنون مؤلفا باسمين معطوف أحدهما على الآخر إلا بين الاسمين ضرب من التقابل أو التخالف، ونجد ذلك في كل ما كتب؛ فلدينا كتاب الخؤولة والعمومة، وكتاب العرب والموالي، وكتاب العرب والعجم، لذا يجد البوشيخي أن طبيعة مؤلفات الجاحظ ينسجم معها عنوان "البيان والتبيُّن" وليس "البيان والتبين".
 
[نقلًا عن الكاتب ربيع ربيع]

 


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك