حنا مينه.. «ولدت كريماً وزكرتاً، وسأموت كريماً وزكرتاً»

منشور 30 نيسان / أبريل 2005 - 07:59

صحيفة تشرين ، ليس من السهل اقتناص حوار مع الأديب العربي الكبير الروائي حنا مينه، فمن المعروف أنه لا يتجاوب مع طلبات اللقاء معه ومحاورته، وما أكثر هذه الطلبات... فهو في مجالسه يكره الكلام عن الأدب ويقول عن نفسه: «ولدت كريماً وزكرتاً، وسأموت كريماً وزكرتاً».. يكره الوسطية، يأنف من المقايضة، يندفع إلى حيث تكون المغامرة، وربما إلى العيش على حافة الخطر.. يحب الحياة، كرمى الحياة لا من أجل الكتابة عنها.. إنه صديق العمال، عاشق البحر.. قلت له قبل أن أباغته بإخراج الورقة والقلم من حقيبتي: إن حواري سيكون عن المرأة وللمرأة.. ولكن سأبدؤه بسؤال شخصي:

ہ هل الطيبة التي ترتسم على وجهك مصطنعة؟ ‏

ہ هذا صحيح! ‏

ہ وهل أنت مغرور؟ ‏

ہ وهذا صحيح أيضاً! ‏

ہ وبماذا تفسر اعتدادك الزائد بنفسك؟ ‏

ہہ إنه اعتداد مألوف بالنسبة إلي... إلا أنه قد يكون غير مألوف بالنسبة للآخرين.. لماذا هذه الاستكانة من قبل الكتاب، دون مبرر؟.. سورية منجم إبداع، قديماً وحديثاً، ولا حاجة للتعداد، إلا أن الناجح عندنا، كما أقول دائماً معاقب، بخلاف ما عليه الحال في مصر.. هناك، إذا ظهرت موهبة، في أي جنس من الأجناس الأدبية أو الفنية، رعوها، شجعوها، أبرزوها، أوصلوها إلى الأعالي، وربما يبالغون في هذا أحياناً.. هناك دولة لا سلطة كما في بعض الدول العربية.. بالنسبة إلي، الأمر محسوم: أنا المعلم، وإذا كان نجيب محفوظ، أحد مؤسسي الرواية العربية، له عالم روائي متكامل، فأنا أيضاً لي عالم روائي متكامل، ولهذا رشحني من بعده لجائزة «نوبل» دون تردد، وإني لأشكره على ذلك، دون اهتمام بجائزة نوبل أو غيرها.

<?xml:namespace prefix = v ns = "urn:schemas-microsoft-com:vml" />

ہلماذا شكواك المستمرة من الكتابة، رغم أنك تواصل الكتابة حتى الآن؟ ‏

ہہ الكتابة تحفظ توازني النفسي، وفيها خلاصي، إنها الفضيلة الكبرى والرذيلة الكبرى، ولا خلاص منها إلا بالموت، والموت بالنسبة إليّ هو غودو الذي يأتي ولا يأتي! ‏

ہ أنت كسياسي، أثنيت على زيارة الرئيس بشار الأسد إلى روسيا الاتحادية، وعلى زيارته للمملكة العربية السعودية، فكتب أحدهم في جريدة «الحياة» واصفاً إياك بأنك تحلم وأنك واهم.. فما هو ردك؟ ‏

ہہ الرد نشر في الصحف، وقد أشفقت على هذا المدعو تركي، وأرجح أنه اسم مستعار، لأنه لا يعرف أنني لست من الذين يحلمون، أو يتوهمون، أو يبنون قصوراً في المريخ.. إن تركي هذا كسمكة في بحر، ولا تعرف أنها في بحر! ‏

إننا.. في سورية، محكومون بالأمل، في أن تغييراً جذرياً سيحدث بعد المؤتمر القطري للحزب.. والرئيس بشار الأسد، الذي رعى الثقافة وا لمثقفين، كما لم يحدث في أي قطر عربي آخر، جدير بهذا الأمل الذي يسكننا، وقد كانت زيارته لروسيا الاتحادية في زمانها ومكانها المناسبين، وكانت زيارته للسعودية في زمانها ومكانها المناسبين أيضاً.. ‏

لقد تخففنا /الآن/ من أعباء وتضحيات وجودنا في لبنان الشقيق.. لبنان خاصرة سورية، كان وسيبقى.. ونرغب في أن تكون هذه الخاصرة محمية كما ينبغي، وكما يحرص عليها الأشقاء اللبنانيون. ‏

ہ كيف هي علاقة حنا مينه بالمرأة ابتداءً من الأم فالزوجة فالابنة.. وإلى أي حد كانت موجودة والدة حنا مينه في كتاباته؟ ‏

ہہ المرأة في نظري للقداسة لا للدناسة وهي شفافة كالسحب البيض، متوهجة كذهبية الشمس عند الغروب وقد كتب «جورج طرابيشي» قائلاً: «حنا مينه أكثر الكتاب العرب اجتراء على الجنس» ومع ذلك فإن المرأة بالنسبة لي ذات رؤى للطهارة، لا للتبذل، إضافة إلا أن المرأة هي صانعة التقدم الاجتماعي في حياتنا كما في حياة الأمم الأخرى. ‏

إن الجنس هو قاهر الموت، والتاريخ بدأ مع الجنس، فقبل أن تقدم حواء بشجاعة على تذوق تفاحة الخير والشر لم يكن هناك تاريخ، وبعد أن نالت حصتها من هذه التفاحة المباركة أطعمت نصفها الآخر لآدم. ‏

إن حواء الجريئة يعود إليها الفضل في بدء التاريخ ا لبشري فقد عرفت الخطيئة، التي هي في رأيي لا خطيئة بل تمرد على وضع التواكل في الجنة بهبوطها مع آدم إلى الأرض حيث الكفاح هو قانون الحياة. وقد قال «الطروسي» «بطل الشراع والعاصفة»، إن الحياة كفاح في البحر وفي البر. وقد كانت هذه الجرأة التي تحلت بها حواء مأثرة تاريخية باقية ما بقي الدهر، أضافت إليها مأثرة أخرى في اسطورة «لوط وابنتيه» حينما قال له الرب خذ بنتيك واخرج فإني سأحرق سدوم وعمورة، وكان تتابع النسل كما هو معروف. ‏

ـ أما بالنسبة لي فإنني لا ألجأ إلى القسوة ولا إلى الأمر لأكون سيد بيتي، ومن لا يكون سيداً في بيته لا يكون سيداً في المجتمع، وكل ذلك على أساس احترام الطرف الآخر الذي هو الزوجة، وقد ذهب «فرويد» بعيداً حين قال أن الإنسان لا يحب المرأة بل يحب ذاته في المرأة وعمم هذه الرؤية التي تلغي الآخر تعميماً باطلاً أصلحه تلميذه «يونغ». ‏

وهكذا فإن الرجل يحتاج إلى الأنثى لتكتمل المعادلة، والسالب يحتاج إلى الموجب ليتم القانون الفيزيائي.. وهكذا صحح «يونغ» النظرة الأحادية التي تمسك بها معلمه فرويد وكان «يونغ» على صواب. ‏

ہ من هي المرأة الملهمة التي فجرت عواطف الأديب حنا مينه؟ ‏

ہہ ولا امرأة ـ أقولها صادقاً ـ ولا امرأة! ‏

ہ هل من المعقول وأنت في الثمانينيات ولم تحب؟ ‏

ہہ لأن الحظ شاء أن أكون تعيساً فلا أرى الحب، وليس لأنني لم أستلطف امرأة إنما لأنني، ولسوء الحظ أيضاً، أروض المرأة التي أستلطفها بسرعة وهذا ما شكل عندي نقصاً في التجربة فأنا لا أعرف كيف تكون فرحة، أو بكائية. ‏

وأنا لم أعرف الحب إلا في القصص والروايات وهذا موضع شك من الناس، ومحل صدقٍ مني وقد حرمني من متعة هذه التجربة الرائعة. ‏

ہ المرأة السورية والسياسية، وبداية تحررها.. ماذا في ذاكرتك عن هذا الموضوع؟.. ‏

ہہ بداية تحرر المرأة العربية السورية كان في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين، حين أتيح لها أن تتعلم وأن تعمل، وتكف عن أن تكون عالةً على رجلها، إلا أن التحرر ا لتام للمرأة كما أرى علمياً لا يكون إلامع العصر الصناعي الذي لم نبلغه حتى اليوم، فنحن نعيش العصر الزراعي وفيه الفردية هي الغالبة ومن هذه الفردية يستمد الرجل سلطته وتحكمه بالمرأة زوجاً وأختاً وبنتاً على السواء. إن أفضل الرجال هم الذين يأتون الى صف المرأة ليناضلوا معها في سبيل المساواة مع الرجل. وقد كان الرئيس المرحوم «حافظ الأسد» ذا نظرةٍ علمية باهرة في خطابه بمناسبة عام المرأة عندما قال: «المرأة العربية في سورية ناضلت بنفسها وبأبيها وزوجها وشقيقها»، وقد ترجم هذه الرؤية الثاقبة إلى واقع عندما استوزر المرأة لأول مرة في تاريخ سورية وسلمها القيادة في كثير من الوظائف بمراتب عليا. ‏

ہ المرأة الناجحة تحارب في مجتمعاتنا.. ولاسيما الأديبات.. ومثال على ذلك ادعاء الكاتب العراقي سعدي يوسف كتابة رواية «ذاكرة الجسد» التي نالت شهرة كبيرة للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، لماذا هذا الهجوم الدائم للتقليل من شأن المرأة وإمكاناتها؟ ‏

ہہ ليست المرأة الناجحة هي التي تعاقب وحدها عندنا بل الرجل الناجح أيضاً وقد تكلمنا.. وثمة ظاهرة إيجابية مفيدة، تشير إلى أن ثمة إقبالاً من الفتيات والنساء، على كتابة الرواية، وقد كنت ملوماً حين قلت في العام (1982) كما يثبت الناقد اللبناني محمد دكروب في كتابه «حوارات وأحاديث مع حنا مينه» أن الرواية ستكون ديوان العرب في القرن الواحد والعشرين، ورغم كل الاعتراضات أصبحت الرواية ديوان العرب في القرن العشرين نفسه وتحول الجميع إلى كتابة الرواية من ذكور وإناث.. وحتى «أدونيس» وهو شاعر معروف أنبأنا مغتبطاً بأنه سيكتب الرواية. ‏

وبالنسبة لي أعتقد أن درب الرواية واسع، منفتح لكل من سار على هذا الدرب وقد سار فيه تسعون بالمئة على الأقل من الكتّاب في كل البلدان العربية.. ولعل من هذا الكم يفرز النوع، ونصل إلى رواية تخترق جدار الصوت، مع العلم أن هذه الرواية تظهر في أوروبا وأميركا حتى اليوم. ‏

والجانب السلبي في المسألة بعض الروائيات خيّل إليهن أن أقصر الطرق إلى الشهرة هو اتباع «ليلى بعلبكي» التي كتبت رواية فيها الكثير من الألفاظ البذيئة، تبعتها الروائيات المبتدئات اللواتي يحسبن أنه أقصر طريق إلى الشهرة. ‏

 


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك