قراءة سوسيولوجية في رواية “إنسانزم” للروائي سعد سعيد

منشور 27 حزيران / يونيو 2018 - 08:13
رواية “إنسانزم” للروائي العراقي سعد سعيد
رواية “إنسانزم” للروائي العراقي سعد سعيد

رواية “إنسانزم” للروائي العراقي سعد سعيد

القرد وأسئلة حول الوجود
قراءة سوسيولوجية

بقلم: د.سوسان جرجس

ما بين العنوان وصورة القرد التي تتوسط الغلاف بلون بنفسجي فاتح يكاد يقترب من الرمادي، تحركت نظرات الأنتربولوجي فيّ متسائلة عما قد تحتويه دفّتا الكتاب، أيعقل أنه سيروي بعيون المؤرخ أو الأركيولوجي؟ أم إنه سيعتلي أمواج الأنتربولجيين متحدثاً عن علاقة محتملة بين الإنسان والقرد؟

منذ الصفحة الأولى أيقنت أنّ الكاتب قبطان سفينة يهوى الإبحار بين المضائق، هو لن يدعني أسرح بتأملاتي في موج البحر، إنما غايته أن يُبقي حسّ الدهشة فيَّ متيقظاً على الدوام، وذلك بأن ينطلق بي في رحلة الوجود بحثاً عن الحقيقة ونواتها “السؤال”، فالسؤال يحيا بالدهشة، والإنسان يحيا بالسؤال، والنص يولد من رحم الإنسان… وهكذا كان السؤال الأول في ص8 “لِمَ أسميتني تيمو؟”.

النزعة الوجودية في رواية “إنسانزم”

“يؤمن الكثيرون بأننا من نصنع أقدارنا، ولكن هذا ليس صحيحاً دائماً، فكم من مرة شاءت الصدفة… الصدفة المحضة أن تكون هي من تصنع أقدارنا”.

بهذه العبارات القلقة استهل الروائي سعد سعيد روايته متسائلاً عن حقيقة وجود الإنسان، خياراته، قراره، مسؤوليته، حريته ليطلق بذلك صرخة ذاتية تخرج به ككاتب عراقي، وفي مجتمع له مقوماته البنيوية الاجتماعية الخاصة، عن طغيان الجماعة وسلطة التقليد الأعمى، وبهذه الطريقة يعبّر الكاتب عن نزعة وجودية أدبية تتكشف خلال النص، ففي ص69 يقول الكاتب “لِمَ كان علينا أن ننام؟… ألم يكن بإمكان القوى التي خلقتنا أن تزودنا بمحطات للطاقة نلجأ إليها كلما احتجنا إلى تجديد طاقاتنا بالضبط كمحطات وقود السيارات؟!”، يبدو أنّ نزعة االتشكيك والتساؤل تغلب لدى الكاتب، فهو إن كان قد بدأ روايته بالتساؤل حول القدر وماهيته، نراه الآن يبدي قلقاً ورفضاً لطبيعة حياة الإنسان عموماً، وعوضاً عن أن يستعمل كلمة “الله”، التي ستستعمل لاحقا وبكثرة في حوارات د. علي والقرد تيمو، نراه يستبدلها بعبارة “القوى التي خلقتنا” ليعيد إلى الذاكرة مقولة سارتر في الكلام عن الإنسان والاختيار إذ يقول “نحن أولئك الممثلون الذين دُفع بهم إلى المسرح دون إعطائهم دوراً محدداً، دون مخطوطة في اليد، ودون ملقن لهم بما عليهم أن يفعلوا، إن علينا وحدنا أن نختار كيف نعيش حياتنا”.

إنّ مقولة سارتر أعلاه هي ما نرى صداه أيضاً في ص 254- 255 في حوار بين د. علي والقرد تيمو وهذا نصه:

“- ولكن ما هو الموت على أية حال؟؟
* هو انتهاء صلاحية الحياة لدينا.
* ومن الذي يحدد صلاحية الحياة؟
* الله.
* الله؟؟”.

وفي الحوار نفسه يتابع:

“- ولكن من الذي أخبركم بذلك؟
* الله نفسه.
* عجيب!…. هل تحدثون إلهكم ويحدثكم؟
* لا طبعاً…. أخبرنا بذلك من خلال الكتب المقدسة.
* الكتب المقدسة؟ …. لِمَ لم يحدثكم مباشرة؟… ألا يستطيع ذلك؟
* طبعا يستطيع ذلك فهو كليّ القدرة.
* فلِمَ لم يفعل ذلك؟
* لا أعرف اسأله حين تقابله…. بعد الموت طبعا.
* وهل يقابل القردة؟”.

يكشف هذا الحوار جلياً عن صراع حاد في نفس الكاتب ما بين الشك والإيمان، أو لنقل إنه يكشف عن تساؤلات عميقة مرتبطة لديه بالوجود والعدم، ما يجعلنا نقول إنه بتلك التساؤلات يبحث عن المعرفة، بل عن نوع من المعرفة التي لا يمكن أن تكون موضوعية، وإنما هي معرفة ذاتية (بالذات، بالآخر، بالإله، بالقوى المجهولة….) تحمل -حتى في يقينها- قدراً من الغموض والتشويش.

قد يظن بعضهم أننا حينما نتكلم عن الوجودية عند الروائي العراقي سعد سعيد فإننا نتكلم عن الإلحاد، ولكن هذا ما يدحضه الكاتب نفسه في ص73 ضمن قصة كتبها القرد تيمو بعنوان “البريد الإلهي” ومفادها الإيمان بالقدر، فعندما يرفرف الموت فوق رأسك (خلال الحرب) مرة واثنتين وثلاثا وأربعا ويتجاوزك دون أن يأخذك معه إلى العالم الآخر فمعناه وكما يستنتج الكاتب في آخر القصة ص 74 “وعندها فقط أدركت أنها رسالة من الإله أن اعمل ما تشاء لأنك لن تموت اليوم”، وبهذا يتضح لنا أن الوجودية التي تخضبت بها رواية إنسانزم هي على ارتباط وثيق بنزعة تصوفية وبجانب روحي تريد الوجودية إبرازه –على حد تعبير جون ماكوري- باعتباره التعبير الوحيد عن الوجود الإنساني الأصيل.

الأنا والآخر

شغلت العلاقة بين الأنا والآخر حيزاً كبيراً من تفكير الروائيين والفلاسفة وعلماء الاجتماع، فتكلم جورج اورويل عن “الآخر” بصفته حاكماً مستبداً في عام 1984، وانصبّ اهتمام ماركس بـ”الآخر” باعتباره ربَّ العمل وذلك في رأس المال ووسيطه في الاستغلال فائض القيمة، أما سيمون دي بوفوار فتكلمت عن الآخر باعتماد معيار الجنس في كتابها الشهير “الجنس الآخر”... وحينما قرأت رواية “إنسانزم” اكتشفت أنه يتكلم عن “الآخر” بأوجهه المتعددة:

* الآخر الإنسان في مقابل الحيوان، وهذا ما نلمحه في حوارات بطل الرواية د. علي مع القرد تيمو الذي يحيلنا في أسئلته الفلسفية إلى رواية جوستاين غاردر “عالم صوفي” حيث حسّ الدهشة الطفولي وفيض الأسئلة الباحثة عن الحقيقة، ويبقى القرد تيمو عاجزاً عن فهم الآخر (الإنسان) برغم ذكائه وبرغم التدريبات والتجارب التي يخضع لها، وهكذا نراه يكرر عبارات مثل “أنا لا أستطيع أن أفهم البشر”.. “كلما حاولت أن أفهمكم أنتم البشر تزيدونني حيرة”.

* “الآخر” في ثقافته وموقعه في عالم القوى، وهذا ما كنا نراه في حوارات د. علي مع البروفيسور الأمريكي مارك، فعلى الرغم من العلاقة الطيبة التي جمعت الاثنين، إلا أن بعض العبارات الممازحة كانت تكشف عن صورة نمطية راسخة لدى كل منهما تجاه الآخر، فعلى سبيل المثال نقرأ على لسان مارك في ص18 “لم أكن أعرف أن للعراقيين عقولا مبدعة”، فيما يجيبه د. علي ” احتاجت أمريكا إلى خمسة آلاف سنة بعد أن اخترع العراق الحضارة، لتظهر إلى الوجود فقط…. مستعمرة”، وفي ص37- 38 نقرأ على لسان مارك “كم أحب التلاعب بك يا صديقي الشرقي” ليجيبه د. علي “تكلم أيها الغربي القذر”، تحيلنا مثل هذه الحوارات في رواية “إنسانزم” ومن حيث المنحى النفس- اجتماعي إلى ثنائية شرق/ غرب في كتابات جورج طرابيشي حيث تنطلق تلك الثنائية من الموروث المتخيل للذات الشرقية (الأنا) وصراعها مع الكولونيالية الغربية (الآخر) وما نتج عن ذلك من مركبات نقص عانت منها الذات الشرقية في مواجهتها للآخر الغربي غير البريء من عين الداء.

* الآخر في القومية أو حتى الأيديولوجيا: إن قراءة القصص التي كتبها القرد تيمو تحيل إلى المواطن العراقي الذي عاش واختبر الحروب التي حصلت فوق أرضه (الحرب العراقية الإيرانية، والعراقية الكويتية)، وإذا كانت تلك القصص كافة قد عرضت إشكاليات “نحن” و”هم”، فإننا نعي أن ما أراده الكاتب هو رسم خطوط صورة “الآخر” في مقابلة بينها وبين صورة الذات (الفردية والجماعية)، منذ بداية الرواية حتى نهايتها يكشف الروائي سعد سعيد عن ذلك الصراع النفسي الاجتماعي المتجذر بين “الأنا” و”الآخر”، وتكشف النهاية المتمثلة باختطاف الـCIA للقرد تيمو/ مادة التجربة من العراق إلى أمريكا، إن الكاتب يكتب محصلة خبرة ذاتية ومواقف اجتماعية مؤكّدة لما قاله محمود أمين العالم في كتابه “الرواية العربية بين الواقع والأيديولوجية” من أنّ النص الأدبي ليس كينونة مطلقة خارج الحياة أو فوقها، وإنما هو تشكيل إبداعي نابع من الحياة، وتحقق الحياة به استمرارها وتجاوزها لذاتها.

المرأة في الرواية

تكشف رواية “إنسانزم” الصورة النمطية التي تحياها المرأة في مجتمع بطريركي كالعراق، أنها وعاء للرموز والدلالات فهي الإغراء، الفتنة، الأمومة، التربية، التضحية…. هي حاملة للموت والحياة في آن معاً.

ففي أول قصة كتبها “تيمو” بعنوان “الحيّات” في ص55 يتحدث الكاتب عن تجربة معاشة لجندي عراقي مع الحيات خلال الحرب، إلا أنّ من يتمعن في دلالات القصة ورموزها يرى أنّ الكاتب يتكلّم عن المرأة وعن الخوف الكامن لدى الرجل منها، لا بل من جنسانيتها ومبادرتها خاصة في مجتمعِ يعتمد مبدأ الفصل بين الجنسين في الكثير من تفاصيل حياته خاصة بعد عام 2003، فنقرأ في ص58 “وأنا في قمة نشوتي الصوفية، لمحت ظلها على صدري، لم أصدق نظري، ولكني قطعت نفسي احتياطاً… أغمضت عيني وفتحتهما… كانت موجودة… بنت الكلاب هل أنا درب الذين خلفوها… كان بطء حركتها قاتلا وهي تلتفت برأسها إلى جميع الاتجاهات قبل أن تقترب أكثر من وجهي… عرفت أن اللدغة ستكون في حنكي… أيْ إن الموت سيكون الأسوأ…”.

لقد أراد الكاتب أن يقول أن الرجل العراقي الذي يخوض الحروب بكل بسالة سيجد نفسه مستسلماً لتلك المبادرة الأنثوية التي يخشاها كونها فتنة يتعذّر ضبطها وهي ممثِلٌ حيٌّ لأخطار النشاط الجنسي وقوته الكاسحة الممزّقة… إن هذه العلاقة الجندرية التي يعرضها الكاتب ليست سوى استبطان لما ورد في ملحمة جلجامش الشهيرة من قدرة البغي على ترويض أنكيدو الذي سبق أن خضعت له كل حيوانات البرية.

ومن المفارقة أن الرجل الذي يخشى جنسانية المرأة هو نفسه من يتعامل مع هذه الأخيرة على أساس وظائفي معنون بالجندرية:

– وظيفة التربية والعناية: إذا كان الذكر في رواية “إنسانزم” هو الدكتور، العالم، المحارب، فإن المرأة هي ربة المنزل (زوجة د. علي) التي تربي الأولاد وتهتم بهم في غياب والدهم وانشغالاته وتحقيق طموحاته، كما أنها المساعدة المعلّمة (رؤى) ص30 التي تعتني بالقرد تيمو وتدربه كي يصبح مؤنسناً.

– وظيفة التمتيع الجنسي للرجل: تكشف الرواية عن تلك الذهنية الذكورية التي تختزل المرأة بجسدها، إنها -وتبعاً للباحثة الأنتربولوجية ماري دوغلاس- الفريسة التي يسعى الرجل (الصياد) للإيقاع بها من أجل المتعة الجنسية مع الحذر الدائم من الوقوع في فخّ الزواج، المؤسسة الوحيدة الضامنة لمكانة المرأة والمرسخة لمنظومة القيم الجندرية.

وهكذا نقرا في 70 على لسان جندي عراقي “لسنا في مجتمع يتيح لي أن ألبّي فيه رغبتي بمجرد اللقاء بفتاة استلطفتني وابتسمت لي… (هلو، شللونج، إي تتدلل)… لا… هذا أمر مستحيل، فحتى إن استجابت لي وتكلمت معي، فدونها والفراش مناورات وأكاذيب وخدع تتطلب وقتاً طويلا يتجاوز أسبوعي اليتيم بكثير”.

كما أننا نقرأ في إطار علاقة د. علي برؤى خلال انفصاله عن زوجته في 132- 133 “لم ترَ ملامح وجهه وهو يضغط على صدرها الناهد…. كم بلغت درجة عريها وهي مستسلمة لأحضانه” إلى آخر قولها في ص134 ” أنا عذراء” وقوله “آسف رؤى”.

إذاً نحن في صدد مجتمع هجين خاضع بشكل حتمي لسيرورات التثاقف التي تفترض منا التمييز ما بين العذرية السلوكية والعذرية البيولوجية، فإذا كانت الأولى ثقافية نسبية فإنّ الثانية مطلقة في المجتمع البطريركي ومعيارها المحافظة على غشاء البكارة من أجل ضمان الدخول في مؤسسة الزواج.

هذا ويحاول الكاتب أن يكشف عن حدة الجندرية في إطار العلاقة الجنسية نفسها، فالعقل دائم الحضور لدى الرجل في حين تستسلم المرأة لشهواتها ورغباتها الجنسية دون اهتمام بتبعات تلك العلاقة على الصعيد الاجتماعي، فنقرأ في ص150 “كان يصدّ اندفاعاتها وهي تتراوح ما بين انفعالات هائجة واستسلام لحد فقدان الوعي! وظل يراقب التغيرات التي تطرأ طوال الوقت على وجهها الجميل حتى رآها وهي تغمض عينيها بشدة وترتجف شفتاها محاولة كتمان صرخات اللذة التي هزت جسدها بعنف….”.

إن طبيعة العلاقة الجنسية التي يكشف عنها الروائي سعد سعيد تستقي مصادرها من البنية الثقافية البطريركية المدعومة من الأيديولوجيات الدينية، فها هو الإمام الغزالي يقول في كتابه إحياء علوم الدين “إن الحضارة مجهود يهدف الي احتواء سلطة المرأة الهدّامة والكاسحة لذلك يجب ضبط النساء لكي ينصرف الرجال إلى واجباتهم الاجتماعية والدينية”، ففي النظرية الضمنية المرأة فعّالة وان كانت هدامة، تقوم بدور الصياد والرجل هو الفريسة السلبية، وهذه قمة المفارقة فالرجل في المجتمع البطريركي هو الذي يسعى للإيقاع بالمرأة من أجل التمتع بجنسانيتها لكنه ما يلبث ان يرى نفسه فريسة تحاول المرأة اصطيادها خاصة إن كانت تبغي الإيقاع به في مؤسسة الزواج، وهذا ما نقرأه في ص258 إذ يقول الكاتب على لسان بطل القصة ورداً على قول حبيبته بأن أهلها يريدون تزويجها “فقد كانت حيرتي تؤكد لي أن الزواج هو هم كل فتاة وما هذا إلا واحد من ألاعيبهنّ”.

*****

بنكهة فلسفية وبأسلوب سلس فيه الكثير من النقد الساخر الباحث عن المعرفة، وبحوارت تثير في القارئ حسّ التساؤل والدهشة يروي العراقي سعد سعيد حكاية العالم العراقي في مجتمع مخلفات الحرب واللادولة واستمرار دولة مستعمرة كأمريكا باستغلال إبداعات الآخرين ونتاجاتهم الفكرية.

وبما أن الكاتب ابن المجتمع والظروف التي خلقت نصه فقد راح الروائي يحكي قصص الحرب العراقية مع الدول المجاورة ليحكي لنا مقدار الألم والوجع الذي شكّل البناء السوسيو- سيكولوجي للمواطن العراقي.

الممتع في رواية “إنسانزم” أنها حملت سلسلة من القصص، محكمة البناء، داخل الرواية، ما شكّل عامل جذب أساسي لمتابعة القراءة دون أيّ شعور بالملل، فضلاً عن أنّ عمق ثقافة الكاتب والجرأة التي عرض فيها لثالوث التابو المقدس (الجنس، الدين، السياسة) قد جعلت من “إنسانزم” رواية لها بعدٌ “بينمناهجي interdisciplinarité” حيث تحتضن الرواية القصة بمنطلقات فلسفية اجتماعية نفسية.

 

المصدر: الصدى. نت.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك