رواية ”سيرة آخر بني هلال” للروائي الليبي الدكتور صالح السنوسي تحت النقاش

منشور 05 شباط / فبراير 2008 - 06:52

احتضن ملتقي المبدعين العرب الذي ينظمه معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحالية، ندوة ثقافية لمناقشة رواية "سيرة آخر بني هلال" للروائي الليبي الدكتور صالح السنوسي ، أدارها الناقد الأدبي الدكتور مدحت الجيار.

 

في البداية يوضح الدكتور مدحت الجيار أن عنوان الرواية التي منعتها الرقابة الليبية وأصدرتها دار الهلال، مجرد نوع من رأب الصدع ما بين الواقع الذي يعيشه الفتي الليبي وبين الحياة في الغرب، ولكن يظل للمبدع مخبأه الخاص داخل الرواية.

 

عن روايته يقول السنوسي انها تتحدث عن لاجىء سياسي عربي في باريس اسمه "عدنان"، وانا لم اضع له بلد أو جنسية أو مرجعية حتي يعتقد من يقرأ العمل انه من بلاده.

 

والبطل شاعر لا يقبل ان يعامله الأخرون كأنه من طبقة اقل، ويعاني في الغربة من البطالة ولكنه يرفض أن يعمل لصالح أي مؤسسة عربية قائلا: "لا أقبل أن اعمل في أي مؤسسة تابعة لبلد يقهر ابناءه"، وكذلك يرفض العمل لدي مؤسسات حقوق الانسان الغربية خوفا مما يقف ورائها. وهو يبالغ كثيرا في هذا الأمر ويزايد عليه ويبدو في هذا كذلك الهلالي الذي يشهر سيفه ولا يهمه شىء فبدا كأنه رجل قادم من تلك الحقبة البعيدة.

 

ويضيف السنوسي: عدنان رغم كل هذه المبالغة فهو إنسان مهزوم مهزوم.. في مجال المرأة والمشاعر، فلم ارد أن اجعل منه غازيا منتصرا في أرض الغرب.

 

يصنف دكتور الجيار الرواية ضمن أدب المنفي فهناك منفي اجباري وأخر إختياري، مضيفا أن الرواية مفاجأة مدهشة لكتابة السيرة العربية، وفيها نطالع عالما غريبا البطل الحقيقي فيه جماعات ومؤسسات حقوق الإنسان التي تجعل من نفسها صوتا للمقهورين في العالم وتطالب الدول بمراعاة حقوق الإنسان، ولكن البطل يكتشف أن هذه المؤسسات لا تقل خطورة عن البنود التي تقوم عليها المؤسسات البوليسية.

 

في نهاية الرواية يتم اغتيال البطل في وضح النهار دون أن يبحث أحد عن حقه أو من وراء اغتياله، وكأن المؤلف أراد أن يقول الموت في وطنك خير لك من ان تغتال خارج الوطن. وباريس فيها من المهاجرين والمختبئين الألوف التي تعيش تحت بصر المؤسسات التي في النهاية تنفذ ما تريد دون ان تترك خيطا ورائها

 

والمؤلف يسخر من ذلك المجتمع الذي يريد أن يحاكم الجميع بتهمة إهمال حقوق الإنسان ثم لا يكترث بالبحث عن قاتل عدنان، والرواية في مجملها هجائية ضد القهر والقمع.

 

ويلفت دكتور الجيار إلي اللغة الشعرية التي كتبت بها الرواية، فالكاتب كان شاعرا قبل أن يطرق باب الرواية، ملفتا إلي الكتاب الذين يهتمون بالأحداث والصراع دون العناية باللغة، وهذا مرفوض في مجال النقد، فالمعالجة الشعرية تعطي عمرا إضافيا للعمل.

نقرأ من الرواية علي لسان العجوز الفرنسي جان كلود وهو حكيم وشاعر فينشد:

 

"تاهت قدماي بين سفر وسفر

اغراني شعاع الشرق فاختلست بواكيره

وصنعت منها قلادة لجيد لم تشرق علي مثيله شمس

أغواني شعاع الأصيل

فأدركته قبل أن يصير ارجوانيا

واقتطف منه باقة بنفسجية

ربطتها بقوس قزح

يداي مثقلتان

وقدماي تاهتا بين سفر وسفر

ولكنني بين الشعاعين لم التق شيئا اخر غير هذا العالم

فما اروعه لو لم يكن سيئا .."

 

ملخص الرواية

 تحكي الرواية عن رجل عربي اسمه عدنان يهرب من وطنه لأسباب سياسية إلى بلد عربي آخر يمنحه ذاك البلد حق اللجوء السياسي . لكنه لا يوفر له الامان ويعتقله ويعذبه ويوجه له تهما باطلة دون ادلة كلما حدثت مشكلة في هذا البلد.

يطلب من عدنان المغادرة إلى أي مكان أو تسليمه إلى وطنه، فيختار المغادرة إلى أي مكان وتتكفل مخابرات البلد تهريبه بواسطة باخرة تجارية إلى فرنسا.

وفي فرنسا يتصل بمنظمة حقوق الإنسان فتسجله لاجىء سياسي . في باريس يعمل في شركة دعاية وملصقات وفي أوقات فراغه يرتاد مقهى يجلس فيه يوميا يكتب الشعر واليوميات ويراقب الحياة اليومية بكافة التناقضات.

كل مساء يعود الى غرفته التي يشاركه فيها فأر صغير فيتحدث للفأر ويناجيه وذات يوم وضعت السلطات الصحية مبيدا للقوارض في كافة أرجاء العمارة فاختفى الفأر أو أنه طلب لجوء إلى مكان آخر.. بعد سنوات من المعاناة أنجز ديوان شعر بعنوان "الفضيحة" يحكي فيه قصته ويدين فيه وطنه والدولة العربية الأخرى التي التجأ اليها فعاملته بريبة وعذبته وسجنته عدة مرات. ويحكي أيضا عن حياته في فرنسا التي عانى فيها الكبت والحرمان ومتابعة الشرطة والفقر والوحدة والبرد والتفرقة العنصرية والاضطهاد ومخافة الابعاد او عقد الصفقات التي تمس كرامته.

طبع هذا الديوان بواسطة دار نشر عربية في فرنسا ووزعته على المكتبات والاكشاك فاختفى من الارفف بسرعة.. ظن ان له قراء كثيرين اشتروا هذا الديوان لكن الحقيقة التي اكتشفها ان مخابرات البلاد العربية هي التي اشترت كل النسخ المعروضة فازداد عناده وقام بطبع الديوان طبعة ثانية وزعها على المكتبات والاكشاك بنفسه.. كانت النتيجة رصاصتان غادرتان من قاتل مأجور على دراجة نارية فأرداه قتيلا .

يقول الكاتب الليبي محمد الأصفر عن الرواية أن "الراوي يدين الحكام بسطور قصيرة ماكرة ثم يقفز بعيدا كما في لعبة القط والفأر. نجده يستحدث اسماء رمزية وهمية لأمكنة عربية معروفة . في هذه الرواية يناقش الراوي بأسلوب تخييلي قضايا الاستبداد والدكتاتورية والقهر التي يعيشها العالم وللوهلة الاولى يظن القارىء ان الرواي يمارس اسقاطاته المجنونة قاصدا بها الانظمة العربية فقط لكن النص الفني للرواية يدين ايضا الدكتاتوريات الديمقراطية الغربية التي لا تتوانى ابدا في سبيل مصالحها خاصة المادية من بيع اي انسان ومقايضته ببرميل نفط حتى وان كان هذا الانسان من بني جلدتهم ومواطنا من دولتهم وحوداث التاريخ اثبتت ذلك اكثر من مرة".

 وصالح السنوسى روائى وباحث سياسى وأستاذ العلوم السياسية بجامعة قار يونس، له العديد من الروايات المهمة هى "عندما يفيض الوادى" 1980 و"غدا تزورنا الخيول" 1984 و"لقاء على الجسر القديم" 1990م.

 وعن بطل روايته يقول السنوسي في إحدي حواراته "تبدو لى شخصية عدنان نموذج للإنسان العربى الذى وجد نفسه بين نارين، بين نار السلطة العربية وبين نار الغربة، والتقاء بعالم آخر يختلف عنه ثقافيا وحضاريا، الذى يطلب منه كثمن بقائه فى الغرب مواقف معينة لكى يتمتع بمظلة الحماية وحقوق الأنسان، وقد تتعارض مع قناعاته بالنسبة لقضاياه وهمومه القومية، ويبدو أن الثمن الآن باهظا لكى يوفرون لك الحماية، ازداد الثمن الذى يطلبه الغرب من اللاجئ المطحون، بما يسمى بالحرب على الإرهاب، يعنى مجرد تهمته بالتعاطف مع أى قوى فى المنطقة سواء إسلامية أو قومية، وهذه القوى تعتبر فى نظر الغرب عنيفة أو معادية، سوف يعتبر نفسه يساند الإرهاب، النموذج الذى يمثله عدنان يزداد تفاقما فى الوضع سواء من ناحية السلطة العربية وتسلطها، أو فى الاستحقاقات التى يطلبها الغرب ثمنا للحصول على مظلة الآمان،ايضا إحساسه بأنه مضطهد حيث يولد،ومن حيث آتى،هذا الموقف الذى يعيشه الكثير من المثقفين العرب الذين خرجوا من بلدانهم بسبب العسف والقهر، ووجدوا أنفسهم فى الغرب ، وفى الغرب وجدوا أنفسهم فى مجتمعات تمارس نوع من العنصرية، وتنظر إليهم بنظرة دونية، وبالتالى كانت معاناة ربما كانت نموذج للإنسان العربى الذى يعيش حتى الآن فى القرن الواحد والعشرين، عدنان إذا تصورنا محور الرواية أحداثها فى القرن الواحد والعشرين، ولهذا سيظل عدنان الكائن الذى مازال مشردا فى أوربا.

 


مواضيع ممكن أن تعجبك