فرضية الطهي وتطور الإنسان في "قدحة النار" لريتشارد رانغهام

منشور 12 كانون الثّاني / يناير 2021 - 06:00
فرضية الطهي وتطور الإنسان في "قدحة النار" لريتشارد رانغهام

يطمح ريتشارد  عبر مؤلفه هذا إلى تقديم نظرية جديدة أثارت اهتماماً كبيراً تسمى "فرضية الطهي". وهو يؤسس بها لفكرتين أساسيتين: الأولى أن الطهي والانتقال من تناول الطعام النيء إلى الطعام المطبوخ هو السبب في تطور الإنسان من حالة الرئيسيات من غير البشر إلى مرحلة الإنسان العاقل، والثانية أن الطهي أطلق في الطعام طاقة إضافية ساعدت على تقليص حجم الجهاز الهضمي.

وزيادة نمو الدماغ. وأتاحت للإنسان وقتاً إضافياً يكرسه للصيد وبناء علاقات جديدة. يتميز كتاب ريتشارد رانجهام "قدحة النار" بتنوع مادته وغزارتها، على الرغم من أنه ينطلق من حقيقة يومية ظلت لزمن طويل هامشية في البحوث الأنثروبولوجية والتطورية، وهي الطهي، فهو يستكشف في سياق بحثه أثر الطهي في تطور الإنسان، وتشكل طبيعته حقولاً معرفية متنوعة، ومتباينة بطريقة مبتكرة، تثير لدى القارئ الفكر والتأمل والدهشة، فالكتاب يضم سرداً لتاريخ الحياة وتطورها، ومناقشات علمية دقيقة ورصينة لعلاقة الجسم الحي بمختلف أنواع الغذاء، وفسلجة الجهاز الهضمي وتفاعله مع الغذاء ومقارنات تفصيلية بين الطعام النيء والمطبوخ وفصولاً عن الآثار الاجتماعية للطهي كنشوء مؤسسة الزواج والعائلة لينتهي باستبصارات مهمة في ميدان وصف الأغذية، وقياس سعراتها الحرارية، وقيمتها الغذائية. نظرية دارون يرد رانجهام بهذه النظرية على نظرية دارون في النشوء والتطور، وعلى المفهوم الذي طرحه كلود ليفي شتراوس عن النيء والمطبوخ.

ويقول في ذلك إن النار هي التي طورت الإنسان، إذ أتاحت له الطهي ووفرت له في طعامه المطبوخ الطاقة الفائضة التي ساعدته على زيادة حجم دماغه، وجمعته مع أقرانه حولها، لتزيد من صفاته الاجتماعية المعروفة، مؤكداً أن الطهي ليس واحداً من مهارات البشر، بل هو المنطلق لبلورة سائر المهارات.

كما يعترض رانجهام على نظرية "الإنسان الصياد" التي سادت طويلاً، وذهبت إلى أن السر في تطور الإنسان هو اعتماده اللحم في طعامه، حيث يرى أن اللحم وحده من دون الطهي لم يكن ليوفر النقلة التي تحققت. وتوفر تفاصيل هذا الخلاف بحثاً ممتعاً، وسرداً جديداً لقصة الحياة، حيث إن الانتقال من الطعام النيء إلى الطعام المطبوخ ويحسّن طعمه ويزيد ليونته لكن الأهم من كل ذلك أنه يزيد من كمية الطاقة التي تحصل عليها أجسامنا من الطعام، فبينما يحتاج الإنسان إلى ساعة واحدة في اليوم ليكتفي من الطعام المطبوخ تقضي القردة العليا نصف يومها في مضغ الطعام النيء لتحصل على ما يكفيها من الطاقة.

 

مواضيع ممكن أن تعجبك