في رواية جديدة عالية طالب الجبوري تستعرض "قيامة بغداد "

منشور 25 أيلول / سبتمبر 2008 - 05:37

عن محيط -" صرخت: بغداد ماذا يفعلون بك ؟ .. نعم بغداد تقصف بوحشية غريبة ، وكأن العداء لا علاقة له بالنظام، ولا بإسقاطه ؛ لتحرير العراقيين من سلطة دكتاتورية ، إن كان هذا هو السبب الحقيقي ، فالواقع كشف مغالطات واضحة ، لماذا تقصف وتدمر المنشآت المدنية والقصور والمتاحف والوزارات والأسواق والمعالم الحضارية وحتى الأشجار والحدائق والمتنزهات ؟ اللعبة أكبر من فكرة إسقاط النظام ، والصورة مغلفة بالعديد من الشعارات المستهلكة والتي استخدمت على مر تجارب الشعوب لذرائع تحقق أغراضا تباعا " .

في روايتها الجديدة الصادرة عن مؤسسة "شمس" للنشر والتوزيع بالقاهرة ، سجلت الصحفية والأديبة العراقية عالية طالب الجبوري تفاصيل حياة العراقيين بعد الإحتلال الأمريكي للبلاد  والتي كانت شاهدة عليها وخاصة في بغداد العاصمة .. أدانت نظام صدام وفضحت وحشية القوات الأمريكية مع المدنيين العزل  ، وجعلتنا نتابع سلسلة لا تنتهي من سقوط الإنسان والتاريخ والدولة في بلد عربي كبير .. نقرأ معا الرواية التسجيلية الصادرة حديثا " قيامة بغداد" .

في البداية اضطرت عالية وزوجها والأولاد للفرار من القصف الأمريكي المروع على بغداد ، انتقلت إلى محافظة ديالي العراقية حيث عشيرة أبيها وأبناء عمومتها على أن يلحق بها زوجها "سلمان" .

في طريقها لجريدتها " الجمهورية "  تذكرت هؤلاء العراقيين الذين دفنوا بمقابر مفتوحة الأبواب ودون أن يتعرف عليهم أحد ، بعد أسبوع واحد رأت سيارة مبردة لنقل منتجات اللحوم تركن أمام مستشفى الكرخ وتترك هكذا لأيام طوال ، كتب عليها بطلاء أبيض ( جثث ) ، لم يفكر أحد بتفريغها للمقبرة القريبة ، فلا وقت لحماية الأموات ما دام الأحياء يبحثون عن تجاوز يقيهم الدخول في تلك السيارة المنتظرة . 

وترحمت على أخيها "باسم"  وكان مهندسا عراقيا مخترعا له العديد من براءات الإختراع المسجلة  ، وأراد تأمين مستقبل أفضل لأسرته الصغيرة ولكنه فشل  ، حاصره صاحب البيت محاولا إخراجه من شقته التي كان يستأجرها ، لم يدرك العالم الطيب باسم أنه كان عليه أن يعيش محروما من ثروات بلد غني حرم أبنائه من أشياء كثيرة أولها الشعور بأنهم أصحاب حق في بلدهم وثرواته في عهد صدام حسين ، وانحسرت الثروات والامتيازات بيد قلة قليلة نالت رضا السلطان الحاكم مما جعلها تعيش حياة مترفة على حساب ملايين غيرها . ترك باسم ابنا في السابعة من عمره وابنة ترملت مبكرا بعد سنوات من وفاة الوالد بعد تعذيبه نتيجة واحدة من موجات العنف الطائفي.

حاولت الدبابات العراقية المتهالكة والمحملة بالجنود البؤساء التوجه صوب بغداد في محاولة أخيرة مستمينة للدفاع عن الوطن  ، ولكن هيهات والفارق التقني بينهما لا يسمح بذلك ..


 
 إسقاط تمثال صدام  
بعد سقوط تمثال صدام ودخول الجنود في القصور الرئاسية بدأت الأصوات تعلو وهي تهتف ؛ ليس بحياة الرئيس كما كانت تفعل قبل ساعات قليلة : بل بفرح سقوطه ، وكأنهم كانوا بانتظار هذه اللحظة بفارغ الصبر . جرت السرقة لكل مؤسسات الدولة ومنشأتها من جانب البسطاء وعلى الرغم من فتاوى علماء الدين التي تنهي عن سرقة المال العام إلا أن حالة هستيرية وكأنها أشبه بكابوس كانت تجتاح الجميع .

استولى أحد الأحزاب على جريدة الجمهورية بعد حل وزارة الإعلام بأوامر الحاكم الأمريكي بريمر ، اتفقت عالية مع بعض الزملاء على إحياء الجريدة واعادة إعمارها بعد أن سرقت محتوياتها  ، كانت حزينة على التلك الصحف التي تصدر بالعراق والتي تفتقد للمهنية وتملأ صفحاتها الشتائم والوعيد والفضائح ، ولكنها تلقت تهديدات بالقتل إن استمرت في نهجها بإعادة كيان جريدتها الحبيبة ، وبعد أن نفضت يدها من صحيفتها نهبت بالكامل على يد السارقين وهكذا كانت تنهب كل مقدرات العراقيين.

عاد الحق لأهله 

بعد أن اختفت الحكومة وبطانتها ، تُركت منازلهم فارغة منهم ومن حراسهم وحاشيتهم ، تركوها كما هي، ولم يتسن لبعض منهم حتى اصطحاب أمواله فيها ، ولا مصوغاتهم الذهبية .

تلك القصور لم يدخلها العراقيون إلا بعد ان دخلتها القوات الأمريكية ، ونقلت الأموال و السبائك الذهبية إلى جيوب الجنود وقادتهم الأمريكان ، وتم الإعلان عن بعض تلك الاموال في وسائل الإعلام الأمريكية ، وما خفي عن ذلك الإعلان كان أكبر مما أُعلن عنه .غير أن السارقين حينما دخلوا للقصور الرئاسية رفعوا شعار ( عودة الحق لأصحابه ) بسبب أنه من المعروف أن النظام السابق استحوذ على أغلب الأماكن المهمة في بغداد وخاصة تلك التي تحاذي نهر دجلة ، وخصصها لرجاله بعد أن اشتراها غصبا أو طواعية من أصحابها بأثمان كان هو يحددها تماشيا مع مصلحته ، وبعد أن أنهار كل شيء كان من الطبيعي أن يسعد المحرومون من أراضيهم والجميع  ، بينما سُلمت قصور اخرى بعد أن نُهبت إلى من عاد للعراق من المعارضة ، وممن خُطط لهم للمشاركة في بناء ما سمي ب" العراق الجديد " !.

بيت الحكمة

كانت عالية تذهب لبيت الحكمة الذي لا يبعد كثيرا عن الجريدة ، القريب من وزارة الدفاع والذي شهد فترات حكم ملكية وجمهورية يجعله ينفرد بإطلالة مدهشة على نهر دجلة ، كانت تعقد فيه الندوات ، وفي ذلك النهر العزيز ألقيت الكتب أيام غزو  هولاكو لبغداد ،وتغير لونه إلى الأسود والأحمر من الأحبار التي ذابت فيه، ومن الدماء التي سفحت دون ذنب ، وعاد العراق ومبدعوه ليملأوا المكتبات بنتاجات جديدة أكثر.

القصر يعود لأم حبيبة ابنة هارون الرشيد وكانت عالية مسئولة الإعلام فيه ، وقبل أن يسقط النظام بشهور تزودت مكتبة البيت الفريدة بمخطوطات ثمينة ، تم الحصول عليها بمبالغ ضخمة ، وبعد قصف بغداد عادت لتشاهد نوافذ "بيت الحكمة" الصغيرة وقد أصبحت سوداء من كثرة القصف البشع الذي طال البيت واختراق اللهب أرجاءه من كل مكان  ، وصعدت بأعجوبة للبيت الخرب لتجد كل شيء تحول لرماد !! بعد أن تلاشت الكتب والمخطوطات الثمينة بفعل النهب .

القوات الأمريكية

كان أطفال العراق في محنة حقيقية ؛ فمع النظام السابق كان الطفل يدري من أهله أن سب الرئيس ( حرام ) إذ كان الأهالي يخشون من أن يتلفظ ابنهم بكلمة ببراءة تؤدي لهلاك ربما عائلة بأكملها ، وها هم رأوا تمثال الرئيس صدام يسقط بيد الأمريكان ورأوا القصور الرئاسية يدخلها العراقيون لسلبها فرحين ، وسمعت عالية طفلا عراقيا يقول لأمه عن جندي ذي عيون خضراء وشعر أصفر لماذا تكرهونهم إنهم ( حلوين ) .


 اعتقال احد العراقيين  
بعدها انقلبت الآية وبدأ الجنود الأمريكان يدخلون الشوارع العراقية حاملين الأسلحة ويصوبون على المدنيين نيرانهم بعنف وبدأ الأطفال يدركون حجم الكارثة التي تمر بها حياتهم وحياة أحبائهم ووقفوا يقذفون هؤلاء الجنود بالحجارة .

تقول : " مهانة تلو مهانة بدأت تُمارس في الشوارع ، رتل طويل من السيارات يتكدس حتى تمر السيارات الأمريكية ، والتي يصوب الجنود فيها رشاشاتهم إلى وجوهنا وصراخهم يدوي في الشوارع ، وإذا ما غفل أحد منا ولم ينتبه لمرورهم ، فإن نصيبه سيكون فورا طلقة في الرأس ترديه قتيلا ، هو وكل من معه بالسيارة  ..".

وبدأت ظواهر السلطة الدينية تتحرك في العراق ، وبدأ الجامع يأخذ مكان السلطة – بعد أن عانت البلاد من غياب الحكومة لمدة عام  - في النزاعات ، وعبر هذا الوضع الجديد استطاع رجال الدين النفاذ إلى سلطة القرار ، وتنامت تشكيلاتهم ، وانشطرت إلى ميليشيات وتنظيمات ، وبدأت تفرض أفكارها المتطرفة بحجة الدين . بينما برزت على الساحة أسماء لمتعاونين مع أبناء صدام في صفقات مشبوهة حول العالم واليوم يعودون وكأنهم معارضون اضطهدهم النظام السابق !

أيام بلا ذاكرة

أصبحت مهنة الصحفي بالعراق أشبه بمهمة المشي بين الألغام ، وبات الخطف والتهديد للصحفي وعائلته والتعذيب مزدهرا ، وبدأت تتكشف معالم اللعبة التي هيأها العقل الأمريكي ببراعة للدفاع عن وجوده في بلدنا ، كل من يتحدث عن ضرورة إيقاف السلب والنهب أصبح إذن بعثيا ويريد إرجاع النظام السابق .

البلد أصبحت بلا حكومة ، ودُمرت كل الوزارات عدا  الخارجية والنفط ، التي استولى عليها الأمريكان بعد أيام من سقوط النظام ، وباشروا أعمالهم فيها ، كان هذا دليلا كافيا على أنهم جاءوا للإستيلاء على ثروات العراق ونفطه وليس إزاحة الدكتاتورية عنه .

صاحب كل ما سبق حوادث الخطف ، وطلب الفدية ، والاغتصاب ، والتمثيل بالجثث ، وحرق الأعضاء ، وقطع الأطراف وغيرها  ، ومن الأشياء الإنسانية المؤلمة ذكرياتها عن جثة رجل لا تعرفه بشارع حيفا حيث كانت تعمل بصحيفة  "البرلمان " المستقلة ، وظلت الجثة في الشارع ثلاثة أيام عرضة للحيوانات الضالة ، لأن العناصر تلك تسيطر على المنطقة وأصدروا امرا يمنع نقله من قبل الآخرين حتى يضطر أهله ؛ والذين يرونه طوال الوقت ؛ إلى التقدم لحمله وهنا يقتلون جميعا !  ، كان ذلك يحدث مع عشرات الشباب العراقيين كل يوم .
 
 توديع الجثامين .. مشهد يومي  

ابتكرت المستشفيات تقليعة جديدة ، بعد كل انفجار يحصل ، وبعد أن تمتلأ ممراتها بالجثث ، كانت تأخذ لكل ضحية صورة مقربة ، وتعلقها على جدرانها ، وتشير له برقم معين لأنها لا  تعرف اسمه  ، لتتخلص من أسئلة الأهل الذين يفتشون المستشفيات للسؤال عن أبنائهم ، وأصبح لكل مكان طبي أرشيف ضخم من تلك الصور هو شاهد حي على جريمة متوالية لأناس أبرياء .

روت أيضا عالية اكتشاف أهل زوجها أن ابنهم الذي اختفى داخل سجون صدام منذ انتفاضة 1991 قد أُعدم بعد القبض عليه بشهر واحد على الرغم من تأكيدات موظفي الأمن والاستخبارات لهم بأنه يلقي معاملة جيدة حتى يبتزوهم للحصول على مبالغ ضخمة بحجة مساعدته في حبسه ، ووصلت إضبارته وكان سبب إعدامه الغريب يقول :  " إنه يوزع مبالغ مالية على عائلات المعدومين في الانتفاضة الشعبانية " ، بينما كانت تهمة الشاب صالح الحيي المتدين والذي أعدموه بعد أسبوع من القبض عليه : أنه واحد ذكر اسمه على لسان أعضاء حزب الدعوة ، وهو صمت أثناء التحقيقات ولم يتكلم .

انتشار مرض السرطان

مسألة أخرى وهي الأمراض الغريبة التي بدأت تنتشر وعلى رأسها السرطانات ، في الوقت الذي يصمت ضمير العالم ، عن تلك الأسلحة المحرمة التي تستخدمها أمريكا .. وطرحت السؤال : " إذا كانوا يريدون تبديل النظام فلماذا يدمرون البلد ؟ ويزرعون الفتنة ؟ "  .
ماتت أخت عالية وتدعى "نادية"  بالسرطان ودفنت بكربلاء  كما ماتت أختها الثانية " بدور" بعد مرور أقل من عام ، وذهبت إلى المشرحة لتسلم جثة أختها ولتفاجأ بعشرات الجثث المسجاة خارج الثلاجات وعرفت أنهم جميعا ماتوا برصاص الأمريكان فهم حين يتحولون مساء ويخشون الجميع بسبب الظلام وبعد أي هجمات مقاومة عليهم ، ويكون الرد في الحالتين أنهم يطلقون النار على أي شيء يتحرك سواء أكان حيوانا او إنسانا !!.

تحدثت أيضا عن الرعب الذي بثته المليشيات في الشارع العراقي فالثلج اصبح ممنوعا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يشرب الماء البارد ، والذهاب إلى الحلاق وحلق اللحية والشعر أدت إلى قتل العديد من العراقيين ، ومن يرتدي البنطلون القصير ومن ترتدي الحجاب تقتل ، ومن تتزين ومن تقود السيارة تلقى نفس المصير.

أكثر ما كان يقلقها روايات ابنها حسنين الصغير عن تلك الجثث التي وجدوها ملقاة في فناء المدرسة ، والطفل يتحدث بعادية وبرود شديدين ونام هذه الليلة ملء جفونه ، الأمر الذي أكد لها أنهم مقبلون على مرحلة مخيفة سيتحول البشر لآلات وحيوانات وأناس مجردين من المشاعر الإنسانية .


الفتنة الطائفية


 
 ترمل العراقيات  
كانت الفضائيات تنقل أخبار تدمير مدينة الفلوجة ، بعد أن قُتل أربعة من رجال حراسات شركة " بلاك وواتر " ، وعُلقوا على جسر المدينة ، فكان نصيب كل الأحياء التي تضمها المدينة الدمار والخراب والقتل العنيف ودُمرت مدينة "النجف" بعد أيام من قتال رهيب تعرضت فيه المساكن والجوامع والمحال للدمار وقتل الكثير جدا من شبابها . 
 
مدينتا الفلوجة السنية والنجف الشيعية العراقيتان تعرضتا أيضا في عام 2005 لقصف شامل وشعر الجميع أن الإيذاء طال الجميع سني وشيعي ، ومع نهاية العام بدأت خيوط من مؤامرة تحاك بطريقة ( فرق تسد  ) ، حيث بدأت حوادث القتل والاختطاف والتمثيل بالجثث تضرب المناطق السنية والشيعية على حد سواء ، وأصبحت منطقة " اللطيفية" السنية مثلث موت للشيعة الذاهبين للنجف . وصل الحال لأن القتل كان يتم بناء على الأسماء ليتعرف القاتل على المذهب الذي يتبعه العراقي امامه ، فعمر مثلا سني يقتل وعلي شيعي ، فيما ازدهرت رسائل التهديد التي تصل البيوت تباعا تأمرهم بالرحيل ، وبعضها يحدد لهم الأماكن الممنوعة عليهم .

خُطفت العديد من الفتيات والأطفال ، وبدأت مساومات دفع الفدية تزدهر ليبدأ التفاوض من أرقام رهيبة نزولا إلى أرقام يقسم أصحابها أنها كل ما يملكون  ، هذا إضافة لتكتم الأهالي على الأمر إذا كان المخطوف فتاة ، وبعض الفتيات من الأصول الريفية كانت تقتل بمجرد العودة للأهل خوفا من العار، لأنهن تعرضن لاغتصاب .


8 مليون أرملة  !

عراقيات كثيرات فقدن أزواجهن  ، عانت المرأة من العنوسة بعد أن رفضت العديد من العوائل تزويج بناتهن ، حتى لا يصبحن أرامل بعد فترات لا تطول غالبا ، ومنذ الثمانينات تحمل المرأة العراقية احدى هذه الصفات الثلاثة ( أرملة . عازبة . ثكلى ) بعد أن اختفى الرجال في الحروب ، وتضخم عدد الأرامل ليصل في بغداد وحدها إلى ثلاثمائة ألف أرملة في بغداد وحدها ، إلى جانب ثماني ملايين أرملة في كل العراق ، تعود بذاكرتها إلى الثمانينيات ، إبان الحرب مع إيران ، حيث كان النساء عليهن تحمل ظروفا خرافية ، وهن يجدن أنفسهن بلا رجال في العائلة ، الأب والزوج والأبناء والأخوة كلهم كانوا موزعين في الجبهات ، وكانت المرأة دائمة الخوف على جسدها من التمزق تحت نثار البيوت أو من الاغتصاب الذي يقوم به الخاطفون ، وأرسلت النساء في معتقل "أبوغريب" نداءا تطالبن فيه أن تسقط الصواريخ على معتقلهن حتى يقتلن ولا يبقين مشاريع اغتصاب أو إيذاء أو تعذيب .

وانتشرت الملصقات التي وضعت على جدران الجوامع ، والمحلات ، والشوارع ووزعت سرا وعلانية ، محذرة السيدات من التبرج أو قيادة السيارة أو ارتداء البنطلون والعمل مع الرجال ولا السير بملابس ملونة وإلا ستُقتل .

ليل بغداد


 
 مداهمة المنازل ليلا   
أصبح نهار بغداد ينتهي عند الخامسة عصرا بعد الاحتلال ، وحين يقترب الغروب يسرع الجميع إلى البيوت ، وينقطع الكهرباء دائما بينما ينام أهل بغداد على المولدات التي تعمل بالبنزين ، وكثيرا ما اشتعلت النيران من أجل ذلك . ليل بغداد أيضا كان مسرحا مكشوفا للجريمة ، الناس يخطفون والقوات الأمريكية تركل الأبواب بأقدامها ، بعد أن تطلق الصواريخ الصوتية التي تحيل الصواب إلى الجنون ، ويسحب الرجال أمام أنظار الأطفال والزوجات  ، وتربط الأيادي وتغلف  الرؤوس بالأكياس ، ويختفي الهواء  ، وتهمة الإرهاب جاهزة . كان العراقيون مختنقون بعد إنقطاع الكهرباء وتأكل الأجساد الحرارة التي تزيد عن 50 درجة.

بدأت الصحفية عالية بعد كل ما عانته من أهوال تصفي أعمالها وتجري جردا للأثاث استعداد للرحيل من العراق ، وفكرت في ترك البيت الذي ابتلع أغلب ممتلكاتها وزوجها وأسسته طابقا طابقا لأبنائها ، وشهد مولدهم وتخرجهم وزواجهم ، كما باعت البستان المحبب لقلبها والأثاث الأنيق الذي اشترته بعد تصليح البيت ووزعت كتبها على الأصدقاء.

تكتب في النهاية وهي راحلة من العراق .. " ضحكت من نفسي وأنا استبدل الوطن بحقيبة أسحبها تضم ذكرياتي ، وودعت ابنتي حراء المتزوجة في العراق ، ركبت السيارة وتلاشت الذكريات من ذاكرتي والحدود تدعوني تباعا  عودي .. عودي .. عودي  "


مواضيع ممكن أن تعجبك