أسرار الكلام في كتاب “كلمات... التقاط الألماس من كلام الناس”، للدكتور الروائي يوسف زيدان

منشور 28 حزيران / يونيو 2016 - 02:39
“على راسه ريشة” عبارة نقولها كثيراً في كلامنا اليومي فما اصلها؟
“على راسه ريشة” عبارة نقولها كثيراً في كلامنا اليومي فما اصلها؟

في كتابه “كلمات... التقاط الألماس من كلام الناس”، للدكتور الروائي يوسف زيدان تأملات متوالية استغرق فيها أوقاتاً طوالاً، محدقاً في المفردات التي تجري على الألسنة. وهي مفردات تبدو للوهلة الأولى - كما يقول - محدودة الدلالة بسيطة المعنى، غير أن التأمل فيها يكشف عن الكثير من المعاني المضمرة.

فالناس في بلادنا - كما يشير صاحب الكتاب في مقدمته - تجري على ألسنتهم كلمات، معظمها عامي وبعضها فصيح، يستعملونها في حياتهم بيسر وتلقائية من دون أن يدروا بما تخفيه الكلمة بين حروفها من معنى عميق، بل طبقات متراكبة من المعاني، تراكمت بفعل الامتداد الطويل لتاريخنا الثقافي.
حيث يرى زيدان أن التاريخ ملئ بالوقائع التي تصدت فيها الخرافات للإبداعات العلمية فأجهضتها ونكلت بأصحابها، على أن بعض الخرافات طريفة، وليس لها أثر مباشر لا سلباً ولا إيجاباً، ومن طرافة هذا النوع أنه ينطوي بفحواه ومعناه الأصلي ويظل لفظه سائداً في الزمان ومن ذلك ما نراه مختبئاً وراء الكلمات التالية؛ “على راسه ريشة”، وقراءة الطالع.

ريشة ماعت!

“على راسه ريشة” عبارة نقولها كثيراً في كلامنا اليومي لوصف شخص يمتاز عن حوله بأمر خفي، وقد نقولها لشخص ما، على سبيل السخرية والسؤال الاستنكاري: على راسك ريشة!.

وربما نظن للوهلة الأولى أن الريشة هنا هي إشارة إلى النفوذ والسلطان، على اعتبار أن بعض الحكام والسلاطين، كانوا قديما يضعون على روءسهم عمامة، فيها ريشة ملونة من ريش الطاووس أو غيره من الطيور.

غير أن هذه الصورة المتخيلة لعمائم الحكام هي صورة غير حقيقية توهمناها لما رأيناها في الأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية، فاعتقدنا أنها كانت موجودة بالفعل!.

ولكن الواقع كما يشير زيدان في كتابه غير ذلك، فنحن لا نكاد نجد خبراً واحداُ في تراثنا يقول: إن حكامنا القدامى كانوا يضعون على روءسهم تلك العمامة المحلاة بالريشة.

وبالتالي فإن تعبير “على راسه ريشة” يصعب رده إلى عمائم الملو والسلاطين في تراثنا. إذن فالأصل في هذا التعبير الشهير لا يعود إلى عمائم الحكام، ولو كان الأمر كذلك لصارت العبارة: في عمامته “عمته” ريشة! ، أو شئ من هذا القبيل لكنها دوماً تأتي على هذا النمط الواحد “على راسه ريشة” لذلك فعلينا أن نغوص أكثر في ماضينا للنظر في أصل هذه الريشة.

في العقائد المصرية القديمة كان هناك تصور للآلهة يقوم على فكرة التعدد، وفي إطار هذا التعدد كان للقوى الطبيعية والمبادئ الأخلاقية آلهة مخصوصة.
فالذي يصنع البشر من الفخار هو الإله خنوم، والذي ينفخ الروح فيهم هو آمون، والذي يهيمن على العالم الآخر هو أوزير المعروف لدينا بالصيغة اليونانية لاسمه: أوزوريس! والتي تحرث نبات الأرض هي الإلهة حتحور.

 

وعلى هذا النحو صاغ المصري القديم في الوادي والدلتا صورة الآلهة في ذهنه، وعاش ألوفاً من السنين يعتقد فيها، ثم انقضت تلك السنون وأهلها، وماتت هذه الآلهة القديمة بموت الذين كانوا يعتقدون فيها.

ولأن العقيدة الدينية في مصر القديمة كانت تمثل في تايخ الإنسانية فجر الضمير، الذي تنبع فيه نشأة فكرة الضمير وجذورها الأولى في مصر القديمة؛ فقد كان من الضروري أن يتصور المصريون القدماء أن للعدالة إلهة مخصوصة.

وكانت ماعت ربة العدالة، وهي إلهة ذات مكانة خاصة في العقيدة المصرية القديمة، حتى إننا نجد على توابيت الملوك تحت صورتها نقشاً يقول “عاش في ماعت” للدلالة على أن هذا الملك أو ذاك عاش عادلاً، وكانت ماعت ترسم على هيئة امرأة مجنحة على رأسها ريشة.

 

وهي الريشة التي توزن بها أعمال الناس يوم البعث، فتوصع الأعمال التي قام بها الإنسان في كفة ميزان، والريشة اتي على رأس ماعت في الكفة الأخرى، فمن رجح ميزان أعماله صار خالداً مع الآلهة، وتكون علامة دخوله عالم الخلود، حيث النعيم المقيم هي ريشة ماعت..ويكون هذا الشخص على رأسه ريشة!.

ويعلق زيدان: تأمل طرافة هذه الخرافة الني وصلت إلينا من ألوف السنين عبر هذا التعبير اليومي المعتاد.

خرافة تجارية

ومن الخرافات تلك التي شاعت مؤخراً ويسميها زيدان “الخرافة التجارية”. فللإنسانية خرافات تجارية يروج لها أصحاب الانتفاع بها، حتى يعتادها الناس ويدمنوا عليها، ويكفوا عن السؤال حول صحتها ومشروعيتها.

ومن أشهر هذه الخرافات وأكثرها انتشاراً في بلادنا، خرافة قراءة الطالع، ومحاولة استطلاع المستقبل برصد النجوم والأبراج، والنظر في باب حظك اليوم الذي تنشره معظم لجرائد والمجلات، وقد صار لهذا الموضوع مردود اقتصادي كبير.

تقوم خرافة الطالع على فكرتين أساسيتين، الأولى منهما فكرة موروثة من الأزمنة السحيقة، إذ قام الفلكيون القدماء برسم خطوط وهمية تصل بين نجوم السماء، لإيجاد شئكل افتراضي يجمع بين النقاط المتجاورة التي نسميها نجوماً أو كواكب، من قبل أن يعرفوا الحقيقة العلمية التي أكدتها الدراسات الفلكية المعاصرة، وهي أن بعض النجوم التي لا نزال نراها في السماء اختفت منذ زمن طويل، وأن ضوءها يستغرق مئات السنين حتى يصل إلينا.

 

يتابع زيدان: المهم أن هذه الخطوط الافتراضية أعطت أشكالاً متخيلة تجمع بين مجموعة نجو مثل “القوس” الذي كان يسمى قديماً “الرامي”، أو مجموعة الأسد التي لا أعرف لماذا لا تكون النمر أو الفهد، مع أن لهم جميعاً الهيئة ذاتها، وعلى هذا المنوال تم تخيل بقية الجموعاات التي تحمل أسماء الأبراج المشهورة: العقرب، السرطان، الجدي، الميزان..إلخ.

والفكرة الأخرى التي تقوم عليها خرافة الطالع، هي افتراض أن شهور السنة الشمسية تمثل دائرة افتراضية مقسمة إلى اثنى عشر جزءاً، تحيط بها دائرة أكبر تضم فلك البروج أو المجموعات الاثنى عشرة المشهورة. وقد ساد الاعتقاد منذ زمن البابليين أن البرج الفلكي الذي يعلو افتراضياَ فوقنا، يؤثر فينا بشكل سحري نظراً لارتباط الدائرتين: دائرة التقسيم الاثني عشري للشهور، ودائرة فلك البروج، وبالتالي فإنه يمكننا أن نعرف مستقبل “المواليد” برصد الأبراج المرتبطة بها أو التي تعلوها! ومن هنا سمي البرج برجاً، لأنه يقوم عالياً فوق الأرض.

 

وقد كان للبابلين أصلاً مدينة تشبه البرج، لأنها عالية ومتعددة الطوابق، وقد ورد ذكرها كثيراً في التوراة؛ لأن البابليين أيام مجدهم القديم، قاموا بسبي شعوب المنطقة لسنوات طوال، وكان اليهود من الجماعات التي تعرضت للسبي على يد الملك البابلي بختنصر. ومن هنا فإن فكرة البرج الفلكي لم تكن غريبة على ذهن أهل بابل، ثم أخذت منهم شعوب المنطقة فكرة الأبراج الفلكية.

غير أن أمر الأبراج في الواقع، ما هو إلا ظنون وأوهام وتخاريف. وذلك لسببين رئيسين، الأول منهما أن حساب الأيام والسنين التي نعرفها، تغير عدة مرات!، وتم إسقاط أيام من الزمان على يد يوليوس قيصر، وبعده بأكثر من ألف عام على يد الباب جريجوريوس الذي أسقط عشرة أيام كاملة من حياة الناس فيما يعرف بالإصلاح الجريجوري للتاريخ.
ولذلك نرى الكاثوليك يحتفلون بميلاد المسيح يوم 25 ديسمبر من كل عام، في حين يحتفل به الأرثوذوكس الشرقيون يوم 7 يناير من العام الذي يليه.

والسبب الآخر الداحض لخرافة الأبراج وقراءة الطالع، هو سبب علمي بحت. فالمعروف اليوم أن حركة الفلك عموماً تتقدم بمقدار درجة واحدة إلى الأمام كل واحد وسبعين سنة.
والدرجة الفلكية تساوي يوماً واحداً من أيام الناس، وبالتالي فقد تحركت الدائرة الكبرى “فلك البروج” خلال الألف والأربعمائة سنة الأخيرة، بمقدار عشرين يوماً نحو الأمام!.

إذاً لا ارتباط حالياً بين الدائرتين؛ إذ أن مواليد هذا البرج أو ذاك، يقعون في حقيقة الأمر تحت البرج الذي قبله، وبالتالي فلا معنى لاستطلاع الغيب برصد النجوم لمعرفة “الطالع”، ولا دليل على صحة أبواب “حظك اليوم” أو كتب “الأبراج”، أو مسامرات الطبائع الترابية والمائية والهوائية والنارية، إلا أوهامنا وميلنا للخرافة، تلك التي صارت اليوم تجارة للمتلاعبين بالعقول.

مواضيع ممكن أن تعجبك