البذخ في استهلاك المياه يستنفد مواردها بسرعة في الإمارات

منشور 22 حزيران / يونيو 2010 - 09:30

عندما تقود سيارتك على الطرق السريعة الجديدة التي تتوسطها الأشجار الكثيفة والعشب المنمق يمكنك بسهولة أن تنسى أن دولة الامارات العربية المتحدة تقع على ساحل صحراوي شديد الحرارة تتقلص موارده من المياه العذبة بسرعة كبيرة.

غير أن دخل هذه الدولة الخليجية المصدرة للنفط ساعدها على دعم البذخ في استخدام المياه للاماراتيين سواء المقيميين داخل مجمعات سكنية مغلقة تضم أحواض سباحة وملاعب جولف خضراء على مدار العام أو المزارعين الذين يتمسكون بأساليب الري القديمة.

ويحذر خبراء البيئة هذه الدولة التي تعتمد بالفعل على محطات تحلية المياه المكلفة التي تدار بالوقود الاحفوري من انه يتعين عليها خفض استهلاك سكانها البالغ عددهم 8.2 مليون نسمة والا واجهت خطر نفاد المياه الجوفية خلال 50 عاما.

وقال محمد داود من هيئة البيئة في أبوظبي "نريد أن نقنعهم أن الماء هنا ليس موردا مجانيا. انه حتى ليس موردا طبيعيا... وانه مكلف وله أثر بيئ كبير."

لكن هذه ليست مهمة سهلة في بلد لا تجد فيه اللافتات التي تشجع على حماية البيئة مكانا لها بسهولة وسط لافتات الاعلانات عن الملاهي المائية والساحات المغلقة للتزلج على الجليد ونافورة راقصة شهيرة.

وقال داود ان معدل استهلاك الفرد من المياه في أبوظبي عاصمة الدولة وأغنى اماراتها السبع 550 لترا يوميا وهو ما يعادل مثلي أو ثلاثة امثال المتوسط العالمي الذي يتراوح بين 180 و200 لتر. ويقول المحللون ان نصيب الفرد من استهلاك المياه في الامارات يبلغ نحو اربعة امثاله في أوروبا.

وللحد من استخدام المياه الجوفية التي تمثل 60 بالمئة من الاستهلاك في هذه الدولة الصحراوية استثمرت الامارات بكثافة في محطات تحلية المياه لتنتج تسعة ملايين متر مكعب يوميا بتكلفة 18 مليون دولار يوميا.

والاعتماد على تحلية المياه يعتبر بذخا لا تقوى عليه سوى دول الخليج الغنية بالنفط. فهو يتطلب كميات كبيرة من الوقود ومياه البحر. وتقول جمعية الامارات للحياة الفطرية ان دبي تعتمد تماما على التحلية وان استهلاك أبوظبي زاد الى أكثر من ثلاثة أمثاله بحلول 2007.

وقالت عائشة سابافالا من وحدة ايكونوميست انتيلجنس للمعلومات "الامارات كانت مصدرا صافيا للغاز قبل 2008 لكنها الان اصبحت مستوردا صافيا" مشيرة الى تزايد تحلية المياه وانتاج الكهرباء باعتباره السبب الرئيسي وراء ذلك.

وتدار محطات تحلية المياه في الاساس بالغاز ونادرا ما تعمل بالنفط وهي الموارد التي حولت دولة الامارات من مركز صغير لصيد اللؤلؤ والاسماك الى مركز مالي اقليمي في نحو نصف قرن.

وقالت سابافالا ان البدائل مثل الطاقة النووية تحتاج لعشر سنوات أخرى على الاقل. وأضافت أنه بدون هذه البدائل ستزيد أنشطة تحلية المياه من الطلب المحلي على الغاز والنفط مما يحد من الصادرات.

وأكد ايكيرت فورتس من مركز أبحاث الخليج على أهمية ايجاد بدائل للاستخدام المستقبلي للنفط في وقت قريب.

وقال "هذا يمثل ضياع فرص ربح كبيرة لانه (النفط) يصدر بما بين 70 و80 دولارا للبرميل. فلماذا يضخ في محطات محلية بسعر مدعوم.. هذا جنون."

ويجري التخطيط حاليا لاكثر من ستة مشاريع لتحلية المياه ومن المتوقع أن تضيف اربعة ملايين متر مكعب من المياه يوميا. غير أن مشكلات التخزين تعني أن هذه المياه التي تجري تحليتها لا تستخدم.

وقال داود "محطات التحلية تواصل الانتاج بالمعدل نفسه في الساعة على مدار 24 ساعة كل يوم. فماذا نفعل بالمياه الفائضة الان.. نضخها في الخليج." مضيفا أن الدولة ستطور نظاما لنقل الفائض الى مكامن صخرية.

والى جانب المخاوف الاقتصادية فان الاعتماد على تحلية المياه قد يجعل الامارات أكثر عرضة للخطر في حال نشوب صراع اقليمي مثل تصعيد عسكري أميركي ايراني أو هجوم من جانب تنظيم القاعدة.

وقال هادي عمرو من معهد بروكينجز "محطة تحلية المياه هي مصنع كبير يقام على الساحل وهو هدف يسهل تفجيره بقنبلة أو صاروخ." واضاف "ويمكن لذلك ان يؤدي الي تركيع الدولة."

وليست ناطحات السحاب الفاخرة والفيلات الفارهة هي وحدها التي تبدد المياه بل هناك أيضا المناطق الزراعية ومنها تلك المعتمدة على أساليب الري التقليدية.

وعلى مسافة تقطع في بضع ساعات من دبي تقع واحة هيلي وسط الصحراء الامارتية الحارقة. وهناك يتفقد محمد الطاهري (22 عاما) قنوات تمتد عبر بستان نخيل يملكه والده ويراقب العمال في حقول مجاورة يفتحون المياه لغمر بساتينهم.

ومثل مئة زارع للنخيل اخرين في هيلي بدأت ابار عائلة الطاهري تنضب مما يضطرهم لحفر ابار جديدة للابقاء على أسلوب ري يرجع تاريخه الى ألف عام مضت يعتمد على غمر الحقول بالمياه من قنوات. وهم لا يصدرون أو يبيعون تمورهم بل يستهلكونها بالكامل.

وقال الطاهري دون مبالاة "انه يهدر المياه... لكن هذا النخيل ملك أجدادنا وهو ميراثنا. اذا توقفنا عن رعايته نكون كمن تخلى عن أبنائه."

ويوجه ثلثا استهلاك المياه في امارة أبوظبي أكبر الامارات التي تضم واحات العين ومنها هيلي الى الزراعة. والمزارعون الذين تجف ابارهم يحصلون على المياه المحلاة بأسعار مدعومة من الحكومة.

وهذه البيانات تزعج الخبراء الفنيين مثل داود الذي يحاول الحد من اهدار المياه بين سكان اعتادوا على أن تتحمل الحكومة أكثر من 60 بالمئة من تكاليف ما يحتاجون من مرافق.

لكن خفض الدعم لتحفيز الافراد على الحفاظ على المياه ليس من الخيارات المطروحة بالنسبة للاسر الحاكمة في الامارات.

وقالت سابافالا من ايكونوميست انتيلجنس للمعلومات "مواطنو الامارات اعتادوا على هذا الدعم ... ووقفه يعني انتحارا سياسيا."

مواضيع ممكن أن تعجبك