العراق.. البحث عن ذئب "أمعط" -عبد اللطيف السعدون

منشور 28 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2018 - 11:46
عبد اللطيف السعدون
عبد اللطيف السعدون

أعرف عراقيا "هاوي سياسة"، تقلب في قناعاته على مدى ثلثي عمره، متنقلا بين "الأيديولوجيات" يمينا ويسارا. انتظم، وهو طالب، في "المقاومة الشعبية" التي أنشأها الشيوعيون زمن عبد الكريم قاسم، واستدار نحو "الحرس القومي" في جمهورية البعث الأولى. وبعد انحسار ظل البعثيين، أصبح ناصريا ربما أكثر من جمال عبد الناصر نفسه. وفي جمهورية البعث الثانية تسنم موقعا قياديا في "الجيش الشعبي". وما لبث أن أحال نفسه على التقاعد سياسيا بعد الاحتلال الأميركي، وانزوى في بيته، وهجر كل قناعاته السالفة، مبشرا في خلوته بما يسميها "نظرية الذئب الأمعط" التي يقول إنها النظرية العملية الوحيدة التي تصلح لحكم العراق والعراقيين. ويستند صاحبنا في نظريته الى الصفات الكثيرة التي يسبغها المخيال الشعبي العراقي على الذئب "الأمعط"، والتي تصل إلى حد التناقض والاختلاف بين صفة وأخرى، لكنها كلها تمنحه الجاذبية، وتوفر له الهيبة بين بني قومه، فهو الشجاع المقدام الحذر، الشرس واليقظ والمحنّك، والمراوغ والمتنمر الذي يعرف كيف تؤكل الكتف، وهو الذي يتصيّد ضحاياه بعناية، كما هو الذي لا يخرج على عادات سلالته، ويمحض أهله الود والإيثار، ولا يسمح لغريبٍ أن يمد رجله في أرضهم.

وكثيرا ما كان صاحبنا يروّج نظريته تلك، موضحا أن العراقيين، منذ أكثر من دزينة سنين، وهم يبحثون عن حل، فلا "مجلس حكم" بول بريمر، ولا الحكومات التي أقامها الأميركيون، وشارك في إخراجها معهم الإيرانيون، تقدّمت خطوة واحدة على طريق الحل، فكل الذين حكموا كانوا يبحثون عن تطمين مصالحهم الخاصة، وكانت حصيلة تلك السنوات العجاف سقوط أكثر من نصف مليون قتيل، وأكثر من سبعمئة ألف جريح في أعمال العنف والعمليات الإرهابية أو العسكرية، في أكبر كارثة بشرية شهدها القرن الجديد. ودعك من حصيلتها على مستوى خراب العراق أقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وظواهر الفساد والإفساد والسقوط الأخلاقي، وشيوع قيم العنف والثأر والكراهية والحقد الأعمى، وتحول البلاد إلى دويلات طوائف وبروز الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

 العربي الجديد

جعل هذا كله العراقيين يبحثون عن ذئبٍ "أمعط"، يحكمهم بالعدل والقسطاس، ويوفّر لهم الأمن

"كل شيء في بلادنا باقٍ على حاله، خراب ودمار وفساد ومهانة"

والأمان والعيش الرغيد، ويحميهم من عاديات الدهر وغوائل الزمان التي أحاطت بهم في غفلة، ويعيد إليهم هيبة بلادهم، ويقارع أعداءهم، ويعينهم على تقرير مصائرهم، والحصول على حقوقهم المنهوبة، ولا يريدون حاكما عاجزا عن أن يقول كلمة، أو يثبت على موقف، وقد جرّبوا الوصفة "الديمقراطية" التي جاء بها الأميركيون، كما اختبروا مواقف وتوجهات رجال "النخبة" السياسية الذين حكموا البلاد، فما وجدوا من ينقذهم من بلواهم، أو يشدّ من أزرهم، أو في أقل تقدير، من ينسحب من الميدان، تاركا المجال لغيره، بعدما أدرك أنه فشل في مهمته، أو أن جيبه قد امتلأ بالمال، فما عاد يحتاج لدينار واحد إلى نهاية القرن!

سألته مرة: من يضمن أن لا يتحول "الذئب الأمعط" وسط هذا الخراب إلى ديكتاتور مستبد؟ أجاب: ليكن كذلك، شرط أن يكون عادلا بين الأبعدين والأقربين، والعاجز وحده هو الذي لا يستبد، وإن بلدا مثل العراق، بتكويناته ومكوناته التاريخية والجغرافية، وتركيبته السكانية الفسيفسائية، لا يمكن أن يسوسه في حاله الحاضر سوى ذئب أمعط.

قلت: ألا يستحق العراقيون نظاما ديمقراطيا تنويريا، يقيم عملية سياسية وطنية، ويؤسس لسلطة العقل، ويحترم الرأي الآخر، ويحتكم إلى الصناديق في تقرير مصائر الناس؟ قال: نعم، العراقيون يستحقون أكثر من ذلك. ولكن ليس كل ما يتمنونه يدركونه. أما أنتم، معشر الكتاب، فتحاولون إغراق عقولنا بالنظريات والأحلام. لقد جرّبنا، منذ زوال عهد الملوك، حكاما تغنوا بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحريته المزعومة في التنظير والتدبير والتغيير. وباستثناء فترات "ربيعية" قصيرة، لم نلمس شيئا مما قالوا به ونظّروا له، دعونا، إذن، نبحث عن ذئبٍ أمعط، يقيم بيننا سنة أو سنتين، لنسمّها "فترة انتقالية" يعيد فيها إلى الانسان العراقي ما سلب منه من حقوق، وثروات، والأهم يعيد له إيمانه بالحياة الكريمة التي افتقدها منذ عقود.

في آخر مرة، سألته عن الحال، وكيف يرى المستقبل، رد علي: كل شيء في بلادنا باقٍ على حاله، خراب ودمار وفساد ومهانة. ونحن في انتظار الأسوأ، وليس ثمة أحد يصلح لحكم العراق سوى ذئب أمعط، لكن الذئب الأمعط لم يأت بعد.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك