تفكيك ياسر (عرفات)

تاريخ النشر: 12 مايو 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

سمح الرئيس الأميركي جورج بوش هذا الأسبوع لرئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون بـ"تقليص" الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وإعادته إلى حجمه الطبيعي.  

ووفقا لتوصية تبلورت في وزارة الدفاع الاسرائيلية اثر مناقشات اجريت قبيل زيارة شارون لواشنطن وتجددت عقب لقائه مع بوش ووقوع عملية ريشون ليتسون، فان الأولوية ستعطى إلى إنشاء "سلطة ثانية" هي عبارة عن نسخة محسنة من السلطة الفلسطينية الحالية. 

ووفقا للمشهد العام المتعلق بهذه التوصية، فان الحديث هو عن تفكيك السلطة الحالية وإعادة بنائها اكثر منه إسقاطها.  

هل أنشأ ديغول الجمهورية الخامسة في فرنسا؟  

حسناً، سينشئ بوش وشارون "سلطة ثانية" في فلسطين تحل محل الأولى التي أنشأها كلينتون ورابين بعرفات ضعيف أو دونه.  

كان بوش متحمساً للفكرة كما لو كان "علي" جيفرسون و"أحمد" هاميلتون يعقدان سلسلة من الحوارات في رام الله على خطوط الدولة "الاتحادية".  

إن هذه نظرة ضيقة من الناحية القانونية ويمكن أن تكون مفيدة إذا استخدمت لتحقيق شيء ما أو التخلص من شخص ما.  

عمل عرفات لمدة تزيد على ست سنوات كرئيس للسلطة الفلسطينية دون إجراء انتخابات جديدة ومن الممكن للمرء أن يتساءل عن شرعية تمسكه بالسلطة.  

ووفقاً لمسؤولين كبار في وزارة الدفاع يمكن للسعودية ومصر والأردن الضغط على الفلسطينيين لتحقيق التهدئة، أما إعادة تأهيل البنية التحتية الفلسطينية وتشغيلها فسيخضع لمراقبة خارجية تتجاوز الفساد في أوساط عرفات وتقلب تكتيكاته التي تتمثل في مبدأ "فرق تسد"، وسيستمر الذين سيملأون الفراغ باحترام عرفات وسيرفضون العمل دون موافقته المسبقة ولكن لن يكون بإمكانه المناورة كترفيع رئيس لجهاز أمني على حساب رئيس آخر وبناء ميليشيا مسلحة من التنظيم ضد الآخرين.  

قانون ونظام جديد  

جاء إعلان بوش عن عزمه إرسال مدير المخابرات المركزية جورج تينت إلى المنطقة دون موافقة إسرائيلية كاملة ومسبقة حول شكل القوة الأمنية الموحدة التي سينشئها في مناطق السلطة الفلسطينية على أطلال الأجهزة المدمرة.  

وتهتم إسرائيل "بقوة (امنية) ونصف"، قوة شرطة موحدة تكون مسؤولة عن المحافظة عن القانون والنظام مع جهاز سري يعمل جنباً إلى جنب مع الشين بيت دون وجود جيش لدى السلطة.  

يجب أن يتسلح رجال قوة الشرطة الفلسطينية الذين يتمتعون بوضع هو أكثر بقليل من وضع مفتشي البلدية بمسدسات، أما الأسلحة الثقيلة فيجب حرمانهم منها على الرغم من أن أحدا لن يضيع وقتا في البحث عن آخر بندقية مخبأة.  

وسيكون قائد هذه القوة أحد المقيمين في مناطق السلطة ويكون محترفاً ولا يشكل تهديداً للسياسيين أو يكون أحد القادة المعنيين مثل محمد دحلان، الرئيس الحالي لجهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة أو حتى قائداً أجنبياً على غرار الجنرال البريطاني جون غلوب الذي كان قائدا للجيش الأردني في أيام إسرائيل الأولى.  

قام دحلان في الأسابيع القليلة الماضية بالحيلولة دون إطلاق صواريخ القسام على إسرائيل خوفاً من قيام إسرائيل بتوسيع عملية الجدار الواقي إلى قطاع غزة. حاول الجيش الإسرائيلي تقرير ما إذا كان ذلك كافياً لتبرئته من الانخراط في المنظمات الإرهابية أو أن على إسرائيل مهاجمة جهاز الأمن الذي يرأسه كما حصل للجهاز الذي كان يوازيه برئاسة جبريل الرجوب في رام الله.  

في غضون ذلك، يستمر جهاز الشين بيت في استجواب مروان البرغوثي، وقبل أن يرضخ البرغوثي ويعترف بالتهم المنسوبة إليه وعرفات. 

قال مسؤول كبير في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية "إنه مثل الغواصة، قبل نزولها إلى الأعماق، سوف نسحب الهواء منه، فإذا قررت بعد ذلك بأنك تريده زعيما لفترة ما بعد عرفات، فليست هناك أية مشكلة حيث سننفخه مرة ثانية". 

قد يكون هذا نوعاً من الوطنية والعجرفة ولكنه ذكر بابتسامة تنم عن الفهم بالقيود التي تحد من تأثير نفوذ إسرائيل على ظهور الجيل القادم من الزعامة الفلسطينية.  

قبل عدة ساعات من الهجوم في ريشون ليتسيون قال جنرال إسرائيلي مقتنع بأن وجود عرفات في المنطقة من شأنه إحباط أي إمكانية للتسوية مع الفلسطينيين "للمرة الأولى منذ مدة طويلة، أفرزت عملية الجدار الواقي والتنسيق مع الرئيس بوش أملا جديداً بإسدال الستار على المواجهة".  

ويستند ذلك الأمل إلى عزم الأميركيين على الإطاحة بصدام حسين وهي خطوة من شأنها تحويل الانتباه عن النزاع العربي الإسرائيلي إلى التطورات في الخليج العربي إلى إيجاد سلطة فلسطينية بديلة دون عرفات أو بوجود رمزي له وتوجه تدريجي نحو إنشاء إطار ثلاثي يضم إسرائيل وفلسطين والأردن بدعم من السعودية ومصر مع إدراك من القيادة الإسرائيلية بأن عليها الالتزام بالمساهمة في هذه العملية وذلك باتخاذ مواقف أكثر مرونة.  

بعد الهجوم مباشرة مساء عيد الفصح اليهودي في فندق بارك في ناتانيا قام ضباط في مديرية التخطيط العامة للجيش الإسرائيلي والذين ظلوا حتى قبل ذلك التاريخ يعارضون إقصاء عرفات استناداً إلى مبدأ حساب الربح والخسارة بإعداد وثيقة بعنوان "ماذا تغير" ذكروا فيها أنهم وجدوا الميزان قد انقلب.  

تأثير سلبي  

جاء الدعم الذي عبر عنه كل من الجنرال غيورا إيلاند، مدير مديرية الخطط والسياسة، ومدير دائرة التخطيط الاستراتيجي إيبال غيلادي، بشأن إقصاء عرفات بمثابة المفاجأة لوزير الدفاع بنيامين بن أليعازر على الرغم من إن ذلك لم يكن كافياً لإقناعه بالوقوف إلى جانب المعسكر الذي يقوده رئيس الأركان شاؤول موفاز ونائبه موشي يعالون ورئيس مجلس الأمن القومي عوزي دايان.  

بن أليعازر الذي يريد التفريق بينه وبين شارون وحزب الليكود استشهد بمعارضة رؤساء أجهزة الاستخبارات ومنسق النشاطات الحكومية في المناطق المحتلة لتنحية عرفات ولكن هؤلاء أكدوا أن قلقهم الرئيسي يتمثل في العواقب السلبية لمثل هذه الخطوة على مصر والأردن.  

قال أحد داعمي فكرة الإقصاء يوم الأربعاء الماضي إن هذه القلق خبا الشهر الماضي ومهما يكن من أمر فإن ثمن ذلك يمكن تحمله وأنه ليست هناك حاجة للانتظار لهجوم إرهابي هائل آخر يمكن أن يودي بحياة العشرات وربما مئات الإسرائيليين من أجل تبرير إعادة عرفات إلى مقره في تونس الشبه خال حالياً.  

ولاحظ هذا المصدر أن اختفاء عرفات عن المسرح سيعزز الاحتمال بظهور زعامة وسلطة جديدة ولكن ذلك سيثبت للفلسطينيين أن وضعهم سيكون أفضل دون عرفات، كما أن إسرائيل يمكن أن تسرع الاتفاقية السياسية بما في ذلك القيام بتفريغ المستوطنات المعزولة بشكل فجائي الأمر الذي كان غير ممكن في السنة الأولى لتسلم شارون رئاسة الحكومة الإسرائيلية، ولكن شارون الآن وبعد عملية الجدار الواقي والتنسيق مع بوش وبعد المشاورات الداخلية بدأ يكيل المديح للذين يرسمون صيغة الاستراتيجية الموسعة (والذين كان ينتقص منهم سابقاً مقارنة مع الداعين إلى الحرب).  

* عن صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية.