المسيحيّون العرب.. بين حكام الأندلس وجمهورية (زِفتي)- خالد عمر بن ققه

منشور 06 كانون الثّاني / يناير 2011 - 01:07
من المجزرة
من المجزرة

أعادت العملية الإرهابية الأخيرة ضد كنيسة القدّيسين في الإسكندرية الحديث مرة أخري علي الوضع العام بالنسبة للمسيحيين داخل الدول العربية، خاصة دول المشرق، وشكّل التناول الإعلامي ــ الغربي تحديدا ــ مدخلا لرؤية أحادية، ركّزت علي مسؤولية الطرف الآخر ــ أقصد هنا الإسلاميين ــ وفي هذا السياق جاءت إدانة معظم الدول العربية للعملية، وقد يكون مبررها الخوف علي مصر، أو من التوقعات الخاصة بكل، دولة، لكن حقيقة الأمر تكمن في التساؤل التالي: من أوصلنا إلي كل هذا؟

 

بالتأكيد أن الإجابات ستتعدد وتتنوّع، لأن مسؤولية وأسباب من أوصلنا إلي هذا كثيرة، لعل من أهمها: أنظمة الحكم في بلادنا العربية، حيث يصر معظمها علي عدم القبول بالتعايش مع قوي سياسية أخري، خاصة تلك التي تطرح ــ أو هكذا تدعي ــ مشروعا إسلاميا، وأيضا انغلاق أصحاب تلك الجماعات علي أنفسهم لجهة الادعاء أنهم الأحق بتطبيق الشريعة، ومن هنا جاءت فكرتهم التي انتهت بنا إلي الدماء إلي تغيير الحكم بالقوة، وحتي إذا ما وصل بعضهم إلي السلطة كان أكثر تنكيلا لمن خالفهم، وأشدّ بأسا علي الشعوب، ورفضا لتدينها التقليدي، وأكثر نهبا لخيرات البلاد.

 

إذن الأمر لا يخص المسيحيين فقط، حتي لو نالت منهم العمليات الإرهابية، وهي قليلة بالمقارنة مع ما يحدث ضد المسلمين سواء من الجماعات الإسلامية الداخلية أو من القوي الغربية، والأسئلة كثيرة في هذا المجال، لكن خطورة ما يحدث تتمثل في أن تفتيت الدول العربية تدخل مرحلتها الأخيرة، حيث كانت الأولي بين الجماعات والحكومات، ولأن هذه الأخيرة كانت الأقوي، فقد شنّت تلك الجماعات حربها ضد القوي الدولية التي تدعم الحكومات المسلمة.

 

كان لنا في المنطقة العربية النصيب الأوفي من تلك الهجمات، وحين تحول الصراع من أرض الحرب إلي أرض السلام، حسب مفهوم قدماء المسلمين، واحتلت أفغانستان، ومن بعدها العراق، تلاقت أو تقاطعت أهداف الجماعات مع الدول المحتلة، فجاءت الحرب علي مستوي الجبهة الداخلية، وضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد، لتكون ــ وبشكل دموي يومي ــ حربا بين المذاهب الإسلامية والطوائف الاجتماعية.

 

الشاهد علي ذلك ما يحدث يوميا في العراق، فمنذ سبع سنوات ــ أي منذ احتلال العراق ــ دماء شعبه تسفك في كل مكان ومع ذلك لم تأخذ العالم رأفة بالعراقيين، وحين وقعت العملية الإرهابية ضد كنيسة "النجاة" تركزت الأنظار حول أوضاع المسيحيين هناك، ومنذ تلك العملية بدأنا ندخل مرحلة جديدة للصراع، والقائمة علي أساس صراع الدين، يتزامن هذا مع الاستفتاء حول انفصال جنوب السودان.

 

المرحلة الأخيرة من الصراع الدائر علي الأرض العربية خاصة في دول المشرق لا يمكن فصلها عن حالة الإرهاب عامة التي يتحرك معظم دول العالم في فضائها، بالتأكيد ان أي عمل إرهابي مرفوض بغض النظر عن الجهة الموجه إليها، ولكن علينا أن نضعه في إطاره الصحيح، إذ من غير المقبول أن ننسي أو نغفل علي أن هناك ثمانية أفراد من 22 الذين ذهبوا ضحية العملية الإرهابية في الإسكندرية مسلمون.

 

يضاف إلي ذلك، أن قوي وتنظيمات إسلامية داخل مصر وخارجها أدانت العملية بما في ذلك الجماعات الإسلامية، وأن غالبية المسلمين في مصر وخارجها نددوا بالعملية، ما يعني أن ثمانين في المائة من الشعب المصري وهم مسلمون، يقفون في الخطوط الأولي للدفاع عن عشرين في المائة (أقباط)، وحين تكون الغالبية بما فيها أجهزة الدولة إلي جانب فريق من المجتمع، فإنه يكون في مأمن من الهزات الكبري حتي لو عادته فئة قليلة وباغتت المجتمع بجريمتها، وهو ما يفرض مواجهة حقيقية مع الغرب حول ادعاءاته بالدفاع عن حقوق المسيحيين داخل الدول العربية، مع أنه ساهم بقتلهم في فلسطين والعراق، بل إنه لم يميز بين المسلمين والمسيحيين أبدا علي طول تاريخ حروبه معنا، وحتي عندما حاول دق أٍسافين العداوة والبغضاء بين الطرفين لم يفلح، وفي الأخير رحل من بلادنا وبقي السكان الأصليون مسيحيو الشرق أو المسيحيون العرب، وهم الذين حفظوا علي اللغة العربية وأثروا وساهموا في كتابة تاريخنا الإسلامي، لنا في روايات جرجي زيدان خير مثال.

 

لقد حاول الغرب، في العقود الماضية، دفع المسيحيين إلي واجهة الأحداث من منطلق أنهم يشكلون أقلية في الوطن العربي، ويكرّر هذا اليوم، وبما أنهم ــ في رأيه ــ كذلك فهم يعيشون في اضطهاد دائم، ويحتلون مواقع دنيا في أجهزة الدولة، وهذا القول ليس صحيحا في المطلق، اعتمادا علي نسبتهم من العدد الإجمالي للسكان، فهم في مصر مثلا يشكّلون نسبة 20 في المائة ــ بعض المصادر تتحدث عن 15في المائة وأخري تري أنهم 10 في المائة فقط ــ وبغض النظر عن النسبة، فإنّهم يتحكمون في دواليب الاقتصاد، ويعتلون مناصب عليا في الدولة، والظلم الواقع علي بعضهم ليس لأنهم مسيحيون، وإنما لكونهم مصريين، أي أنه ظلم عام بالنسبة لكل أفراد المجتمع المصري (مسلمون وأقباط).

 

من ناحية أخري فإن نسبة المسيحيين متفاوتة في الدول العربية، ففي لبنان يشكلون 41 في المائة من العدد الإجمالي للسكان، ومع ذلك هم القوة الحقيقية المسيطرة علي أجهزة الدولة بدءا من رئيس الجمهورية طبقا للدستور الذي حددت مواده طبقة الحكم هناك، وليس انتهاء بالقوي السياسية التي تحرّك الشارع، وفي السودان تبلغ نسبتهم 17 في المائة من العدد الإجمالي للسكان، وهم علي وشك إقامة دولة يساندها الغرب ويصبح أهل الكتب السماوية أقلية فيها.

 

وفي سوريا يشكلون نسبة 10 في المائة حسب المصادر الأمريكية في حين تري المصادر الرسمية السورية أنهم لا يتعدون 8 في المائة، وفي فلسطين يشكلون ما يقارب 9 في المائة من سكان الخط الأخضر أو ما يعرف بعرب 48، وفي الضفة الغربية نسبتهم 3 في المائة من إجمالي السكان هناك وتلك نسبتهم في العراق أيضا، ويرتفعون في الأردن إلي 4 في المائة مقارنة بالعدد الإجمالي للسكان. وفي الدول المغاربية نسبتهم ضئيلة تقل في الغالب عن 0.5 في المائة.

 

من جهة أخري فإن عددهم الإجمالي داخل الدول العربية حوالي 28 مليون من العدد الإجمالي للعرب البالغ ــ حسب بعض الإحصائيات ــ 350 مليون نسمة، ومع ذلك فهم يتمتعون بحقوق متفاوتة، حسب نسبتهم وموقعهم داخل كل دولة عربية، وهم لا يتمپ تمييزهم من منطلق ديني، وموقعهم داخل المجتمع يعود لانتماءاتهم السياسية والطبقية وأحيانا الجغرافية، وهم في ذلك سواء مع باقي أفراد الشعب، فما هي المشكلة الأساسية الكامنة وراء توتر علاقاتهم بأنظمة الحكم، وانعكاسها علي العلاقة بين طرفي المجتمع الواحد؟ المشكلة ذات ثلاثة أبعاد، أولها: خاص بالقرار الدولي في المنطقة العربية، لجهة الانشغال بفتن داخلية، ولم يكتف الغرب ولا إسرائيل خالة الضعف التي تواجهها مصر، إنما تريدها وضمن السياق العام الذي ستؤول إليه كل الدول العربية بعد العراق والسودان أن تقسم إلي دول عدة صغيرة متناحرة، وهذا ليس خافيا والذين يقومون بالعمليات الإرهابية ــ بقصد أو بدونه ــ هم جزء من القرار الدولي.

 

البعد الثاني: إن هناك أنظمة وصلت إلي أرذل العمر، فلم تعد تعلم في السياسة بعد علمها شيئا، وهي في حالة أولي بشعة ومفجعة، حيث تختصر عملها في الفساد والتوريث، وعلي استعداد أن تسلم الأوطان للأعداء كما حدث مع عبد الله الصغير في الأندلس، مع أنه حاول تبرئة نفسه من لعنة التاريخ وإعلان عدم مسؤوليته علي سقوط الأندلس كما جاء في رواية المخطوط القرمزي، يوميات أبو عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس، تأليف الروائي الأسباني أنطونيو غالا، وترجمة رفعت عطفة. وفي حالة ثانية تشرف علي تقسيم الأوطان شرط أن تبقي هي في الحكم حتي لو حكمت بعكس الهدف الذي سعي إليه الثائران مصطفي أبو النصر باشا وأحمد عبد المنصف بك في مصر، حين أقاما جمهورية "زِفتي" ــ التي استقلت عن المملكة المصرية في 18 آذار 1919 برئاسة المحامي يوسف الجندي وقاومت الاحتلال الإنجليزي وظلت علي موقفها حتي أفرج عن الزعيم سعد زغلول ورفاقه ــ وهذا يعني أن بعض الأنظمة العربية سيكون إنجازها الوحيد هو تقسيم الأوطان وتفتيتها، وتقدّم ذلك بأشكال مختلفة، وبذلك تهيئ ــ دون أن تدري ــ إلي ثورة عامة باتت قريبة.

 

البعد الثالث: إن هناك اضطهادا جماعيا للشعوب من قوي خارجية دولية عبر الحروب، ومن قوي داخلية، تظهر في أعمال مختلفة، وتتشكل في مظاهر مختلفة، لن تكون نهايتها عملية الإسكندرية، مادام الكل يسعي إلي الظهور الإعلامي، والتأكيد علي الوجود عبر عدد من رسائل الإرهاب المتبادل، حتّي أنّه لم يعد هناك فرق كبير للمصلحة في أي عمل إجرامي بين الجماعات ورد فعل الحكومات.. وليس شرطا أن تكون جميع العمليات الإرهابية من فعل جماعات إسلامية فقط.

*كاتب وصحفي جزائري- الزمان


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك