كيف غابت المعرفة؟ - عاطف الفراية

منشور 06 كانون الثّاني / يناير 2011 - 07:15
عاطف الفراية
عاطف الفراية

  (1)

 

من نافلة القول إن المنطق يقضي بأن يتناسب استخدام الجيل للشبكة العنكبوتية وتعامله مع الفضايئات وكل مصادر المعرفة بشكل مفتوح وواسع، طرديا مع اتساع معارف الجيل وذكائه وإدراكه لما يجري من حوله، بل ومع تشكيل وعيه الجمعي وفكره، لا مجرد اتساع المعرفة من حيث كم المعلومة المحفوظة في الجغرافيا والسياسة والرياضة بالطريقة التي تركز عليها برامج المسابقات العقيمة.

 

 لكن ما يجري على أرض الواقع هو عكس هذا المنطق، فقلما نلنقي بأحد من جيل "الديجيتال" فنجد لديه معرفة ولو أولية بأحدث المعلومات المعاصرة فضلا عن غيرها، وسألخص هنا حلقة استطلاعية أجرتها محطة تلفزة عربية في إحدى الجامعات مع بعض الطلبة، وأرسلت لي نسختها بالفيديو، طُرحتْ فيها أسئلة حول معلومات أولية يمكن اكتسابها ببساطة متناهية لو أن المستطلَع رأيهم يشاهدون نشرة أخبار واحدة في اليوم، فضلا عن أن يقرأوا صحيفة أو كتابا.

 

 عن سؤال يقول: من هو برلسكوني؟  كانت الإجابات على التوالي (اسمه مش غريب علي بس ما بعرف) (ممثل سينمائي رومانسي) (رئيس الاتحاد الأوروبي) (نوع إطارات سيارات فخمة)!

 

وعن سؤال: ما هما الحزبان الرئيسان في أمريكا؟ كانت الإجابات على التوالي (حزب الفيتو وحزب الناتو) (حزب الليكود وحزب الاتحاد السوفييتي) (الاشتراكي والديموقراطي) (الجمهوري والشيوعي)!

 

كما تراوحت الإجابات حول أين تقع دولة المجر؟ بين قارة أفريقيا وآسيا وأنها كوكب في الفضاء. وعن سؤال حول الدول التي تحد "الفاتيكان" تمركزت الإجابات في (اليونان وفرنسا وأفغانستان والباكستان واسكتلندا والفلبين.. موزعة على العينة).

 

وفي سؤالين يختبران المعلومة والذكاء لو توفر أحدهما فقط، لم يخطر لأحد من المجموعة أن قبرص جزيرة، وأنه لا حدود برية لها مع أحد، فجاءت الإجابات بأن لها حدود برية مع سوريا ولبنان واليمن!

 

ومثل ذلك حول سؤال: متى انضمت إيران إلى جامعة الدول العربية؟ فقد تفرقت الإجابات كلها على سنوات ثمانينيات القرن العشرين، ولم يخطر لأحد أنها لم تنضم أو أنها ليست عربية، ما يعني أننا أمام شريحة لجيل يفتقر للمعرفة وللذكاء معا.

 

وكان سؤال الختام: من صاحب أغنية "آه ونص"؟ وكانت المفاجأة أن الجميع أجاب بسرعة وابتسامة، نانسي عجرم طبعا، بل إن البعض اعتبر السؤال مهينا لأن الجواب بدهي ومعروف.

 

 صحيح أن مثل هذه الشرائح قد لا تمثل الجميع، لكنها بالتأكيد مع غيرها مما نلمسه في تعاملنا اليومي، وما يبثه المدرسون من شكوى دائمة من إهمال الجيل وعدم جديته في التعاطي مع العملية التعليمية، والتعاطي مع ما يجري حوله في العالم باهتمام ولو بسيط، وفقدانه للحافز وركضه المستمر باتجاه الألعاب الإليكترونية ومتابعة الرياضة، تعد من المؤشرات القوية على فقدان الجيل للمعرفة وعدم تعاطيه مع مصادرها وعدم إدراكه لأهميتها. وقد واجهت بنفسي نماذج من الشباب في عمر ما فوق العشرين يسألونني عن بلدي الأردن إن كان لها حدود مع السعودية أم لا. وهل هي غرب مصر أم شرقها وهكذا.

 

 

 

(2)

 

 

 

  نتائج الاستطلاعات من مثل الاستطلاع السابق الحديث عنه، والمسوح التي يجريها الباحثون وبعض الأساتذة الجامعيين، والمشاهدات اليومية التي تواجهها طبقة الإنتلجنسيا حين تتعامل مع جمهورها عن قرب، وما يأتي به كل ذلك من نتائج تشي بضحالة المعرفة وتدني مستوى مخرجات التعليم لدى الأجيال الجديدة، وشبه انعدام الاستفادة من الإعلام الجاد وانهزامه جماهيريا أمام الإعلام الهابط، تثير الرعب من المستقبل إذا ما استحضرنا حجم المواجهة المطلوبة في المستقبل القريب والملقاة على عاتق الجيل الذي يعاني كل هذه الأزمة المعرفية، من الحفاظ على هويته في عالم القرية العولمية الصغيرة، والتعاطي مع الحياة بمبدأ التبادل المعرفي والعلمي والإنتاجي كي لا يكون عالة على العالم بشكل تام في كل شيء، ولا يبقى مجرد مستورد للفكر والثقافة وحتى اللغة، فضلا عن الغذاء والدواء والملبس ومعطيات التكنولوجيا.

 

 في ظل هذا التقابل غير المتكافئ بين ما هو ملقى على عاتق الجيل وبين رغبته وقدراته في تلقي المعرفة وإنتاجها، يتضح حجم الخواء وعدم إدراك الجيل لوجود مشكلة من الأساس، كل هذا يدفعنا للبحث في الأسباب ابتداء، وفي صحة آليات تقديم المعرفة من عدمها، ما كان منها ذاتيا مثل التعامل مع الإنترنت ووسائل الإعلام ما فوق الترفيهيه، أو مكتسبا من العملية التعليمية النظامية بجناحيها الحكومي والخاص، ودور الأهل ورغبتهم الجادة إن وجدت، والظرف الموضوعي العام بكل تفاصيله الاقتصادية ونمط الاستهلاك السائد، والاهتمام بالسياسة وسقف الحرية المتاح فيه، ومستوى الذائقة في تلقي الفن، وغير ذلك من معطيات الظرف التاريخي السائد.

 

ولأن الموضوع أكبر من أن تغطيه مقالة، فإنني سأكتفي هنا بالإشارة إلى بعد  المفارقة بين حجم الدافعية لاكتساب المعرفة لدى الجيل، وحجم توفر مصادرها بعد سيطرة الملتيميديا ومجتمع "الوفرة" في مقابل ما كان سائدا من دافعية لاكتساب المعرفة لدى الأجيال السابقة قبل هذه المرحلة مع مجتمع "الندرة".

 

إذ لا يبدو منطقيا أن الجيل الذي كان يقرأ على ضوء فتيل يشعل "بالكاز" ولم يعرف من وسائل الإعلام إلا راديو الترانزستور، ولا يكاد يأكل وجباته الثلاث بانتظام، ويسير إلى المدرسة على قدميه، يقدم للمجتمع قيادات ثقافية وسياسية وينتج فكرا ومعرفة ويقود حركة الحياة باقتدار، في حين أن جيل الملتيميديا الذي يتمتع بكل وسائل الترفيه، ويمتلك كل وسائل المعرفة بتكنولوجيا لم تتوفر لمن سبقه، لا يتجه من كل ذلك إلا نحو ما هو ترفيهي.

 

ولعل هذه الدافعية كانت لدى الجيل الأول لإيمانه بضرورة الخلاص مما هو فيه نحو الرفاه الذي لا يتحقق إلا بالمعرفة من زاوية، وإيمانه أنه لا بديل عن المعرفة للولوج إلى عصر جديد يتسم بالانعتاق من هيمنة القوى الكبرى من زاوية أخرى، في حين أن هذه الدافعية فقدت عند جيل توفر له كل شيء حتى لم يعد يشعر بالحاجة لشيء، في ظرف تاريخي ينظر فيه إلى العالِم والأستاذ الجامعي كيف يشقى طوال عمره ليحصل على ما يساوي أجرة مطربة في حفلة واحدة، ويرى لاعبَ كرةٍ يتعاقد بالملايين، فلا يبقى في ذهنه ووجدانه مساحة لتلك الدافعية، فيزهد في كل ما هو جاد ويسخر منه.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك