وحشة أخير السنة- علي السوداني

منشور 05 كانون الثّاني / يناير 2011 - 12:41
علي السوداني
علي السوداني

هذه ليلة موحشة مسجلة على ذمة اول السنة . مائدة ذكريات بعيدة تتكوم وصداع يشبه عركة فوق دكة حمّام نسوان . أوشال كأس وآثار جاجيك بائت وكيس مهدم من حَب عين الشمس ومرمدة مخلوقة من خشب معتق مزروعة بخاصرتها سبع سجائر . تمثال معمول من الفرفوري الصيني يشبه تميمة حظ .

وجه التمثال الذي صار مضحكة عظمى للولد نؤاس ، يظهر وجه طفل انحنى بقوة حتى بدا باسماً محشوراً بين ساقين تعتليهما مؤخرة صائحة . فلم السهرة كان سيرة مروعة لرسام كلب ابن سطعش كلب . الزاوية العليا من المائدة مشتول فوقها تشكيل من بلاستيك مقوى . الشكل يشير الى كنغر يدندل طفله من كيس البطن . شاعر فحل أظنه مثل سعدي يوسف قال مرة ان لا كناغر في زقاق لندني تعيس .

 باكيت سجائر مفتوح بابه على دستة ملفوفات ينطرن حتوفهن . نصف صمونة عراقية بائتة . عود مدبب رأسه لتطهير ألأسنان من دحائسها . شخير مروع في غرفة المعيشة . المشهد يستحلب سلة استعادات اكراهية ويكاد اخيره يعيدني الى نكات وطرف جدتي حيهن . السجائر وحَب عين الشمس يسحلاني بقوة الى باب سينما بابل بشارع عبد المحسن السعدون حيث عربانة خبز العائلة وثلاثية حَب سجائر علك .

على يمين السينما ثمة المركز السوفيتي وصورة لينين و بريجينيف و حجي نعمة ابو الشاي و بسطة ابو اسكندر والرجل الطويل خصاف . على يمين هذا الكون تنوجد حانة لطيفة اسمها حانة عشتار وصاحبها الانيق الرحيم ابو هاني .

بعد الحانة التي ندلها كلهم مسيحيون طيبون من سكنة البتاوين ، يرى دكان كبة البيادر ومالكه ابو عامر .   ابو عامر يصنع كبة مصلاوية واحدتها مثل صينية غداء . لدينا منافسة ضارية من عربانة صاحبها شائب من تلكيف اسمه ابو بهنام .

 الرجل التلكيفي كانت صناعته الطيبة كبة مدعبلة . اشتهي الليلة كبايتين مدعبلتين دسمتين مفلوعتين بابهام ابي بهنام . على يميني بطل صاص معبأ بقنينة بيرة ربما كان اسمها فريدة وقد تكون لاكر الذهبي . كاسة طرشي وطريق آمنة نحو سلة صمون حار مبطنة بقماش ابيض ثخين ومختومة ببطانية جيش . وعندك على ميمنة عربانة ابي بهنام ، عربانة القصيرين السمينين علي و حسين ابو العمبة . بيض مسلوق وصمون حار . شيش عمبة في الواجهة تلبد خلفها نجانة كبيرة مخفوق فيها سائل العمبة وفوقها جسر من خشب تتصفط فوقه بانتظام ، قرون الفلفل المخمر اللاذع ولب جوز الهند المفدوع وبين ساعة وساعة يطمس الاخ الأصغر حسين ، مغراف الخشب ببطن الطنجرة ويصبه فوق حشود الفلفل واللب الحار .

 للناس الأكيلة ما تتسع معدهم من الصمون الحار ومخفوق العمبة الثقيل لكن ليس من الجوزة المشطورة الى اربعة مثلثات حيث سعر الواحد منها كان سبعون فلسا احمر . على مبعدة سعلة مدخّن ثمة شيلمانة سيد جاسم ابو التكة والمعلاق والشحم والحلولو . سيد جاسم رجل خمسيني طويل وسيم ابيض تنام فوق وجهه ابتسامة ابدية . بصل اخضر ورشّاد وكراث وكرفس وبصل حائل وطرشي يقرقط من مكبوس خيار ماء وخيار طعروزي او خيار قثاء وفق توصيف مصطفى جواد ومريديه . هذه المؤسسة الاستطعامية تفتتح الزقاق الفيصل بين سينما بابل وسينما النصر والذي ينتهي ببنكلة يوسف العاني ومطبعة فتح الله عزيزة . في بلعوم الزقاق وعلى يمينه ان دلفت من صوب شارع السعدون ، ستجد ملهى ليلياً قيل ان اسمه المتأخر هو ملهى النجوم لكنني اذكر ان اسمه الاول كان ملهى الحرية وقد ثنى على معلومتي المبروكة هذه المسرحي المشهور فاضل خليل الذي له في الزلاطة طنة ورنة .

 استطيع اللحظة ان اخمن مسوغ تبديل اسم الملهى لأنوجاد تضاد وهمي بين المسمى الاول وبين الهدف الثاني من امنيات حزب البعث العربي الاشتراكي ، لكن ليس بيميني سند مكتوب او مسموع لهذا التأويل الفذ .

على الرصيف الثاني بمواجهة الملهى كانت حانة اسطيفان الغائرة في جسد سينما النصر الضخمة . من هذه الحانة يخرج مطعم مستطيل يقدم للجائعين أكلات باردة منها الروست واللسان والمخ والكفتة والبتيتة جاب . اخي الاكبر شيوعي العائلة الوحيد كان اشترى هذا الدكان وكنت اعاونه في تقديم السندويشات الباردة بعد انفضاض درس الحساب في مدرسة ابن جبير الابتدائية . زبائننا في هذا المأكل يأتوننا من الشارع وايضاً من نافذة صغيرة تأكل من الحائط الخلفي للمطعم ، مستطيلاً غضا ينفتح على موائد السكارى الذين يفضلون أحايين بطر ، مزة لحم الروست البارد على طاسة اللبلبي المنفوش المنقوع برحمة ماء الدجاج ومعصور الرارنج .

 الساعة الآن تقترب من صياح الديك وخرخاشة سماعة مسجد الشريعة بدأت تتنفس والمكتوب تشظى وتعددت خواتيمه و مقترباته . عيناي تتضببان وبدني يثمل و ناقوط حنفية المطبخ يكاد يحطم رغبتي العظمى بمواصلة الحياة السعيدة . تصبحون على خير .

[email protected]

عمّان حتى الآن


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك