فريد كابلان - (سليت)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
19/5/2015
لا يعني سقوط الرمادي؛ المركز الاستراتيجي لمحافظة الأنبار في العراق، انتصار الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" بالضرورة، لكنه يعني أنه لم يعد بوسع الرئيس أوباما والقادة الإقليميين المختلفين أن يتفادوا اتخاذ بعض الخيارات غير المريحة.
قرار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بجعل 3.000 رجل من رجال الميليشيات الشيعية يحتشدون خارج الرمادي لمنع "داعش" من التحرك أبعد باتجاه الشرق نحو بغداد (بل وربما الدخول إلى داخل المدينة المحتلة لمقاتلة الجهاديين وجهاً لوجه) هو أوضح إشارة حتى الآن على أنه لم يعد هناك جيش عراقي عامل. فقد تمزقت صفوف هذا الجيش بفعل الفساد وعدم الكفاءة والرواتب القليلة، والافتقار إلى الولاء لحكومة بغداد.
كان أوباما وكبار جنرالاته قد حذروا العبادي من عدم التعويل بشكل كبير على الميليشيات الشيعية التي تسيطر عليها إيران. وفي المعركة من أجل استعادة تكريت في آذار (مارس) الماضي -والتي تم فيها طرد قوات "الدولة الإسلامية" على يد ائتلاف من الجنود العراقيين والميليشيات السنية والميليشيات الشيعية وقوات البشمرغة الكردية والقصف الجوي الأميركي- هدد القادة الأميركيون بوقف دعمهم الجوي، ما لم يتولى الجنود العراقيون قيادة الهجوم، وبحيث لا يكون هناك إيرانيون في ميدان المعركة. وقد انصاع اللاعبون وتقيدوا بذلك (مع أنهم ما يزالون يتشاحنون حول أي من الفصائل هو الذي كان مسؤولاً عن إحراز النصر).
ولكن في الرمادي، حيث انهارت القوات العراقية والميليشيات السنية بسرعة تحت النيران، فإن التظاهر لن ينفع. وسوف تتولى الميليشيات الشيعية، وبشكل رئيسي قوات بدر، قيادة الطريق بشكل تلقائي وبحكم الأمر الواقع. وعلى أوباما أن يقرر ما إذا كان سيتراجع، انطلاقاً من مبدأ ما، أو أنه سيحشر أنفه ويرسل القنابل الذكية.
قبل تقرير ما الذي يجب عمله بخصوص الرمادي، يترتب على أوباما -أو أي قائد آخر له حصة في القتال- أن يحدد المحصلة التي يفضلها أولاً. ونظراً إلى كون كل المحصلات المقبولة ستكون قاتمة، فذلك يعني أن على القائد المعني تقرير أي محصلة هي التي ستكدره أقل ما يكون.
يريد أوباما وزعيم كل دولة في المنطقة أن يروا تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" وقد تم سحقه واحتواؤه. لكنهم مضوا على ذلك المسار بنصف حماس، لأنهم يخشون من الآثار السلبية التي قد تترتب على فعل ذلك بحماس شديد. و"داعش" قوي كما هو، فقط لأن قادته يعرفون مآزق خصومهم ويستغلونها.
على سبيل المثال، ثمة طريقة فعالة لقتال "داعش"، والتي تتمثل في تنشيط وتوحيد جيوش إيران وتركيا وسورية والأكراد. هذه هي القوات التي تخشى "داعش" أكثر ما يكو، والتي تستطيع مقاتلتها بشكل فعال أكثر ما يكون. لكن هناك عوائق خطيرة تقف في وجه تشكيل هذا التحالف. فلا تريد الولايات المتحدة والسنة في المنطقة (بما في ذلك تركيا والأكراد والعربية السعودية ومصر والأردن ودول الخليج) المساعدة في تمدد النفوذ الإيراني. كما أنهم لا يريدون تعزيز نظام بشار الأسد في سورية؛ وفي الحقيقة يريدون رؤية الأسد وقد أطيح به (ويفضل أن يفعل ذلك الجيش الأميركي بحيث لا يضطرون إلى القلق). وفي الأثناء، لا يريد الأتراك السماح للأكراد بأن ينتفخوا بالكثير جداً من التباهي. وأخيراً، فإن "داعش" في حد ذاته هو تنظيم سني. وقد انتعش، خاصة في العراق، عبر التعاون مع القبائل السنية التي يخشى قادتها من تزايد هيمنة الشيعة (بما في ذلك حكومة العراق ذات القيادة الشيعية). ولإلحاق الهزيمة بتنظيم "داعش"، تمس الحاجة إلى تقليل قبولها الطائفي. وذلك يعني غرس إسفين بين جهاديي "داعش" وبين داعمي التنظيم من السنة الأقل تشدداً. لكن ائتلافاً يضم إيران أو سورية قد يدفع السنة بشكل أكثر حزماً إلى داخل زاوية "داعش" -وقد يبعد ادول ذات القيادة السنية، مثل تركيا والدول الخليجية والعربية السعودية، عن الانضمام إلى التحالف كبداية.
لقد لاحظ المحللون أن تجنيد ميليشيات شيعية لقتال "داعش" في الرمادي سيزيد من التوترات الطائفية. وهذا صحيح. لكن كل خيار يتضمن قتال "داعش" سيزيد من التوترات الطائفية. والسؤال الحقيقي هو أي من الخيارات هو الذي يحظى بفرصة إلحاق أبلغ الضرر بـ"داعش" بينما يكون الأقل إثارة التوترات الطائفية. أو من وجهة نظر الولايات المتحدة والقادة المعادين لـ"داعش" في المنطقة: أي الخيارات قد يلحق الضرر بداعش أكثر ما يكون، بينما يجعل الآثار الجانبية -تمدد النفوذ الإيراني، وتقوية النزعة الانفصالية الكردية، وتعزيز نظام الأسد- أقل ما يكون؟
وهناك سؤال أكثر أساسية: كيف يستطيع هؤلاء القادة تصنيف مدى المحصلات، بما فيها "مكاسب داعش" و"سيطرة إيران على جنوب العراق" و"استدامة الأسد" و"إطاحة الأسد" (لكن على يد من؟) والبقية؟ أي المحصلات هي التي لا يمكن التهاون بشأنها وتلك التي ستكون مخجلة فقط، وهل يستطيع القادة التعايش مع الأخيرة من أجل الحيلولة دون الأولى؟
ربما تكون "استدامة الأسد" أسوأ بداية، على الأقل لأنه قد يكون على حافة السقوط. وبمجرد كلمة واحدة من الرئيس فلاديمير بوتين أو آية الله علي خامنئي، سيكون الأسد قد ذهب. ويكمن التحدي في إعطاء بوتين أو خامنئي الحافز لسحب القابس. وكان اجتماع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، مع بوتين في سوتشي قد عقد، في جزء منه، لاستكشاف الشروط الممكنة لهذا الترتيب. وربما كانت المصافحة غير سارة، بل وربما شائنة، لكنها إذا أفضت إلى إبعاد الأسد، بما يفضي بالتالي إلى جعل الأتراك والسعوديين يشنون حملة أشد على "داعش"، فإنها ستستحق الغثيان الذي سببته.
يعيش الشرق الأوسط في فوضى كاملة -والتي جاءت، في جزء منها، كنتاج لتفكك الحدود بعد الحرب الباردة، والتي كانت قد فرضتها القوى الكولونيالية قبل 100 عام تقريباً في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ويشكل ارتقاء "داعش" وقدرته على الانتعاش من أنه محاط بدول قوية تخشى طموحاته، عرضاً من أعراض هذه الفوضى.
أولئك الذين يعتقدون بأن أوباما هو الذي تسبب بهذه المشكل، أو أنه يمكن حلها عن طريق إرسال بضعة آلاف من القوات الأميركية البرية، هم ساذجون جداً وضحلون إلى درجة أننا نتمنى أن لا ينال أي منهم فرصة الوصول إلى البيت الأبيض أو أن يسدي المشورة للمرشح الذي سيكسب البيت الأبيض. وأحد الأسباب: سوف يعني "بضعة آلاف من القوات البرية" في الحقيقة أكثر من ذلك بكثير: إنهم سيحتاجون إلى دعم جوي (بما في ذلك طائرات النقل)، وإلى قواعد وقوافل إمداد ومقار رئيسية، بالإضافة إلى قوات إضافية لحماية القوات والقواعد والقوافل والمقار الرئيسية، وهكذا.
وهناك سبب آخر: ما الذي يفترض في هذه القوات أن تفعله؟ وما الذي سيكون له الأثر الأكبر -قوة النيران الإضافية التي قد يوظفونها لتكون مجدية ضد "داعش"، أم المجندون الإضافيون الذين سيجندهم "داعش" لقتل الأميركيين باسم الجهاد؟
الشؤون اللوجستية، والاستخبارات، والضربات الجوية لمساعدة القوات المعادية لـ"داعش" على الأرض -هذا هو أفضل ما تستطيع الولايات المتحدة تقديمه. ويقول ضباط ومحللون على الأرض إن الضربات الجوية ترعب العديد من مقاتلي "داعش" الذين يميلون إلى شن الهجمات في مجموعات، وهو ما يوفر أهدافاً مركزة لقنبلة. وتؤكد هذه المصادر تقريراً كانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد نشرته، ومؤداه أن "داعش" شن هجومه الحاسم على الرمادي خلال عاصفة رملية كبيرة، عندما لم يكن باستطاعة الطيارين (في الطائرات المأهولة والطائرات من دون طيار) مشاهدة تحركاته على الأرض.
لكن، وحتى في طقس صاف، لا تكفي الضربات الجوية لإيقاف مقاتلي "داعش" وحدها. فهؤلاء المقاتلون يمتزجون مع المواطنين المحليين (وفي بعض الحالات يكونون هم المواطنون)، مما يجعل من الصعب على الطيارين التفريق بين الأصدقاء (أو الأبرياء المحايدين) وبين الأعداء. وعليه، تمس الحاجة إلى هجمات برية أيضاً -يشنها مواطنون محليون آخرون من الأكثر ترجيحاً للتحدث باللغة نفسها، وفهم الوضع، وانتزاع ولاء أولئك في قبضة "داعش" أو تحت سطوته.
إن "داعش" ليس تلك القوة الجبارة. وكما يبدو، فإنه أحكم سيطرته على الرمادي بمجرد 400 مقاتل. وتستطيع الدول المجاورة تخليص المنطقة من هذا الطاعون الفتاك إذا هي تجاوزت مخاوفها قصيرة الأمد وانتبهت لمصالحها طويلة الأمد. وهذا أسهل على القول منه على الفعل بطبيعة الحال. لكنه ليس هناك من حل آخر.
*مؤلف كتابي: "المتمردون: ديفيد بترايوس والمؤامرة لتغيير الطريقة الأميركية في الحرب"؛ و"1959: العام الذي تغير فيه كل شيء".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Iraq's Least Worst Options
عن "الغد" الاردنية