لا تزال قاعدة "يتولى المُلك الأصلح بين أولاد عبد العزيز"، القاعدة المعتمدة في نظام الحكم السعودي. ولا تزال البيعة للملك، ومن بعده لولي العهد. نظام الحكم شهد تعديلات، لكنّها لم تغيّر القاعدة، وتم تأسيس مجلس عائلي للبيعة ولإدارة العلاقات والخلافات بين أفراد العائلة الحاكمة التي تجاوز عديد أفرادها، مع الفروع، العشرين ألفا.
يسجّل للنظام الملكي السعودي أنه أتاح انتقالاً هادئاً وسلساً للسلطة، لا يحصل عادة في أنظمة حكم مماثلة. صحيح أن أروقة القصر الملكي وباقي القصور، شهدت حراكاً وتسويات بقيت طيّ الكتمان، إلا أنّ القرارات الملكية الصادرة بعد ساعات على رحيل الملك، وقبل دفنه، كشفت حجم المداولات بين الأمراء وخطورتها. وكشف سرعة صدورها حساسية العلاقات المذكورة، وبدا أنها صدرت في مرحلة دقيقة للغاية، لا تسمح بتأخير، ولو حتى للحظة واحدة.
لا جديد في قرارات الملك. كل أبناء عبد العزيز، الملوك الستة، جاؤوا بحرسهم ورؤساء دوواينهم، وعادة يتم اختيارهم من بين الأبناء. الجديد هو تعيين محمد بن نايف ولياً لولي العهد، وهو المنصب الذي استحدثه الملك الراحل، ليضمن وصول مقرن بن عبد العزيز إلى سدة الحكم بعد سلمان، كون بيعة الأخير لا تعدّل.
مع تقدم سلمان وعبد الله في العمر، انتقل الصراع على الحكم في المملكة إلى الأقوى بين الأحفاد. إذ ان الصغير بين أبناء عبد العزيز تجاوز الثمانين من العمر باستثناء مقرن الذي كانت حظوظه بالحكم شبه معدومة نظراً لكون والدته يمنية الجنسية. أما أحمد بن عبد العزيز ومشعل وطلال، وهم من أبناء عبد العزيز، فمستثنون من الحكم، وإن كان لهم دور كبير داخل مجلس البيعة ومجلس العائلة.
انحصر السباق إلى كرسي الملك بين أبناء عبد الله من جهة، ومحمد بن نايف من جهة أخرى. ويعتبر محمد رأس حربة الأحفاد السديريين السبعة، أي أولاد حصة السديرية، وهم الملكان فهد وسلمان ووليا العهد الراحلان سلطان ونايف والأمراء أحمد وتركي وعبد الرحمن.
ولأبناء الملوك وولاة العهد المتعاقبين على الحكم نفوذ متفاوت، أبرزهم أولاد فيصل (اغتيل في العام 1975): سعود الفيصل وخالد الفيصل، الأول يدير بحكم منصبه، كوزير للخارجية، شبكة علاقات واسعة، لكنّها لن تسعف حالته الصحية. والثاني تولّى إمارات محدودة الحجم، وبرز في الشعر. وهناك أولاد فهد، أبرزهم: عبد العزيز القابض على ثروة تعدّ الأكبر من نوعها في المملكة وربما العالم، ويسيطر عبر آل الإبراهيم، أي أخواله، على محطة "أم بي سي" ومتفرعاتها. وهناك أبناء سطان - ولي العهد الراحل الذي كان الأقوى ولكنه فارق الحياة باكراً - وأبرز أبنائه: خالد، صاحب جريدة "الحياة" والذي فشل فشلاً ذريعاً في حرب اليمن عندما كان على رأس وزارة الدفاع، وبندر السفير ورجل الأمن.
ومع تولي سلمان منصب الملك، ومحمد بن نايف ولاية العهد الثانية، يعود نفوذ السديريين إلى الواجهة. لكن آليات الحكم والسلطة تبدّلت. وسلمان ملكاً، هو غيره ولي العهد ولو كانت صحته متدهورة، حاله حال سلفيه الراحلين، يبقى قادراً على فرض تسويات جديدة، علماً أن الصراع الحقيقي هو بين أحفاد حصة من جهة، وأبناء عبد الله من جهة ثانية.
متعب هو رئيس للحرس الوطني، وهو الجهاز العسكري الداخلي الأقوى الذي أسسه الملك الراحل قبل نحو أربعين عاماً، وظلّ على رأس قيادته إلى أن سلّم القيادة لمتعب. ويقال إنه كان يعرف أفراد الحرس فرداً فرداً، ويدينون له بولاء مطلق، وسهر على تجهيزهم بأحدث المعدات، ووفر لهم مدناً سكنية وطبية ورعاية هي الأفضل من نوعها. وتولى أبناء عبد الله الآخرين مناصب هامة، أبرزهم، بالإضافة إلى متعب، تركي في حاكمية الرياض، وعبد العزيز نائب وزير الخارجية. وهناك خالد في مجلس الحكم ومشعل حاكم نجران.
وكان الاتفاق على تعيين مقرن كولي للعهد بمثابة محاولة لشراء الوقت إلى حين تعديل نظام الحكم بما ينظم وصول الأصلح بين أحفاد عبد العزيز من أبنائه الملوك إلى سدة الحكم. لكن وجود نايف بن عبد العزيز في وزارة الداخلية لفترة طويلة، ومن بعده ابنه محمد الذي كان نائباً له (تولى الوزارة بعدما عُيّن والده كوليّ للعهد)، جعل منه رقما صعباً يستحيل تجاوزه، ويكسر قاعدة "الأصلح من بين أحفاد عبد العزيز لأبنائه الملوك". فوزارة الداخلية السعودية هي الجهاز الأمني الأكبر في المملكة، والجهاز الوحيد الذي يحصي جميع المواطنين وعلى علاقة مباشرة معهم من جوازات السفر إلى الهوية. وتولى محمد ووالده مباشرة مكافحة الفئات الضالة أي "القاعدة" وغيرها من الحركات السلفية الإرهابية، وهو كان تعرّض لمحاولة اغتيال كادت تودي به.
مركزا القوة في السعودية متعب بن عبدالله ومحمد بن نايف، الأول يستند على الحرس الوطني وأشقائه، والثاني يستند على وزارة الداخلية وأولاد عمومته السديريين، وهو بات أقرب الى الحكم من متعب بعد قرار سلمان الأخير. الصراع بينهما مفتوح على كافة الاحتمالات، أبعدها توافقهما على تقاسم السلطة. الأمراء الآخرون يريدون حصّتهم أيضاً، ومقرن كملك هو غيره كولي للعهد، وسيكون مناط به تعيين ولي لولي العهد، وهو محسوب طبعاً على أبناء عبد الله، ولكن هل يستطيع مقاومة محمد وحلفه، وهل هم سيأمنون له؟ بالتأكيد، هناك تسوية بين متعب ومحمد أتت بمقرن، لكنها تسوية بين مضطرين، تسوية لتأجيل الاشتباك.
الصراع على المُلْكْ فُتح على مصراعيه، وبالتأكيد لن نشهد انتقالاً سلساً للسطة بعد اليوم في المملكة. ولتفادي تلك الأزمة، أعلنت الرياض عن ثلاثة ملوك دفعة واحدة بعد رحيل عبدالله. كم ملك سيعلن عنه لاحقاً؟ نظام الحكم السعودي كما نعرفه، منذ نحو 80 عاماً، يتغيّر، وربّما يكون سلمان بن عبد العزيز آخر ملوكه. والمشكلة مع السعودية أنّ أزماتها الداخلية هي أزمات عربية وعالمية ونفطية وتعني الجميع، إنّها كالمرأة لا تسطيع العيش معها ولا من دونها، وهي الآن مشغولة بشؤون بيتها الداخلية، فليسترح الإقليم.

* عن صحيفة "السفير" اللبنانية