كنا في انتظار المحاكمه .. لاسباب مختلفه . منا من اراد ان يري مصداقيه المجلس العسكري في محاكمه النظام السابق ورموزه . ومنا من اراد ان يري حاله مبارك الصحيه وهل تطابق التوقعات وما ينشر في الجرائد ام لا ؟
اعترف انني احسست ببعض الشفقه عليه وعلي اولاده .. نفس الشفقه التي شعرت بها ذات يوم عندما اذاع احد البرامج لقاءا مع شاب محكوم عليه بالاعدام في قضيه قتل ام وطفليها ,, كان يعمل لديهم في دهان شقتهم . ربما لانني رأيت اضطرابه النفسي ولحظاته الاخيره في الحياه ,,
لكنني تذكرت ما اصابني انا شخصيا من مصائب نتيجه حكم مبارك .
بعد تخرجي من الجامعه مباشره لم اجد عملا الا في التدريس بالحصه ,, اسبوع واحد فقط كان كل ما تحملته مع اطفال مدرسه حكوميه في الصف الخامس الابتدائي .. فشلت في تحمل مشاكلهم النفسيه من نظام تعليمي فاسد . اول حصه دخلت فيها الي الفصل طلبت من بعض التلاميذ قرءاه احد دروس اللغه العربيه لكنني اكتشفت ان اكثر من نصف الفصل لا يعرف القراءه .. اقتربت من احد التلاميذ لاوضح له شيئا فغطي بسرعه وجهه ورأسه بيديه في حركه جعلتني اكاد ابكي وانا اري خوفه وتوقعه لضربي له علي وجهه .
دخلت مديره المدرسه لتوضح لي بلطف انني لا يجب ان اتعب نفسي مع الاطفال كلهم خصوصا من لا يفهم منهم او لا يستطيع القراءه وطبعا ولا الكتابه بل يجب ان اركز مجهودي مع الطلبه المتفوقين فقط خصوصا وان الاوامر تصدر لهم كل عام ( بتنجيح ) معظم الطلبه نظرا لاكتظاظ الصفوف . ثم مالت علي اذني تطلب مني ان اعطي بعض التلاميذ درجات مميزه اما لانهم ( غلابه ) او لان والدة احدهم تأتيها وهي تبكي تطلب منها ان ينجح او لاي اسباب اخري عرفت فيما بعد انها تعطيهم دروسا خصوصيه ( ويابخت من بياخد دروس عند الناظر )
وبالطبع رفضت التدريس بعد ذلك تماما
لم اجد عملا دائما حتي الان وسوف يأتي يوما اصل فيه مثل ملايين غيري لسن المعاش فلا نجد دخلا ثابتا ننفق منه علي انفسنا وعلي اسرنا .
بعد عده سنوات انسقنا وراء فكره قروض الصندوق الاجتماعي التي اكتشفنا بعد تورطنا فيها ان فائدتها المركبه تصل الي 14 % سنويا ,, وبعد حوالي 8 سنوات من السداد المتواصل للقرض اكتشفنا اننا لم نسدد سوي نصفه فقط نتيجه ان القسط الشهري كان نصفه علي الاقل فوائد مركبه .
ونتيجه للقرارات العشوائيه المشبوهه التي كانت تصدر من حكومات مبارك المتتاليه .. فشل مشروعنا الصغير والذي كان ينفق علي عدد من البيوت والعمال وانتهي الحلم الذي زينه لنا الصندوق الاجتماعي وظل كابوس الدين فقط .
زوجي الذي اعتقل امام عيني ونحن نراقب انتخابات مجلس الشعب عام 2005 لانه كان يحاول التقاط صوره لاحد الضباط وهو يضرب شابا اراد الوصول الي لجنته التي كان يحيط بها كردونا من الامن المركزي لمنع الناس من التصويت حيث قضي خمسه عشر يوما في زنزانه صغيره بدون زجاج علي الشبابيك ولا اي شيء علي البلاط في الشتاء حشروا فيها عددا كبيرا من المعتقلين الذين تسولوا من الجنود بعض الكراتين الورقيه ليفرشوها علي البلاط حتي يستطيعوا النوم وبدون اغطيه .
ثم سافر الزوج في محاوله منه للسداد ومازال مسافرا مثل الكثير من شباب مصر الذين يضطرون للغربه من اجل العمل بينما يتربي الاولاد بدون اب ويكبرون وهم يفتقدون للجو الاسري الصحي.
وصل المرض لبيوتنا جميعا واتحدي ان يكون هناك بيت في مصر بدون فشل كلوي او سرطان او كبد وبائي .
الدروس الخصوصيه التي يحرص المدرسون علي ان تبدأ اول شهر 8 من كل عام علي الرغم من الحر الشديد والصيام وذلك ليضمنوا لهم دخلا يستطيعوا الانفاق منه علي اسرهم بينما لا يشرحون اي شيء في المدارس بل ان هناك البعض منهم يذهب الي المدرسه بالدراجه ليستطيع التزويغ لبعض الوقت في الحصص التي لا يدرس فيها ويذهب لاعطاء حصه او اكثر .
ابني الذي نجح في كل اختبارات الكليه الحربيه حتي كشف الهيئه حتي العرض العام ثم رفض لمن الدوله التحاقه بها نتيجه وجود ملف لنا في امن الدوله باعتبارنا ناشطين سياسيين .
تذكرت الكثير جدا مما عشناه في عهده .. واعترف ان رؤيته داخل قفص الانهام اثار تعاطفي لكن حياتي التي لم استطع ان اعيشها كما تمنيت اثارت بداخلي الكثير من الشجون والحزن .
في كل مره سوف اري فيها نفس المشهد سوف اتذكر والدي المريض الذي لا يرقد في مستشفي عالمي ولا يجد سياره اسعاف مكيفه تنقله الي حيت يريد .
سوف اتذكر ابني الذي حرم من دخول الكليه التي كان يتمناها وتأهل لها فعلا لكنه منع لان والديه كانا يقولان كلمه حق .
سوف اتذكر انني لا اعمل وانني لا يمكن ان اعالج علي نفقه الدوله لاني لا امتلك تأمينا صحيا ,
سوف انظر الي حياتي فقط واقارن بينا وبين الحياه التي عاشها مبارك واولاده حتي استطيه ان اتقابع المحاكمه بدون تعاطف معهم
واردد بني وبين نفسي قول اله سبحانه وتعالي : لمن الملك اليوم ؟. مدونة الكاتبة.