تغني فيروز: "كان عنا طاحون ع نبع المي"، فأتذكر جدتي وطاحونها، الذي كان يعد من مستلزمات البيوت في سالف الأيام، بل بعض البيوت المميزة، كونه ليس متوفراً للجميع.
والطاحون الذي أتذكره عبارة عن قطعتي صخر، مشغولتين بعناية على شكلين أسطوانتين، يوجد ثقب في أعلاهما، وعصا مغروسة فيه، يدار الطاحون من خلالها.. باليد.
طاحون ستي يختلف عن ذلك الذي تغني له فيروز؛ كون الأخير أكبر، وربما يعمل على قوة دفق الماء.
كانت ستي تنقل بيديها اللتان اعترتهما شيخوخة مبكرة، قطعتي الطاحون، وتنتظر ريثما تلتقط أنفاسها، لتجلس بعدها وتضع القمح في الثقب، فيتسلل بين الصخرتين، وتدير الأسطوانة العلوية بيدها، فتطحن القمح وتصنع الدقيق الذي تجعله عجيناً وخبزا ما زال طعمه الشهي في فمي.
مرات ومرات، كنت أجلس على حصيرة مستندا إلى مخدة صغيرة بجوار "ستي"، أراقبها تطحن القمح، ومتتبعا قطرات عرق التعب على صدغها، وذؤابات من شعرها، من تحت غطاء رأسها الأبيض، كساها الشيب والحناء والعمر الآخذ بالنفاد.
وياما سمعتها، تدعو موجهة نظرها إلى السماء قائلة: "يا بو خيمة زرقا".
مرة، وجدتي منهمكة في الطحن، ارتأيت أن أساعدها بإسالة القمح في الثقب الحجري، حين مرت بنا الطائرات على حين غرة، وعلت أصوات الانفجارات، فأخذتني إلى حضنها وقالت: لا تخف.. الصهاينة هم الجبناء". وقرأت ما تيسر من سور قرآنية، دون أن تتوقف يدها عن إدارة الطاحون والتحديق الى أشجار زيتون وكرمة ما تزال صامدة رغم الحروب وعتو السنين.
آه يا ستي.. فبعد خمسين عاماً من العمر،
و20 مذ رَحَلْتِ عن هذه الدنيا..
صرنا نحن في الطاحون..!