"أحلام وغيلان" محمد السماعنة، "رؤية لما ستؤول إليه حال أمتنا"

منشور 16 تشرين الأوّل / أكتوبر 2018 - 09:09
"أحلام وغيلان"
"أحلام وغيلان"

د. جواد يونس أبو هليل*

قراءة في رواية "احلام وغيلان" للكاتب والناقد الأردني د. محمد حسين السماعنة.

لست ناقدا، ولكني أزعم أني قارئ جيد. هذه انطباعاتي الأولية عن الرواية** بعد أن قرأتها كاملة في جلسة واحدة امتدت 4 ساعات فالرواية قصيرة نسبيا (125 صفحة A4) ومشوقة بمعنى خاص. نجح الكاتب في إثارة اهتمامي بمعرفة الخاتمة لا كحدث، بل كرؤية للكاتب حول ما ستؤول إليه حال أمتنا التي تصفها الرواية بشكل غير مباشر. قد يؤخذ على الرواية أن الرموز كانت في غاية الوضوح، ولكن ربما كان هذا ما أراده الكاتب مع سبق الإصرار والترصد، مع ضرورة التسليم بأن للقراءة عدة روايات وإسقاطات مشروعة.

هذه رواية مختلفة عن كل ما قرأته من روايات، تختلط فيها الفانتازيا بالواقع بالخرافة. تصور الرواية حال الناس في المنطقة رقم 10 حيث غرق الناس في عالم الأحلام بحيث أصبحوا متواكلين على الأحلام في تحسين معيشتهم، وحيث تسن "لجنة الأحلام والتفسير" ما شاءت من القوانين لتدجين الأحلام، وتفرض ما شاءت من الرسوم والضرائب على من يريد تفسير حلمه عند "أم مطر" التي لا يخيب لها تفسير لحلم.

لا أدري إن كان هذا مقصودا أم لا، ولكن الرواية تذكر 6 أشهر هي بالترتيب: شهر اللوز - شهر الموز - شهر الفول - من شهر الفلفل - شهر تموز - شهر المفتاح، وتذكرنا بالأشهر الستة التي تدور فيها أحداث الأجزاء الثلاثة من رواية 1Q84 للروائي الياباني هاروكي موراكامي الذي يقتبس الكاتب قوله "الحل هو الأحلام" (ص 90).
ملاحظة: "كيو" لها نفس لفظ الرقم "9" باللغة اليابانية. بينما هو اختصار لـسؤال "Question" بالإنجليزية. والعنوان به إشارة إلى رواية (1984: جورج أوريل)، ومن ناحيه أخرى، إلى العالم الغامض الذي يعيش فيه ابطال الرواية.

في المقابل يوجد في المنطقة 10 قلة تتمرد على الواقع، ومنهم شام التي لها فلسفة خاصة بالأحلام، فتقول في ص 11: "قلت لها بأني لا أخاف على روحي ونفسي؛ فأنا أعد الحلم جزءا من الحياة لا الحياة، وهم يعدون الحياة حلما فيبنون حياتهم على أحلام، ويهجعون بانتظار أن تتحقق لهم." (ما أصدق هذا الوصف لحال أمتنا). ثم تقول في ص 33: ردا على سؤال: "أليس الحلم من الحياة؟" قائلة: "بلى، ولكنه يغدو عدوها إن صار مادتها."

ومنهم أحمد الطائر (يصبح اسمه حميدان الطائر لاحقا!) الذي يقول في ص 21: "قالوا له: يا أحمد الحلم أساس الحياة، فقال: الحلم طرح ونتاج لا هدف نرسمه، يأتي عرضا ولا يأتي عنوة، يأتي حرا طريا رطبا عائما غائما لنتذوقه لا لنعلقه كالوحوش، فهو ليس ذبيحة ، خاب من يقتات بالحلم، يا أيها الناس إن الحياة والتعب هما الحل."

يبلغ السفه بمن يديرون المنطقة 10 أن يكذبوا الكذبة ثم يصدقوها، فنجدهم يحاربون خطر أحمد/حميدان الطائر بقرار فريد: "واتفقوا على أن يحلموا أنه راحل عن المنطقة 10" (ص 31).

• تتطرق الرواية إلى هموم المرأة الشرقية. فالرواية تدور في "عام الذكورة" في إشارة واضحة إلى المجتمع الذكوري الذي نعيش فيه. وفي بعض قرارات (لجنة الأحلام والتفسير) منعت النساء من تفسير أحلامهن عند أم مطر بينما سمح للذكور بذلك. كما أن هناك إشارة عديدة إلى الذكاء الأنثوي الذي كان ضروريا لصد اعتداء الغول بعد أن فشلت قوة الذكور في ذلك.

• على شاكلة "كليلة ودمنة" تحدث أم مطر "شام" عن قصص الغولة الأكولة وأبو رجل مسلوخة وغيرها، واللافت هنا المفعول السحري لحبات الزيتون التي لا تستطيع الغول مقاومتها، بل إن للزيتون قدرة عجيبة في "مقاومة" الغول وحده (كما فعلت أحلام)، أو عبر معجون الزيتون والتمر من أجل "القضاء على الغول" (كما فعلت لجين). هل هنا إشارة إلى اتحاد دول الشام/فلسطين (حيث الزيتون) مع العراق وربما الخليج (حيث التمر) للقضاء على الغول الصهيوني/الإمبريالي: ربَّما كان ذلك ما يرمي إليه الكاتب، وعلى كل حال فالنص مفتوح على قراءات عديدة.
ملاحظة: هناك أيضا إشارة إلى التين الذي يخيف "أبو رجل مسلوخة". التين والزيتون والتمر: هل هي الشام/فلسطين والعراق/الخليج؟ ربما.

الخاتمة: تختفي مفسرة الأحلام أم مطر، ورغم ذلك يستمر الناس في التواكل على الأحلام (أي أن للكاتب نظرية تشاؤمية لواقعنا وإمكانية الانتقال في المستقبل القريب من عالم الأحلام إلى عالم التخطيط والأفعال).
ص 124:
" فهل اختفت أم مطر أم أنها عالقة في حلم استعصى على التفسير؟ أم تجسدت في تفصيلات حلم أحبته فأعادت تصميمه وتشكيله لتنعم فيه بالراحة والسكينة؟"
" فمع أن أم مطر مفقودة منذ سنة أو أكثر إلا أن صفوف الحالمين ما زالت تملأ الشوارع القريبة من بيتها والساحات الثلاث، وما زالت طوابير الحالمين تتزاحم عند شبابيك الدور وأبواب العبور، وتقدم الطلبات للجنة التفسير والتنظيم والتدريب لأخذ الموافقة على أحلامها."
أما واقع المرأة الشرقية فيظل كما هو:
- أما زالت الأنثى تخاف سطوة لجنة التوجيه؟
- ما زالت تخاف من أحلامها على أحلامها!
اختفت أم مطر تاركة خلفها نظاما صارما مبنيا على الأحلام وتفسيرها ... (ص: 125)

===============
التناص مع القرآن الكريم:

• بنيت الرواية كاملة على التناص مع قصة يوسف (عليه السلام) الذي علمه الله "تأويل الأحاديث"، ولعبت دوره في هذه الرواية (أم مطر). وفي هذا إشارة إلى أن الناس في منطقة 10 كانوا في سجن كبير وهذا واضح من الحكم الدكتاتوري الذي فرضه "العميد" الذي يرمز في رأيي لحكم العسكر للمنطقة العربية.

• هناك تناص مع قصة فرعون موسى/ حيث فسر الثعبان حلم الأسد: " سيهجم عليك سبعون طفلا رضيعا، وعشرون امرأة، ومئة شيخ بعصي من ياسمين إن قتلتهم نجوت." وهنا مفارقة عندما رفض الأرنب تفسير حلم الأسد قائلا إن هذا الحلم من أحلام "الإنس" ولا يفسره إلا "الثعبان" في إشارة إلى إجرام الإنسان واستعداده للاستماع إلى إغواء إبليس الذي تشكل في شكل حية حينما وسوس لحوّاء في الجنة (بحسب مزاعم التوراة)! لاحظوا أن تفسير الثعبان لحلم الأسد يذكر أن العصي من "ياسمين" فهل يشير الكاتب إلى ياسمين الشام؟ ربَّما.

ملاحظة: وربما كان هذا يغني عن تصريح الكاتب بأنهم "قادمون من أطراف الشام، ومن إدلب وحمص وحماة، ومن نابلس ومن جبال لبنان ومن معان."

• بعض العبارات تتناص مع القرآن الكريم.
- " أنا أبني حلما قد تكاملت فصوله عن حي عائم في البحر أشجاره عالية، لا تسمع فيه لاغية" (ص 19)، فيه تناص مع قوله (تعالى): " فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ . لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (الغاشية: 11)
- "وإن تركتهم يصلون عرينك أخذوك بالنواصي والأقدام" (ص 91) تناص مع قوله تعالى: " يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ" (الرحمن: 41)
=======
اللغة

1. لغة الرواية سلسة تتدفق كنهر جار، لا صنعة فيها.
2. في بعض المقاطع تصبح لغة شعرية حيث مقاطع مت شعر تفعيلة على البحر الكامل:
• ص 34:
"علب من الشوق المعصفر بالخدوش
قلق الغريب على المقاعد عند نافذة القطارْ
سيل من الخوف العميق
يحوسنا وبلا رتوشْ
صوت يخرخش تحت أرصفة الحوارِ
بين ألسنة الخضوعْ
جسد تلاقفه الوحوشْ
تهمي على الخد المقدد دمعتانْ"

"سنة تلاحق أختها والطفل كانْ، مرت عليه الذكرياتْ، ألقت أساورها الثقيلة والعيونْ شقت يديه إلى الظنونْ، فاختار نافذة البطولة كي يعود إلى الأمانْ."

• ص 89:
"علب من الشوق المعصفر بالخدوش، قلق الغريب على المقاعد عند نافذة القطار، سيل من الخوف العميق بلا رتوش
صوت يخرخش تحت أرصفة الحوار، جسد تلاقفه الوحوش، وصبية من أمتعة، تخفي شطيرتها وتسأل عن أبي، وتقول لي من أين أنت، وكيف جئت، وأين يحملك النهار ؟تهمي على الخد المقدد دمعتان
تبكي ويسرقها المكان ..
حبيبتي:
سنة تلاحق أختها وسترحلينْ وتمر منك حكاية فيها أنينْ، وتمر من عينيك هذي الذكرياتْ
تُلقي عليك تحية من سندبادْ شقت يداه إلى الظنونْ، فاختار نافذة الطفولة كي يعود إلى الأمانْ، وسترحلين وترحلين وترحلينْ ..."

ملاحظة شكلية: لو كنت مكان الكاتب لكتبت هذه المقاطع على شكل شعر تفعيلة بدلا من المزج بين الشكلين الشعري والنثري.

3. يبدو لي أن الكاتب اختار/انتقى أسماء/كنى شخصياته بشكل دقيق ولن أسهب في شرحها فدلالاتها واضحة.
- مفسرة الأحلام: أم مطر
- ابنها مطر: مجند في الصحراء يرسل الرسائل إلى أمه ولكنه لم يعد!
مطر الذي ظن أن القادة اختاروا زملاءه لمحاربة العدو فثارت ثائرته وقال: "يعني بحرق المعسكر، يعني بقتل حالي، يعني بدمر الدنيا، أنا لازم أروح معهم ليش أنا مش معهم ليش، ناقصني رجل ولّا إيد؟" ليصعق بعد أن ضُمَّ إلى زملائه بأن مهمتهم ليست مهاجمة العدو بل يخاطبهم القائد: "أنتم الشجعان الذين اخترناهم للقبض على الحصان الهارب والحمارين اللذين تسللا إلى ملعب المدينة وأكلا العشب... " (ص: 112/113).
- ابنة الجيران: شام
- بطلات قصص الغول: أحلام ... حنين ... لجين.
- العميد (رتبة دون اسم، ويذكرني هذا بلقب "العقيد" في رواية (أصابع لولينا: واسيني الأعرج)

كاتب وأستاذ جامعي

** رواية "احلام وغيلان"، نيسان 2018، عمان- الاردن. من اصدارات مديرية الثقافة في "امانة عمان الكبرى".


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك