آباء في عمر الطفولة!

تاريخ النشر: 05 فبراير 2008 - 10:57 GMT

تقرير: بسام العنتري

استعدادا لالتقاط صورة ستصبح تاريخية بحق، رسم الطفل محمد معالم جِديةٍ رجوليةٍ غير متقنة على وجهه، فيما كان يلتصق بفتاة في مثل عمره ويشاركها في حمل طفل..هو في واقع الامر ابنهما!

الصورة تبدو مخادعة بعض الشئ، وربما يخال البعض لاول وهلة انها لطفل جديد يحمله اخواه اللذان قررا التقاط صورة عائلية معه في احد الاستديوهات الرخيصة التي تغرق في استخدام الخلفيات المزركشة.

لكن حقيقة الصورة تبينت بعدما نشرتها وسائل الاعلام ضمن تقرير حمل عنوان "اصغر أب في الاردن".

على ان هناك الاف الصور الاخرى لاباء في مثل سن محمد الفيومي الذي تزوج وهو في الخامسة عشرة، لكنها لم تجد طريقها الى خارج جدران البيوت لاعتبارات التقاليد والدين.

محمد وحسيبة التي تكبره بعام، قررا اطلاق اسم (بحار) على طفلهما الذي كان ثمرة زواج سعت اليه ام محمد (42 عاما) والتي طالما حلمت بان تصبح جدة وهي في سن مبكرة نسبيا.

ورغم ابنائها التسعة ووضعها الاقتصادي المتواضع تعشق الجدة الاطفال، ومنذ رزقت بمحمد نذرت ان تزوجه صغيرا لتحظى بالمزيد منهم.

تعثرت اجراءات عقد القران في بداية الأمر لكنها تيسرت لاحقا بعد تقدير القاضي الذي رأى ان محمد وحسيبة قادران علي الارتباط على حد قول الجدة.

الاب الصغير محمد الذي لا يزال يعيش في كنف والديه، يعبر عن سعادته البالغة بطفله ويؤكد قدرته على اعالته وتربيته "تربية صالحة"، فيما تؤكد والدة بحار انها على أتم الاستعداد لممارسة دورها في الأمومة المبكرة خاصة انها انهت الصف العاشر.

حجم الظاهرة

محمد وحسيبة كما اسلفنا، ليسا حالة نادرة، بل هما نموذج لظاهرة في مجتمعنا الاردني.

وهذا الامر تؤكده دراسة اعدتها المحاكم الشرعية وبينت ان حالات الزواج المبكر شكلت ما نسبته (13,4%) من مجمل الزيجات في المملكة.

وبحسب الدراسة، فقد بلغ عدد حالات الزواج المبكرة نحو 7598 حالة من أصل 56570 زيجة مسجلة خلال العام 2007.
والزواج المبكر هو الذي يتم ما بين 15 - 18 سنة. وينص قانون الأحوال الشخصية على ان سن الزواج هو (18) عاما مع إعطاء القاضي الحق في تزويج من أتمت الخامسة عشرة إذا رأى إن في زواجها مصلحة لها وكذلك الحال بالنسبة للزوج .

وبهذا الصدد، يشير تقرير اليونيسف "الزواج المبكر والأمومة-حالة الأردن" الى إن هذا القانون سيوصل الأردن إلى حالة من الانفجار السكاني مستقبلا.

وبحسب بيانات المجلس الأعلى للسكان هناك مليون طفلة دون سن 15 مستعدات لدخول سن الزواج مما يرفع عدد الإناث في مرحلة الزواج والحمل والإنجاب الأمر الذي سيشهد زيادة في عدد السكان إذ سيقفز عددهن/ الإناث إلى مليونين بحلول 2020 أي بزيادة نسبتها 50%.

وتؤكد البيانات إن اللواتي سيدخلن هذه المرحلة قد ولدن أصلا وهن على قيد الحياة ألان وستحصل زيادة في عدد الولادات السنوية مهما كانت معدلات الزواج حيث سيزداد عدد المواليد إلى 225 ألف مولود عام 2020.

الشرع والقانون

وفقا للقاضي سليم العلي مفتش المحاكم الشرعية في دائرة قاضي القضاة، فإن المقصود بالزواج المبكر هو الذي يتم قبل بلوغ سن الرشد أو بمجرد بلوغه وهو العمر الذي يبلغ به النمو البيولوجي للإنسان الدرجة التي تمكنه من ''ممارسة الجنس للإنجاب''.

ويلفت العلي في تقرير اورده موقع "أمان" نقلا عن صحيفة "الرأي" الى أن الشريعة الإسلامية تعتمد هذا العمر كحد أدنى للزواج. وقد حددته المحاكم الشرعية في الأردن بـ''15 سنة هجرية'' للبنت و''16 سنة هجرية'' للولد.

ويشير كذلك الى أن الشرع ''لم يحدد سنا معينا لعقد الزواج (

) بل أجاز جمهور الفقهاء المتقدمين زواج الصغير والصغيرة، أي دون البلوغ''.

واشترطت المادة الخامسة في قانون الأحوال الشخصية الأردني في اهلية الزواج ''ان يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين وان يكون كل منهما قد اتم الثامنة عشرة سنة شمسية (...)".

الا ان هذه المادة اجازت للقاضي "ان يأذن بزواج من لم يتم منهما هذا السن اذا كان قد اكمل الخامسة عشرة من عمره وكان في مثل هذا الزواج مصلحة تحدد اسسها بمقتضى تعليمات يصدرها قاضي القضاة لهذه الغاية''.

ويقول العلي أن هذه المادة هي معدلة بموجب القانون المعدل لسنة 2001 حيث كان النص السابق يشترط في اهلية الزواج ان يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين وان يتم الخاطب السنة السادسة عشرة وان تتم المخطوبة الخامسة عشرة من العمر.

وبحسب المشاهدات، تقدم بعض الأسر على الالتفات عن هذا الشرط القانوني عبر تزويج بناتها في البلدان المجاورة والتحايل على المحاكم الشرعية في سن الفتاة في حالات معينة.

انتقادات ومعارضة

من جانبهم، انتقد خبراء واخصائيون القانون الجديد الذي اتاح صلاحية للقضاء الشرعيين في تقدير تزويج من هم دون الثامنة عشرة، مستندا بذلك الى اراء هؤلاء القضاة بان الزواج المبكر لا يشكل ظاهرة، وانما هو حالات معزولة وقليلة.

فقد أكد اختصاصي علم الاجتماع موسى اشتيوي إن الزواج المبكر في الأردن أصبح يشكل ظاهرة مقلقة ويجب التصدي لها، مستشهدا بالأرقام الرسمية التي أعلنتها المحاكم الشرعية.

وعارض اشتيوي رأي القضاة الشرعيين الذين اعتبروا إن الزواج المبكر في المملكة لا يشكل ظاهرة، معتبرا إن هذه النسب هي عالية وان الزواج المبكر يشكل ظاهرة سلبية مرفوضة يجب علاجها والتصدي لها.

وانتقد اشتيوي القانون الجديد معتبرا انه أدى إلى تفاقم المشكلة واستمراريتها. وقال: والدليل على ذلك الأرقام المرتفعة المسجلة في المحاكم الشرعية لحالات الزواج المبكر فهذه الاستثناءات في القانون نفت النص الأصلي الذي هو يساعد على القضاء على الظاهرة.

وأكد اشتيوي إن للزواج المبكر آثارا سلبية على المرأة وعلى زوجها وأطفالهما ومجتمعهما فهي بالإضافة إلى المشاكل الصحية التي تواجهها نتيجة الحمل المبكر فهي تحرم من حقها في التعلم وتنشئ أطفالا وهي لا تفقه أصول التربية والتعليم، كما أنها تساهم في امتداد فترة الإنجاب مما يعني زيادة عدد الولادات لهذه المرأة.

أسباب وآفاق

في ما يراه استاذ علم الاجتماع في الجامعة الاردنية الدكتور سليم القيسي، فان نظرة المجتمع الذي يعتبر الزواج المبكر قيمة مهمة بوصفه ''سترة'' للفتيات هو احد اهم اسباب انتشار مثل هذه الزيجات.

ويقول القيسي في تصريحات للرأي انه ونتيجة لهذه النظرة دأبت بعض الاسر على تزويج بناتها بشكل عام ولو كان هذا في سن مبكرة لانه يحقق اهدافا عديدة مثل الانجاب والالتزام بالعادات والتقاليد اضافة الى تحقيق اهداف اقتصادية تتمثل بالمشاركة في الاعباء المالية وتحمل المسؤولية.

ويفسر أن الاسباب وراء انتشار ظاهرة الزواج المبكر تعود عموما إلى عدم وجود وعي كاف لدى المواطنين أو العادات والتقاليد او الحفاظ على الشرف والسترة، او في بعض الاحيان الخوف من العنوسة، لافتا الى ان الاوضاع الاقتصادية قد تلعب دورا في هذا الارتباط المقدس.

وحول افاق نجاح الزواج المبكر على ارض الواقع يجادل القيسي ان الدراسات والنتائج العملية اثبتت ان نسبة الطلاق مرتفعة لدى الفتيات اللواتي تزوجن دون سن الثامنة عشرة، لذا ينصح بالتخلي عن مفهوم الزواج المبكر الذي ينتشر لدى الطبقات الفقيرة والاقل تعليما، مشددا على انه ''لا يمكن اعتباره ظاهرة''.

ويرى أن مشاكل الزواج في الاردن تتماثل من حيث الجهود المبذولة عليها وإبقاءها دون حلول عقلانية كما هو الحال في البلاد العربية الأخرى مما لا يشجع عليها الدين الإسلامي إذ يلعب ارتفاع المهور دورا في إقلال مساحة الزواج ووضع العراقيل أمام إتمام زيجات إيمانية ينبغي أن تحظى بالتأييد قلبا والتطبيق قالبا.

ويعتبر القيسي انه في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة اصبح هناك ارتفاع في معدل الاعمار للفتاة. إذ صارت معظم الزيجات بين سن العشرين والثلاثين للانثى، في حين كانت حتى أواخر القرن الماضي دون سن العشرين.

ولفت الى أن التقدم في العمر بالنسبة للزواج يحقق توافقا اجتماعيا مع الزوج وتواصلا لفظيا وعمليا أفضل منه في الزواج المبكر.

مخاطر صحية

تصف الطبيبة كفاح الزعبي الزواج المبكر بقولها انهم "أطفال ينجبون أطفالا".

وتحمل الزعبي بحسب تقرير لصحيفة الغد، المسؤولية في مثل هذه الزيجات وما تحمله من تبعات الى الأسرة التي تتخذ قرار زواج ابنتها مبكرا "هروبا من الضغوطات الاقتصادية أو الاجتماعية، متناسية أنها تساهم في خلق أسرة لا تتمتع بصحة سليمة".

وتؤيد اختصاصية النسائية والتوليد مها الأميري رأي الزعبي.

وبحسب الاميري، فان الإنجاب المبكر يعد "سببا رئيسا في ارتفاع وفيات الأطفال، أثناء الحمل وقبله وارتفاع نسب وفيات الأمهات".

وتشير إلى أن الحمل المبكر (عندما تكون الأم أصغر من 18 عاما) يعرض الأم ومواليدها لمخاطر صحية أكثر مقارنة بالنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20 و24 عاما.

ولمواجهة هذا الواقع، تدعو الاميري الى توجيه حملات توعوية للأسرة تركز على أهمية التعليم الذي يعتبر من "الأسلحة القوية" للتصدي لظاهرة الزواج المبكر.

وتنجب صغيرات السن مواليد بأحجام صغيرة وبأوزان أقل من الطبيعي، نظرا لعدم اكتمال النمو الجسماني للمرأة ليؤهلها للإنجاب بالشكل الطبيعي، حسب الأميري التي تلفت الى أن مضاعفات الحمل والولادة "تزداد بشدة في حالات الحمل المبكر، وتصل حد تسمم الحمل وضعف الجنين ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في نسبة الوفيات بين الأطفال حديثي الولادة".

تبعات اجتماعية

تؤكد الدكتورة نغم أبو شقرا من مشروع القطاع الخاص لصحة المرأة الذي ينفذ بالتعاون مع وزارة الصحة في تقرير اوردته الرأي إن الزواج المبكر ظاهرة لها انعكاسات سلبية تؤثر على حياة الأفراد بشكل خاص، وعلى المجتمع، وتنميته بشكل عام.

وتضيف أبو شقرا إن تحمل المسؤولية العائلية المبكرة يؤدي ايضا إلى حرمان الفتاة من التعليم ويؤثر على الأسرة بشكل عام حيث لا يستطيع الأب الإنفاق على هذه الأسرة الكبيرة بما يحمله كل ذلك من سلبيات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية لهذا الزواج.

ويرى اختصاصي أمراض الوراثة والنسائية والعقم معين فضة ان الصّحّة الإنجابيّة تعبير عن ان تعيش المرأة مراحل عمرها المختلفة في إطار صحّي ونفسيّ واجتماعي سليم وهي تتمتع بحالة من الرّفاهية الصّحيّة والذّهنيّة والإجتماعيّة، للجهاز الإنجابيّ ووظائفه.

وقال إن الزواج المبكر لا يتيح للمرأة إن تمر بمرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ فهي تختصر عليها هذه المرحلة فضلا عما تحمله من نقص في واجبات الأمومة الآمنة و في معرفة ورعاية الحمل والولادة والعناية بالرضاعة الطبيعية وعناية بالطفل.

ومن جهته، يعتبر خبير الاتصال الصحي عزت حجاب أن الزواج المبكر "ظاهرة لها انعكاسات سلبية تؤثر على حياة الأفراد بشكل خاص، وعلى المجتمع، وتنميته بشكل عام".

وقال حجاب ان دراسات الصحة الإنجابية اشارت إلى أن المشكلة "لا تكمن خطورتها في الزواج المبكر في حد ذاته، ولكن في الحمل والإنجاب المبكرين".

واكد حجاب إن نجاح الحملات الاتصالية يعتمد على تغيير المفاهيم والاتجاهات نحو الزواج المبكر، ويدعو إلى التركيز على محور التوعية المستمر في بيان مخاطر هذا الزواج وانعكاساته السلبية على صحة الأم والطفل. (ينشر بالتزامن مع صحيفة النشمية)