أبناء الشوارع في دمشق: من الشاشة الى مفارق الطرقات

تاريخ النشر: 10 أكتوبر 2006 - 11:09 GMT

دمشق : البوابة

نشطت ظاهرة التسول بدمشق، بشكل لافت بدءا من مطلع رمضان ، شهر الصيام، الأكثر احتراما من بين أيام السنة لدى الفئات الإسلامية بكافة مذاهبها، وتياراتها في العالم الإسلامي، مترافقة مع مسلسل مصري تعرضه فضائيات عربية، حمل اسم : " أولاد الشوارع"، بحيث بات الكثير ممن يحجمون عن (الصدقة) يتصدقون على (أولاد الشوارع) المنتشرين في معظم زوايا العاصمة، خصوصا عند الشارات الضوئية، التي تغص بأحدث أنواع السيارات، وأكثرها رفاهية، والتي ظهرت منها مؤخرا سيارات من طراز (هامر) ، وكذلك (انفنيتي)، كما طراز جديد من المرسيدس، وهي السيارة التي ارتبطت بالذاكرة السورية، بالمسؤولين المتقدمين في مواقعهم، والتي تخلى الكثيرون منهم عن هذه السيارة لحساب سيارات (سبور)، تجدد شباب من ضاع شبابهم في إدارة الشأن العام.

أولاد الشوارع في دمشق، غيروا كثيرا من تقاليدهم السابقة وكذلك من لغتهم، ففيما كانت مفرداتهم محصورة بطلب إدخالك الجنة، باتوا يتمنون (للزبون) أمان تسحب الجنة من سمائها الى الأرض.. تسحبها من المطلق المتعالي، الى النسبي الأقرب الى المحسوس، فعلى تقاطع شارع العابد مع شارع البرلمان، ثمة بنت تدعو للزبون بـ :" انشالله تلاقي البنات عم بيموتو فيك"، وهي التي تتمنى لزبونها أيضا أن يصبح:" جورج وسوف"، فيما يأخذ صبي آخر يفرد كتبه على الرصيف، ويدرس منهجه المدرسي بالكثير من الجدية، مكتفيا بالنظر الى أقدام المارة الذين يتساءلون مستغربين انتقال (الأواني) المدرسية من مطابخ المدارس الى أرصفة الشوارع،ومعظمهم يرمي قطعا من النقود المعدنية أمام الولد المجتهد، الذي بوسعك امتحانه إن شئت، لتتأكد أنه مثابر فعلا على أن يكون :" طبيب المستقبل".

المتسولون العجائز، فقدوا جاذبيتهم تماما، فقد طردهم الجيل الجديد من الرصيف، وباتوا ينسحبون الى أطراف المدينة وتحت الجسور وفي الأنفاق القليلة التي مازالت جافة بسبب تأخر الهطول.

المتسولون الصغار، وحسب ما تعده بنت تحضر لفلم وثائقي قصير يحمل عنوانا مؤقتا هو :" كف ممدودة"، واسمها ريما قواص، ليسوا ظاهرة فردية، ولا عملا حرا يمارسه طفل خرج من بيت أهله ليحصد شيئا من الخبز، وإنما يشكلون ظاهرة بالغة التنظيم، يشرف عليها أشخاص لهم (تأهيلا) في الاستثمار والبز نس، فواحد من عتالة سوق الهال، كان قد فقد عمله في السوق، لينتقل الى سوق (الأرماني)، وسوق الأرماني ماقبل هدمه ، كان السوق الأكثر استحضارا لمشتري الأثاث المستهلك، والأشياء المسروقة، وتجار المسروقات، يتعرضون للكثير من الإشكالات القانونية، والطريق الى الالتفاف على القانون هو اللجوء الى الأطفال الذين يساومون ويشترون، وهذا واحد ممن انتقلوا بنشاطهم من مسروقات الارماني الى استثمار أطفال في التسول، وكل ما عليه أن يضع خبرته في الاستثمار وخبرته تتلخص في:

- إخفاء الأطراف العلوية للطفل تحت قميص ممزق، أو البنطال الفضفاض بحيث تبدو أطرافا مبتورة

- وضع الجبس على أطراف أطفال آخرين بحيث تبدو مكسورة

- طرد الأطفال الوافدين الى منطقة أطفاله، واستثمار قوته العضلية في احتكار مساحة من المدينة

- قراءة الوجوه، والتمييز مابين زبون يدفع الصدقة وآخر يدير وجهه عنها

- وفي نهاية اليوم الطويل الذي تتبدل فيه وجوه أولاد الشوارع، يلم (الغلة) وينقل الأطفال الى مساكنهم، في نهر عيشة، الحي الذي سمي كذلك دون أن يعبره نهر منذ أن أنشئت العاصمة السورية والتي بات نهرها الشهير (بردى) ، أشبه بأنبوب إسمنتي هجرته المياه.

أطفال الشوارع في دمشق، تعرضوا بين فترة وأخرى للمطاردة الحكومية، ولكن ومنذ سنوات قليلة مضت،باتوا أحرارا تماما، وغابت عن ذاكرتهم مطاردات رجال الأمن، فليس من المستغرب، أن تجد شرطي المرور في تقاطع شارع الثورة، أن يتناول إفطاره بعد يوم من الصيام مع واحد منهم، وليس مستغربا أن يطيل وقوف سيارة مخالفة، ليتدخل طفل متسول، ويمارس نفوذه على الشرطي ليغض الشرطي النظر عن المخالفة، مايجعل المخالف زبونا للمتسول الصغير، صاحب الدعاءات المدروسة التي تركز كثيرا على المحافظة على نضارة الشباب.

في سوريا وكانت الإحصاءات قد أشارت الى بطالة تصل الى 54 % من مجمل القوى العاملة، احتل الصغار مفارق الطرقات، والتطورات التي حدثت على مهنة التسول، وعلى لغتها، قد تعطي فسحة لسائح يستمتع أشد الاستمتاع بعرض مسرحي في فضاء مدينة هجرت مسارحها من زمان.