أردني محتجز في دائرة الهجرة الأميركية يهدد بالإنتحار (صور)

تاريخ النشر: 28 أكتوبر 2013 - 06:02 GMT
طرد "رامي" من أمريكا، يعني الحكم على طفلتيه باليتم وفقدان الأب
طرد "رامي" من أمريكا، يعني الحكم على طفلتيه باليتم وفقدان الأب

بقلم: بثينة السراحين*

جهزت الصغيرتان "ميره" و"صافيه" ملابس السباحة التي خبأنها (27) شهرا، لتعاودا من جديد العوم بصحبة والدهما الذي يشقّ خياله المرتسم في ذاكرتهما كآبة المنزل، ورتابة الحياة، فهو- حسب اعتقادهما- عائد بين لحظة وأخرى بعدما قضى أخيرا محكوميته في سجن يفترض بأنه منح العدالة حصتها من حياة أب؛ وطفلتين بريئتين؛ وزوجة شابة تحتاج لرجل يشاركها الأمل في صناعة غد أجمل لعائلة سعيدة، ووضع الخطط المحكمة لتأمين رعاية فضلى لوردتين ما زالتا في مرحلة التفتح والإقبال على مجهول صار مسيّرا بجرة قلم قاض في محكمة دائرة الهجرة الأمريكية؛ فإمّا يخطّ لهما الشقاء أو الهناء.ب

وكل ما يخشاه عمّ الطفلتين "ميره" و"صافيه" أن ينتهي المطاف بالأخيرتين بالتحول فجأة عن إنتظار البشارة السعيدة بالإفراج عن والديهما إلى إستقبال جثته منتحرا – لا قدر الله- وقد سكنت معها إلى الأبد كلمة بابا بكامل ما تحمل بين طياتها من معاني الحب والمواساة والمساندة والحماية لطفلتين لا زالتا في أولى مراحل النمو، وأحوج ما تكونا للسقاية من نبع الأبوة والإرتواء من فائض عطفه وحنانه.

وحكاية "ميره" و"صافيه" تتكرر فصولها الإنسانية المؤلمة يوميا في أماكن شتى من عالمنا، ويكون أبطالها أفراد من عوائل أشخاص ارتكبوا مخالفات قانونية، وهؤلاء الضحايا يتحولون دون أدنى رغبة منهم أو أي ذنب اقترفوه للمحاكمة والقصاص غير المباشر، ويدفعون الثمن باهظا، وكثير منهم من ينتهي به المطاف لدائرة اليأس والإحباط والهواجس والأمراض النفسية، تماما كما حصل مع الطفلتين بطلتيّ حكايتنا أو مأساتنا هذه التي تستحق النظر فيها بالكثير من التأمل من قاض يفترض بأنه هو الفيصل بين العدالة واللا عدالة،، وهل من العدالة أن ندمر الأبرياء عقابا لمرتكبي الأخطاء؟. وهل من المنطق أن تتحول العدالة لإعتبار العقاب وسيلة لتدمير الإنسان بدلا من إتخاذه – أي العقاب- سبيلا لتصحيح ما شذّ وأختلف عن طبائع البشر السويّة، لنعيد الفرد بعد معاقبته للإندماج في مجتمعه وأسرته وقد تخلص من نزعات الإنحراف وعاود السير في الطريق الصحيح، وليحيا بعدها مواطنا صالحا يساهم في العطاء والبناء، هذه هي فلسفة العدالة التي يتفق عليها كل العقلاء.

وكل ما سبق نثره أعلاه من تفاصيل هي بعض ما قاله الشاب "إياد محمد" محاولا تقديم نبذة وتوضيح يشرح مأساة شقيقه الثلاثيني "رامي محمد "، والذي يفترض أن يقول قاضي محكمة الهجرة الأمريكية كلمته الفيصل في قضيته، أواسط الشهر القادم/ تشرين الثاني، وهي كلمة سيترتب عليها تحديد مصير عائلة "رامي"، ممّن أنهى في الثالث من الشهر الحالي مدة محكوميته البالغة (27) شهرا عن مخالفة خطأ في احتساب الكوبونات الحكومية، خلال إدارته لمتجره الواقع في ولاية إلينوي، وعلى الرغم من الحكم عليه بالسجن لمدة(33) شهرا إلا أنه قضى (80%) فقط من مدة السجن المقررة بحقه، كونه أظهر حسن سيره وسلوكه، تماما كما كان طيلة حياته قبيل إرتكابه لهذه الجناية الوحيدة في حياته، والتي لا يزال يرجو الله أن لا تكون سببا في تدميره للأبد، وفي تشتيت وضياع عائلته.

وللتوضيح أكثر؛ فإن "رامي" أردني الجنسية ولديه إقامة دائمة في أمريكا، وأما زوجته ففلسطينية ولا تحمل الرقم الوطني الأردني، وبالتالي هي لا تستطيع الإنتقال للعيش معه في بلده في حال قرر قاضي محكمة الهجرة الأمريكية طرد رامي لموطنه، ذلك أنه وبعد إنقضاء مدة محكوميته في السجن تم تحويله حسب القوانين المعمول بها هناك لدائرة الهجرة، التي يتم احتجازه فيها منذ الثالث من الشهر الحالي، والذي يعتبر أيضا تاريخ انتهاء مدة محكوميته في سجن أوهايو.

والمحزن في الأمر أنّ طفلتا "رامي" كنّ على معرفة بموعد الإفراج عن والدهما، لكنهما صدمتا بتحويله لسجن دائرة الهجرة ورفض السلطات الإفراج عنه لحين النظر بقضيته من قبل قاضي محكمة الهجرة، ما سبب للطفلتين إحباطا كبيرا، وهنّ من عانين أصلا خلال فترة إعتقاله من اضطرابات نفسية وصعوبات في النوم، والتبول اللاإرادي، كما عانت والدتهنّ من أمراض الضغط  و الإكتئاب واضطرت لدخول المشفى لأكثر من مرة؛ جرّاء تدهور حالتها الصحية بعد فقدانها وطفلتيها ل"رامي" الذي كان كما يشهد له كل من يعرفه مثالا يحتذى به للزوج المحبّ والأب الحاني.

ويخشى "إياد"، في حديثه لوكالة "عيون البلد" من أن ينفذ شقيقه "رامي" تهديداته بقتل نفسه (الانتحار) في حال صدور قرار بترحيله، ذلك أنه كما باح لشقيقه مؤخرا سيواجه صعوبة شديدة في التأقلم مع حياته الجديدة بكل ما فيها من دمار وحطام، حيث سيخسر عائلته وكل ما جناه بعد تسع سنوات من الغربة والإبتعاد عن الأهل والوطن الامّ (الأردن)، والتي واصل خلالها العمل في أمريكا على بناء حياة فضلى له ولعائلته عبر تأسيس متجر(سوبرماكت) كان حظه العائر أن وقع في خطأ من خلال عمله فيه أدى لإنقلاب حياته رأسا على عقب.

وبالإضافة لما سبق، سيكون "رامي" غير قادر على تحمل همسات وانتقادات وسخرية مجتمعه الشرفي حين عودته لبلده خائب الرجاء، فهذا مجتمع متشبث بمنظومة عادات وتقاليد متشددة في محاكمة المخطئين وغير الناجحين في بناء ذواتهم، ولا تزال الغيبة والنميمة والسخرية من الفشل سيدة الموقف في هذا المجتمع، كما يشدد شقيقه" إياد" ممن يقول: "في مجتمعنا العربي الجميع ينتظر عودتك من بلاد الغربة ليحاكمك على مدى نجاحك، فالغربة والبّعد عن الأهل والوطن من وجهة نظر أفراد مجتمعنا تعني حتما حصاد النجاحات، وأمّا الفشل فنتيجته المؤكدة تحقير الشخص ونبذه للأبد بتهمة عدم القدرة على تحمل المسؤولية وافتقاره لمقومات الرجولة التي تقترن بمدى قدرة الشخص على اجتياز الصعاب وتخطيها وصولا للنجاح".

وأما زوجة "رامي"، كما يفصح شقيقه "اياد" لن تستطيع العيش بعيدا عن أمريكا حتى ولو أتيحت لها معجزة الإقامة في الأردن، وهو الأمر غير المتاح أصلا كما أسلفنا لأسباب تتعلق بكونها غير أردنية، وبالمقابل فإن "رامي" من المستحيل له الإقامة في فلسطين في حال قررت الزوجة العودة لوطنها، ما يعني بأنه في حال تم طرد "رامي" من أمريكا سيتم حرمانه من حقه الطبيعي في رعاية طفلتيه والإقامة برفقتهما وشريكة حياته.

وإن تم طرد "رامي" من أمريكا، فإن ذلك يعني أيضا الحكم على طفلتيه؛ ممّن لم ترتكبا أي ذنب باليتم وفقدان الأب، الذي لطالما حقق لهنّ متعة ممارسة هوايات جميلة ومسلية بصحبته، مثل ركوب الدراجات والسباحة التي كنّ يقضين أجمل أوقاتهن في ممارستها مع والدهنّ وبشكل منتظم أسبوعيا، والغريب أنهن أضربن عن الذهاب للمسبح إلى حين يعود معلمهنّ للعوم!،، إنه (بابا) الذي أرسلت له الطفلتان الكثير من بطاقات الشوق المعبرة عن حجم إفتقادهنّ له، هو نفسه (بابا) الذي كنّ يكتبن له في المفكرة تفاصيل شقيّة وشيّقة عن أحداث جرت معهنّ في ذلك اليوم، وكنّ يتعاركن أيّهما ستردّ على هاتف المنزل حين يرنّ وفي الطرف الآخر والدهنّ يحدثهنّ من السجن لدقائق حددتها الأنظمة والقوانين التي لا تعترف بحاجة الطفلتين المسكينتين لقصّ تفاصيل غائبة عن أعين والديهما، ولم ترصدها ذاكرته التوّاقة لمعرفة تفاصيل جميلة وارتها عنه قضبان السجن وأقفاله.

 لقد كانت الفتيات في حصة الكتابة والتعبير في المدرسة يكتبن موضوعات جميلة عن رحلات قضينها في الأمس بصحبة الوالد والوالدة، وأما "ميره" و"صافيه" فقد كنّ يكتبن في دروس الإنشاء عن لحظات إنتظار قاس تمر به الأيام ببطء شديد نحو معاودة الحياة في أحضان الوالد،، هذه الحياة التي سينظر بأمرها قاض في محمة الهجرة، وإليه توجه الطفلتان سؤالا يحدد مصيرهما: هل نجهز ملابس السباحة أم نجهز مناديل ورقية لأننا سنبكي كثيرا غياب قضيتنا وإسقاط إنسانيتنا من حسابات العدالة؟

*رئيس تحرير وكالة "عيون البلد نيوز"