بعد شهر من فرض حالة الطوارئ في العراق تواجه البلاد الان أزمة وقود متفاقمة.
صارت الطوابير أمام محطات البنزين أطول وصار قادة السيارات المنتظرين دورهم في تلك المحطات يسببون زحمة مرورية على الطرق الرئيسية بالمدينة.
يقول مؤنس علي أحد قادة السيارات هؤلاء وملامح الغضب تعلو وجهه "بداية ننتظر بالساعات في الطابور كي نحصل على البنزين ثم نبدد ساعات أخرى واقفين في الشوارع المكدسة بالسيارات".
وينتظر علي هاشم سائق سيارة أجرة منذ أكثر من 24 ساعة لملء سيارته بالبنزين ومازال يبعد نحو خمسة كيلومترات عن أقرب مضخة.هذه هي بغداد.
ويقول هاشم الذي يحتفظ بأغطية في خلفية سيارته لاستخدامها إذا احتاج لقضاء الليل في أحد طوابير البنزين الطويلة في العاصمة "هذا جنون".
وقال في وقت متأخر من مساء يوم الثلاثاء "وقفت في طابور محطة البنزين منذ السادسة من مساء أمس حتى الحادية عشرة من صباح اليوم... مازلت أقف في الطابور الآن وسيتعين علي قضاء هذه الليلة أيضا."
وعلى مدى الاسابيع القليلة الماضية يشهد العراق أزمة شديدة في امدادات الطاقة وهي مفارقة لا تغيب عن أحد في هذا البلد الذي تضم أراضيه ثاني أكبر احتياطيات نفطية في العالم.
وتسببت عمليات تخريب للبنية الأساسية النفطية وهجمات على قوافل تنقل ملايين الجالونات من الوقود المكرر إلى البلاد كل يوم وارتفاع الطلب الناجم عن برودة الطقس وتزايد عدد السيارات في ظهور هذه الأزمة الشديدة.
وتسببت حالة الطوارئ المعلنة لمدة 30 يوما في إحداث أزمة وقود يعاني منها قسم كبير من العراقيين على مدى 30 يوما أيضا. فكميات البنزين المتوافرة لا تكفي لمواجهة الطلب وذلك منذ بداية تشرين الثاني/نوفمبر وتبين أن إمداد بغداد، المدينة ذات الخمسة ملايين نسمة، بالوقود ضرب من المستحيل.
فقد أدى اشتعال حقول النفط حول مدينة كركوك بشمال العراق والهجمات المتواصلة على صهاريج الوقود إلى الهبوط بالامدادات إلى الحضيض.
ويرفض السائقون في مدينة اللطيفية جنوب بغداد، وهي موقع واحد من أكبر مستودعات الوقود في العراق، إدخال شاحناتهم للتزود بالوقود خوفا من تعرضهم للهجوم.
ويقول قاسم قائد أحد السيارات "إننا نصدر مليوني برميل من النفط يوميا لمختلف أنحاء العالم ولا يتبقى شيء لنا".
ويأخذ كل من قاسم وعلى دوره في الطابور المصطف بمحطة البنزين. وهما لا يحتاجان البنزين لسيارتهما فحسب بل للمولدات الموجودة بمنزليهما أيضا.
أن الجو بارد في بغداد ودرجة الحرارة تنخفض إلى 8 درجات تحت الصفر ليلا لكن هيئة الكهرباء بالمدينة توفر الكهرباء لمدة 12 ساعة فقط في احسن الاحوال.
وتنتعش السوق السوداء نتيجة حالة الطوارئ. ويتم الاتجار في البنزين والكيروسين هنا. كما تزدهر تجارة "بيع" الاماكن في طوابير البنزين.
وذكرت صحيفة الصباح الجديد العراقية إن العاملين بالمحطات يحققون أرباحا طائلة من ملء الاوعية عند الابواب الخلفية لمحطات البنزين.
و قالت فاطمة عبد الحسين "منذ شهر الآن وأنا اتي وأذهب وفي كل مرة يحدث الشيء نفسه - ليس هناك بنزين." وأضافت "نسأل أين هو وفي كل مرة نسمع الرد نفسه- قتل مسلحون الموردين وهم على الطريق".
وأقر عاصم جهاد المتحدث باسم وزارة النفط العراقية بوجود مشكلة.
وقال في وقت سابق هذا الأسبوع "الوزارة تستورد كميات كبيرة من منتجات النفط من الدول المجاورة كل يوم." لكنه تابع أنه اتضح صعوبة توصيل هذه المنتجات للمستهلكين نظرا لهجمات المسلحين المستمرة.
وشهد العراق أزمات مشابهة في الماضي خاصة بعد أشهر قليلة من الاطاحة بالرئيس السابق صدام حسين عندما بدأ الناس في استيراد عشرات الالوف من السيارات الجديدة من الخارج.
وبدأت السلطات في ذلك الحين في ترشيد استهلاك الوقود فأصدرت مرسوما بأن أصحاب السيارات التي تنتهي برقم زوجي يمكنهم ملء سياراتهم في يوم وأصحاب السيارات التي تنتهي برقم فردي يملأونها في اليوم التالي.
لكن هذه الأزمة تبدو أكثر شدة ولا تقتصر على بنزين السيارات فهناك نقص كذلك في غاز الطهي والبارافين وغيرها من المنتجات التي يعتمد عليها العراقيون.
ويقول موردون إنه على مدى الأسبوعين الماضيين ارتفع سعر العبوة من غاز الطهي المضغوط من نحو ألف دينار (0.70 دولار) إلى عشرة الآف دينار (سبعة دولارات) في بعض الاحيان.
وزاد سعر البارافين الذي يستخدم في التدفئة والضروري في فصل الشتاء عندما تهبط درجات الحرارة أثناء الليل إلى درجة التجمد إلى خمسة أمثاله ليبلغ ستة الاف دينار لكل عشرة لترات.
وفي الوقت نفسه يعاني أغلب الناس من انقطاع التيار الكهربائي في أغلب أوقات اليوم. والشبكة الوطنية تمد الكهرباء حاليا لمدة ساعتين متصلتين ثم تقطعها أربع ساعات. وقبل أربعة أشهر كانت النسبة تقترب من ست ساعات من الكهرباء ثم ساعتين من الانقطاع.
ولا يملك أغلب العراقيين مولدات خاصة. وحتى من لديهم مثل هذه المولدات لا يمكنهم تشغيلها باستمرار بسبب صعوبة العثور على زيت الوقود.
ويبلغ سعر اللتر من نوع رديء من الوقود في محطة البنزين عادة نحو 50 دينارا (0.03 دولار) وهو سعر مدعوم من الحكومة منذ عدة سنوات. لكن الأمر قد يستغرق ما بين ست ساعات ويوم كامل للحصول عليه.
والباعة في الشوارع الذين يقضون حياتهم في طوابير محطات البنزين ثم يبيعونه للأقل صبرا يتقاضون عليه ألف دينار للتر أي بزيادة تبلغ نحو 2000 بالمئة.
واشتعل الغضب في العديد من 150 محطة بنزين رسمية في مختلف ارجاء بغداد فنشب الشجار بين الواقفين في الطابور وأطلق النار على من يحاول تجاوز دوره.
ويلقي الكثير من الناس باللائمة على الفساد في هذه الأزمة. ويتهمون مديرو محطات البنزين بتفضيل أصدقائهم وأقاربهم وجعلهم يتقدمون الطابور وبالعمل مع الباعة غير الرسميين بالسماح لهم بالحصول على الوقود مرات عديدة إذا قاسموهم الربح.
وقال هاشم سائق السيارة الاجرة "يمكنني أن أعطي الحارس 15 ألف دينار فيتركني اتقدم في الطابور لكن الرشوة حرام في الاسلام."
ويقول إن ضباط الشرطة أيضا يشتركون في اللعبة. وقال وهو يهز رأسه في احباط "رأيت سيارة الشرطة نفسها تملأ خزانها بالوقود أربع مرات في يوم واحد وأنا مازلت منتظر هنا."
ويبلغ سعر لتر البنزين السوبر 50 دينارا في محطات البنزين مقابل ألف دينار (68 سنت) في السوق السوداء.
ومن ثم سجلت أسعار سلع أخرى ارتفاعا كبيرا. فسعر الموز زاد بنسبة مئة في المئة كما زادت أسعار بعض الملابس بنسبة 30 في المئة. ويكاد الحصول على الشمع يكون مستحيلا في بغداد هذه الايام.
واضطرت وزارة الداخلية للتدخل عندما اندلعت أحداث شغب بين العاملين في محطات البنزين والزبائن الذين اضطروا للعودة من المحطات دون أن يحصلوا على بغيتهم.
وبموجب اتفاق مع وزير النفط سيتم زيادة خصص البنزين لمحطات بيعه كما سيتم إصدار تراخيص بإقامة محطات بنزين خاصة جديدة.
وستقوم الشرطة التي تتولى حراسة المباني حتى الان بحراسة محطات البنزين في المستقبل كما سيقوم الحرس الوطني العراقي بتأمين شاحنات الوقود أثناء سيرها على الطرق—(البوابة)—(مصادر متعددة)