الموصل: عبء غير مرئي خلف الإصابات

منشور 04 شباط / فبراير 2019 - 11:47
الموصل: عبء غير مرئي خلف الإصابات
الموصل: عبء غير مرئي خلف الإصابات

يلازم سعد[1] سريره ويحدّق في النافذة مستمتعًا للحظة بالضوء الباهت الذي يتسرب من تلك النافذة. هو وحيد في غرفة العزل وأنهى الأطبّاء لتوّهم استشاراتهم الطبيّة اليوميّة. أخبروه أنه سيخضع للجراحة مجددًا وهو التدخل الجراحي الرابع منذ تعرضه للحادث.

يبلغ سعد 46 عامًا وهو من الموصل حيث عاشت عائلته لأجيال. ولكن الحياة التي لطالما ألفها سعد تغيّرت جذريًا عندما سقطت قذيفة على الحي الذي يقطن فيه بينما كان يمشي باتّجاه سيارته متوجهًا إلى العمل. ويستعيد ذكرياته قائلًا، "كان الطقس حارًا للغاية وكان الصباح ملبدًا بالغيوم، مثل الكثير من الأيام". ويُردف قائلًا، "ولكن فجأةً، طرحني انفجار أرضًا وفقدت وعيي". لم يكن الانفجار قريبًا بما يكفي ليقتل سعد، ولكن ساقه أُصيبت بجروح خطيرة وتعرّض لكسر في عظمة الساق والشظية. وعلى إثر ذلك، تمّ نقل سعد إلى المستشفى للخضوع للجراحة، ويقول، "تمّ وضع مثبت داخلي في ساقي خلال الجراحة الأولى لأتمكن من المشي مجددًا". ويُضيف، "ولكن عملية الشفاء كانت مؤلمة للغاية وحصلت المضاعفات."

عندما فتحت منظّمة أطبّاء بلا حدود مرفق رعاية ما بعد الجراحة في الموصل في أبريل/نيسان 2018 للمصابين بجروح بالغة جراء أعمال العنف أو الحوادث، تم إدخال سعد إلى هذا المرفق. وأظهرت خزعة أنه يجب إزالة المثبت الداخلي واستبداله بمثبت خارجي، وأنه يعاني من عدوى مقاومة للأدوية المتعدّدة.

تحدّي رئيسي للصحة العامة

لا تُعتبر حالة سعد فريدة من نوعها، فحوالى 40 بالمئة[2] من المرضى الذين يتم إدخالهم إلى مرفق الرعاية ما بعد الجراحة في الموصل يصلون مصابين بعدوى مقاومة للأدوية المتعدّدة، وتُعتبر مقاومة المضادات الحيوية مشكلةً متفشية في كافة أنحاء البلد. وفي حين يبلغ معدل ظاهرة مقاومة المضادات الحيوية مستوى مرتفع في العراق وأرجاء الشرق الأوسط، إلا أن هذه الظاهرة متواجدة أيضًا في بلدان عديدة حول العالم حيث تعمل المنظّمة. إن مقاومة المضادات الحيوية ليست ظاهرة جديدة، ولكنها تحتاج وبصورة عاجلة إلى المعالجة لمنع تحوّلها إلى أحد تحديات الصحة العامة الرئيسيّة في هذا القرن.

عندما يُصاب مريض بعدوى بكتيرية، تتم معالجته عمومًا بالمضادات الحيوية وهي الأدوية الوحيدة المتوفرة الفعّالة لمكافحة البكتيريا. ولكن البكتيريا قادرة على التأقلم مع الأدوية لضمان بقائها على قيد الحياة. وتُعرف هذه القدرة على التأقلم والصمود بمقاومة المضادات الحيوية ويمكن أن تنجم عن الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية أو إساءة استخدام هذه الأخيرة. وتتوفر في العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل المضادات الحيوية بكثرة من دون وصفة طبيّة، ولذلك تُعتبر مشكلة استخدامها المفرط أو إساءة استخدامها مشكلة شائعة. وتؤثر المضادات الحيوية على المدى الطويل تاثيرًا هائلًا على صحة الناس. فإن فقدت المضادات الحيوية فعاليتها، يُضحي إنجاز الإجراءات الطبيّة خطير للغاية. وتُعقّد مقاومة المضادات الحيوية أيضًا عملية شفاء المرضى المصابين بجروح بالغة نتيجة العنف أو الحوادث، مثل التي تعالجها المنظّمة في الموصل.

معالجة مشكلة المضادات الحيوية في الموصل

عندما فتحت المنظّمة مرفق رعاية ما بعد الجراحة العام الفائت، وضعت تدابير للإشراف على المضادات الحيوية والوقاية من العدوى ومكافحتها بغية الحدّ من تأثير العدوى المقاومة للأدوية. وتقول المستشارة المعنية بالوقاية من العدوى ومكافحتها في منظّمة أطبّاء بلا حدود آن كالويرتس، "من الضروري تفادي انتقال العدوى المقاومة للأدوية المتعدّدة بين المرضى في المرفق". ويمكن لهذه التدابير أن تكون شديدة البساطة مثل الحرص على غسل الناس لأيديهم بالشكل الصحيح. وتُضيف قائلةً، "يُعتبر تنظيف الأيدي في مرافق الرعاية الصحيّة أحد أهم تدابير الوقاية من العدوى ومكافحتها لمنع حدوث هذا الانتقال". وتُكمل، "يمكن لتنظيف الأيدي عندما يتم في الوقت المناسب أن يمنع انتشار الكائنات المقاومة أو الحسّاسة الموجودة في بيئتنا وفي جسمنا".

وتُعدّ "احتياطات العدوى من الملامسة" أساسيّة أيضًا، فيُعطى المرضى الذين يعانون من العدوى المقاومة للأدوية المتعدّدة غرفًا فرديّةً عوضًا عن وضعهم في أجنحة مفتوحة لمنع انتقال العدوى إلى المرضى الآخرين والموظّفين الطبيّين. وتشمل أيضًا احتياطات العدوى من الملامسة استخدام معدات الحماية الشخصية مثل القفازات والأردية الطبيّة؛ والحدّ من نقل المرضى وتنقلهم؛ واستخدام المعدات المخصّصة لرعاية المرضى؛ والحرص على تنظيف غرف المرضى جيدًا وتعقيمها بانتظام.

أهمية خدمات الصحة النفسيّة والتوعية الصحيّة

بسبب عزل المرضى الذين يعانون من العدوى المقاومة للأدوية في المستشفى، يُصبح هؤلاء المرضى أكثر عرضةً للصعوبات النفسية المرتبطة بما اختبروه وبالتحديات التي ينطوي عليها علاجهم. وفي هذا الصدد، تقول الاختصاصيّة النفسيّة في مشروع منظّمة أطبّاء بلا حدود في الموصل أوليفيرا نوفاكوفيك، "يختبر المرضى المعزولون مستويات أعلى من القلق والاكتئاب والغضب مقارنةً بغيرهم من المرضى". وتضيف قائلةً، "عاش العديد من مرضانا أحداث مؤلمة وصادمة ويحظون بوقت أكثر للتفكير بها عندما يكونون في غرف العزل".

ولكن موظفي المنظّمة على استعداد لمساعدتهم على التأقلم، فتقول نوفاكوفيك، "نحن نعمل على تطوير برامج نفسيّة فرديّة حسب عمر المرضى ومستوى تعليمهم". وتُضيف، "يُعدّ التثقيف النفسي مرحلة حاسمة لأنه في حال فهم المريض سبب تواجده في غرفة العزل وماهية مقاومة الأدوية، سيصبح عندئذٍ تلقائيًا أكثر التزامًا بالعلاج".

وفي الوقت نفسه، يُذكي مسؤولو التوعية الصحيّة في المنظّمة الوعي بشأن العدوى المقاومة للأدوية المتعدّدة بين أوساط المرضى ومقدّمي الرعاية. ويقول مسؤول التوعية الصحيّة كرم ياسين عند نهاية جلسة توعية في المستشفى، "تفرض مقاومة المضادات الحيوية تهديدًا خطيرًا على الصحة العامة ولا يجب الاستهانة بها".

وتشير البيانات إلى أن معدلات مقاومة المضادات الحيوية في بلدان الشرق الأوسط، بما فيها العراق، مرتفعة على نحو ينذر بالخطر. وتوصي منظّمة أطبّاء بلا حدود أن يتفادى المهنيّون الطبيّون والمساعدون الطبيّون الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية. كما توصي المنظّمة بشدّة أن تتّخذ وزارة الصحة العراقية جميع التدابير اللازمة لتوعية سكان العراق بشأن التأثير الحاد على صحتهم والناجم عن إساءة استخدام المضادات الحيوية أو الإفراط في استخدامها.

منظّمة أطبّاء بلا حدود في العراق

تعمل منظّمة أطبّاء بلا حدود في الموصل والأرجاء المحيطة بها منذ العام 2017 لتقديم الخدمات المنقذة للحياة إلى المحاصرين في العنف. من العام 2017 حتى العام 2018، أدارت المنظّمة عددًا من مرافق معالجة الإصابات البالغة في شرق الموصل وغربها وعملت في أربعة مستشفيات مقدّمةً مجموعة من الخدمات التي تشمل الرعاية الطارئة والعناية المركزة، والجراحة والرعاية الصحيّة للأمهات. وفي أبريل/نيسان 2018، فتحت المنظّمة مرفق رعاية شاملة ما بعد الجراحة في شرق الموصل مخصّص للذين يعانون من إصابات بالغة ناجمة عن العنف أو الحوادث.

وتُقدّم منظّمة أطبّاء بلا حدود في العراق، بفضل أكثر من 1,500 موظّفٍ، الرعاية الصحيّة الأساسيّة والمتخصّصة، والخدمات للحوامل والأمهات الجديدات، وعلاج الأمراض المزمنة، والجراحة وإعادة التأهيل لجرحى الحرب، والدعم النفسي وأنشطة التثقيف الصحي. وتعمل المنظّمة حاليًا في محافظات أربيل وديالى ونينوى وكركوك والأنبار وبغداد.

[1] تم تغيير اسم المريض لحماية هويته.

[2]40% من إجمالي المرضى الذين تم إحضارهم خلال الفترة (أبريل/نيسان – منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2018) كانوا يعانون من عدوى مؤكدة ميكروبيولوجيًا. ومن بين هذه النسبة، أظهرت نسبة 90% من هؤلاء المرضى أنهم مصابون بعدوى مقاومة للأمراض المتعدّدة. ولم تكن العدوى مؤكّدة لدى 60% من المرضى الذين تم إحضارهم (إما أنهم لم يُظهروا أي علامات سريرية أو أنهم أبدوا علامات تدلّ على الإصابة بالعدوى ولكن الحالة لم تُؤكّد).

المصدر: مكتب أطباء بلا حدود مكتب الأردن

لمزيد من وراء الكواليس:

 

© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك