غزة: أطفال ينزعون البراءة عن ألعابهم لتتلون بصراع الاخوة الفرقاء
بصوته الطفولي وببزته العسكرية السوداء أطلق رائد قشطة ابن الأحد عشر ربيعا أوامره الى جماعته ببدء الهجوم، لتنطلق بذلك أصوات الطلقات البلاستيكة وتنشب معركة دارت رحاها مع عدد آخر من أقرانه داخل أحد شوارع حيهم في مدينة غزة ، ليكون هذا مشهدا من لعبة تراثية مشهورة تغيرت معالمها بفعل المستجدات السياسية في الشارع الفلسطيني .
"أنا المقدم رائد من القوة التنفيذية، وسنقضي على القوة الانقلابية"، هذا ما كان يردده رائد اثناء هجومه على مجموعة أخرى من الاطفال بقيادة ايمن رمضان /10/أعوام الذي ارتدى زيا مدنيا في اشارة الى عناصر الأمن الوقائي التابعة لحركة فتح.
ومع حسم الصراع داخل قطاع غزة منتصف شهر حزيران الماضي لصالح حركة حماس بقوتها التنفيذية وعناصر القسام، عبر سيطرتها على كافة الاجهزة الامنية التابعة لحركة فتح بقيادة الرئيس محمود عباس وفرار معظم قادتها الى رام الله مقر الرئاسة والرئيس، الا ان أثار هذا الحسم، والذي يسميه البعض "انقلاب" ما زالت ماثلة للعيان الى يومنا هذا حيث ترجمها الاطفال في العابهم واحاديثهم.
الا أن أيمن أبى الصمت بعد هزيمة نكراء مني بها مع أقرانه، وبعد جولات من اطلاق النار والاعدام بالرشاشات البلاستيكة، والاعتقالات، ولكن هذه المرة بدون دماء حقيقية وببراءة وحركات طفولية وكأنهم اتفقوا على تجسيد صورة الواقع وأخذ يردد بصوته الجهور "نحن لم ننكسر وسنعود لقطاع غزة أقوى مما كنا وسنسحقكم ".
ووقف رائد وقد ارتسمت على وجهه الصغير علامات النشوة بانتصار حتى وان كان مزيفا ليقول بكل ثقة "نحن الأقوى وأنتم الضعفاء وان كانت هذه لعبة الا أننا على الواقع نحن المسيطرون ".
وكانت القوة التنفيذية التابعة لحركة حماس والتي تم تشكيلها على يد سعيد صيام وزير الداخلية في الحكومة العاشرة في مايو للعام 2006 من جهة، وجهاز الأمن الوقائي والذي ظل متأثراً بنفوذ رجل فتح القوي محمد دحلان من جهة أخرى، الأكثر صيتاً كرموز وأبطال الصراع على السلطة الذي دار بين الحركتين في غزة وانتهى بسيطرة الأولى على القطاع.
كان من الصعب علينا مواصلة التحدث مع الصبية الذين التفت كل مجموعة منهم على بعضها وأخذوا يتهامسون لادخال بعض التعديلات على خططهم، وبحث سبل توفير المال لشراء المفرقعات لتحقيق مزيد من الانتصارات في الجولات المستقبلية من معاركهم الوهمية.
يشار الى ان هذه اللعبة قديمة قدم الصراع العربي الاسرائيلي والتي كانت تدور بين فريق الفلسطينيين والاسرائيليين وتعرف باسم "يهود وعرب" الا أن المفارقة العجيبة والقدر شاء بأن ينقسم الفريق الفلسطيني الى قسمين متصارعين "حماس وفتح".
وائل قشطة /43/ عاماً كان يراقب لعب الأطفال وهو جالس على باب بقالته ويقول"الاسرائيليون لم يحلمواً أبداً بأن ينقلب مسار هذه اللعبة التراثية ولن تشكل لهم مصدر ازعاج بعد اليوم (... ) وهذا بفضل فصائلنا المتناحرة".
من جهته قال الخبير الاجتماعي غسان ذوقان "إن الأطفال يترجموا تصورهم وإداركهم للحياة من خلال اللعب وهذه قضية طبيعية"، الا انه حذر من أن تصوير حماس وفتح على أنهم أعداء سوف يزيد من الانقسام الاجتماعي في المستقبل.
وأضاف ذوقان "يمكن أن نعرف اذا ما كانت الأمة جيدة او سيئة من خلال معرفة من هم وكيف هم أطفالها الذين سيقودوها في المستقبل."
هذا وكانت حركة فتح وما زالت ترفض استئناف الحوار مع حركة حماس الا اذا انهت الاخيرة انقلابها في قطاع غزة وسلمت جميع مواقعها الامنية للسلطة الفلسطينية، الا ان عزام الاحمد رئيس كتلة فتح البرلمانية أقر اليوم بوجود اتصالات مصرية وسعودية وقطرية ويمنية وسودانية لاستئناف الحوار بشرط انهاء الانقلاب.
وتشير الإحصائيات المتعلقة بدراسة تأثير العنف الداخلي على الأطفال أن 28 طفل قتلوا في احداث عنف فصائلية في قطاع غزة والضفة الغربية منذ بداية العام وحتى شهر آب، كما تشير لداراسات أيضا إلى أن 177 طفل أصيبوا في تلك الفترة بسبب المشاكل الداخلية.
ووفقاً لمعطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تعطلت الدراسة في 75 مدرسة منذ اكتوبر 2006 وحتى اغسطس 2007 بسبب الأحداث الداخلية بين حماس وفتح. ورصدت الدراسات ست حالات اقتحام لمدارس أطفال من قبل مسلحين، استخدم السلاح في ثلاث حالات منها.
هذا ويرزح قطاع غزة الذي تبلغ مساحته 365 كيلو متر ويسكنه مليون ونصف المليون نسمة تحت ظروف اقتصادية وصحية ومعيشية صعبة منذ انتفاضة الاقصى الثانية في العام 2001 لتزيد حلقاته ضيقا في اعقاب سيطرة حركة حماس عليه منتصف شهر حزيران الماضي لتعلنه اسرائيل "كيانا معاديا" لترتفع نسب البطالة ويسجل الفقر اعلي مستوياته حيث وصل الي 70% في أوساط الغزيين.
جدير بالذكر أن اسرائيل وعلى لسان رئيس وزرائها ايهود أولمرت وعدت الرئيس محمود عباس خلال لقائهما أمس في القدس الغربية "بأن اسرائيل لن تتسبب بكارثة انسانية في غزة" متعهدا بالنظر في تخفيف القيود على قطاع غزة وحل أزمة ملف "جمع شمل" أكثر من 54 ألف مواطن يعيشون في غزة للحصول على حق المواطنة الفلسطينية.
بقلم: رحمة ثابت