أين الجيل الجديد في فتح؟

منشور 02 أيّار / مايو 2021 - 12:26
أين الجيل الجديد في فتح؟

ليس إعلان رئيس السلطة الوطنيّة محمود عبّاس (أبومازن) عن تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة أصلا في الثاني والعشرين من أيّار – مايو الجاري سوى دليل على رغبة في المحافظة على الجمود. أكثر من ذلك، إنّه دليل على وجود أزمة عميقة داخل السلطة الوطنيّة الفلسطينية وداخل حركة “فتح” بالذات التي هي في أساس قيام السلطة الوطنيّة بعد توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993.

يساعد في تكريس الجمود الموقف الإسرائيلي الذي يبدو أنّه غير راغب في تسهيل إجراء انتخابات، أقلّه في الوقت الحاضر. يساعد في ذلك أيضا غياب الحماسة الأميركية للانتخابات الفلسطينية في ظلّ مخاوف عبّرت عنها شخصيات سياسية وأكاديمية عدّة في واشنطن تخشى من نتائج هذه الانتخابات، خصوصا في حال انتهت بسيطرة “حماس” على المجلس التشريعي. كان رأي هذه الشخصيات في بيان أصدرته قبل أسابيع عدّة أنّ لا أمل يرتجى من الانتخابات في حال نتج عنها مجلس تشريعي يرفض التسوية السلميّة والأسس التي قامت عليها أصلا.

يمكن تعداد أسباب كثيرة للقرار الذي اتخّذه “أبومازن” والقاضي بتأجيل الانتخابات التشريعية وربّما الانتخابات الرئاسية المقرّرة في تموز – يوليو المقبل. مثل هذا التأجيل يعني بقاءه رئيسا مدى الحياة وذلك بعدما خلف ياسر عرفات إثر وفاته في تشرين الثاني – نوفمبر 2004. أصبح “أبومازن” رئيسا للسلطة الوطنيّة واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وزعيما لـ”فتح” بعدما تبيّن أنّه الوحيد الذي لا يزال يتمتع بما يكفي من الصحّة والعافية من بين أفراد القيادة التاريخيّة لحركة “فتح”.

في الواقع استفاد رئيس السلطة الوطنيّة الفلسطينية من غياب شخصيتين في “فتح” كان يمكن أن تخلف إحداهما “أبوعمار” هما خليل الوزير (أبوجهاد) الذي اغتاله الإسرائيليون في تونس في نيسان – أبريل من العام 1988 وصلاح خلف (أبوإيّاد) الذي اغتاله إرهابي من جماعة صبري البنّا (أبونضال) المنشقّة عن “فتح”، في تونس أواخر العام 1990.

بالنسبة إلى شخص مثل “أبومازن”، صار في الـ85 من العمر، يُغني تأجيل الانتخابات عن إحراجات كثيرة في مقدّمها انكشاف حركة “فتح” وتحوّلها إلى قبائل وعشائر في عهده. كلّ ما في الأمر أنّ رئيس السلطة الوطنيّة الذي هو في الوقت ذاته زعيم “فتح” لعب دورا مهمّا في مجال شرذمة الحركة في ضوء رفضه أي شراكة في القرار. كانت النتيجة إلغاء حركة “فتح” وخروج كثيرين منها اعترضوا على الطريقة التي تدار بها الحركة والتي لم يعد في داخلها من مجال لأيّ أخذ ورد أو نقاش مفيد. هناك من طردوا من الحركة لمجرد اعتراضهم على “أبومازن” الذي كان مأخذه على “أبوعمّار” طغيانه على القرار الفلسطيني!

مقارنة مع ما كان عليه الوضع أيّام ياسر عرفات، يمكن القول إنّ “أبومازن” تحوّل إلى حاكم عربي آخر من فصيلة البعثيين الذين لا يقبلون أي شخص يستطيع قول كلمة “لا” أو “ولكن”.

ليس إلغاء الانتخابات التشريعية سوى تتويج للفشل الذي حوّل السلطة الوطنيّة إلى مجرّد أداة أمنيّة تعمل في خدمة الاحتلال بدل أن تكون في خدمة الشعب الفلسطيني

يظلّ الفشل الأكبر للسلطة الوطنيّة، التي لن تنقذها مشاورات بين فصائل لم تعد موجودة، بل أكل الدهر عليها وشرب، مثل “الجبهة الديمقراطيّة” أو “جبهة النضال” أو “الجبهة الشعبيّة – القيادة العامة” وما شابه، ذلك السقوط المريع لمؤسسات السلطة. لم تستطع السلطة بناء أي مؤسسات من أيّ نوع في الأراضي المحتلّة. لم تستطع هذه السلطة المحافظة على غزّة التي صارت “إمارة إسلاميّة” تتحكّم بها “حماس” بكل تخلّفها.

الأكيد أن إسرائيل لم تساعد في قيام أيّ مؤسسات فلسطينية، خصوصا مع صعود اليمين والإصرار على القضاء على خيار الدولتين. لكنّ شيئا لم يمنع تطوير “فتح” وحتّى منظمة التحرير الفلسطينية والعمل في الوقت ذاته على إقامة إدارة تتمتّع بحدّ أدنى من الشفافيّة.

ليس إلغاء الانتخابات التشريعية سوى تتويج للفشل الذي حوّل السلطة الوطنيّة إلى مجرّد أداة أمنيّة تعمل في خدمة الاحتلال بدل أن تكون في خدمة الشعب الفلسطيني. الموضوع ليس موضوع بطولات ولا شعارات رنّانة. الموضوع موضوع القيام بعمل مفيد ومواجهة الاحتلال بالوسائل السلميّة في الوقت ذاته. العمل المفيد يعني هنا قبل أيّ شيء آخر الابتعاد عن فكرة القائد الأوحد والرئيس مدى الحياة.

ليس صحيحا أن “أبومازن” أجّل الانتخابات من أجل القدس. يمكن إيجاد طريقة لمشاركة المقدسيين في هذه الانتخابات. أجّلها بعدما اكتشف أنّ “فتح” منقسمة على نفسها وأنّ لوائح فتحاويّة أخرى يرعاها ناصر القدوة (ابن شقيقة ياسر عرفات) أو محمد دحلان ستحقّق نتائج أفضل من نتائج ما بقي من “فتح” التي يتزعّمها “أبومازن”.

الغريب أن يتفاجأ رئيس السلطة الوطنيّة بالأرقام التي قدمت له والتي أعطته فكرة عمّا يفترض أن ينتظره من الانتخابات. ما هو أغرب من ذلك أن يطلق العنان لشتائم موجهة إلى الصين وروسيا وأميركا… والعرب في اجتماع لقيادة “فتح” تعبيرا عن سخطه وضيق صدره.

لعلّ أخطر ما في الأمر أنّ تأجيل الانتخابات يغلق كلّ الأبواب أمام التغيير السلمي في فلسطين. هناك شباب فلسطيني كان يبحث عن مثل هذا التغيير وهناك قيادة عجوزة لم تهيِّئ لأي تغيير من الداخل. هذا حدث في أماكن كثيرة في العالم، بما في ذلك في بلد متحضر مثل تونس حيث أراد الحبيب بورقيبة البقاء رئيسا مدى الحياة. جاء من يزيحه بعد تجاوزه الثمانين وإصراره على البقاء في السلطة. استطاع زين العابدين بن علي، بحسناته وسيئاته، توفير سنوات عدة من الرخاء لتونس بين 1987 و2010.

من يستطيع اقتلاع “أبومازن” الآن وإقناعه بضرورة الذهاب إلى منزله والتمتّع بالحياة بعيدا عن هموم سلطة صارت عبئا عليه، بل صارت عبئا على الفلسطينيين وقضيّتهم؟ أين الجيل الجديد في “فتح”؟

خيرالله خيرالله - العرب اللندنيه
 


© 2000 - 2021 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك