لم نصدق أنفسنا حينما بدأت التصريحات الإعلامية والرسمية بإعلان التوصل إلى اتفاق بين حركتي حماس وفتح على تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية واسم رئيسها وبدء كل منا يحلم بقرب تحقق أحلامه سواء بأنه سيتقاضى راتبه ، أو من ينتظر رفع جميع الاغلاقات المفروضة على المدن الفلسطينية من فتح المعابر ليتمكن من الخروج لقضاء مصالحه سواء التجارية او الشخصية.
ولم يتبادر إلى مسمعي عن احد قال أن قضية القدس أو الأسرى أو اللاجئين سيتم إيجاد حلول مناسبة لها، واستمر الحوار إلى أن تبدل كل ذلك مع إعلان اختلاف الحركتين على الوزارات السيادية فعادت الأزمة لنا مرة أخرى, لدرجة أننا أصبنا بجلطة بكل معالم جسدنا الفلسطيني الهزيل, ولدرجة أننا دخلنا المرحلة الحرجة مرة أخرى من بعد إعلان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تعليق محادثات حكومة الوحدة الوطنية وذلك لتعثر الاتفاق على من يأخذ الحقائب السيادية والتي تمثل صمام الأمان للشعب الفلسطيني ، وبعدما شعرنا للحظات أننا بتنا على مشارف انفراج الأزمات المتلاحقة والتي تحل علينا يوميا ها هم يرموا بنا في تيار التشاؤم مرة أخرى, فلماذا وكيف ؟! لا احد يعلم .
لقد وصل الشعب الفلسطيني إلى مرحلة صعبة جدا من التيهان السياسي فعاد لم يعلم إلى أين ستسير به الأمور, فأصبح يمسي على خبر صحفي من مصدر رفيع المستوى يعلن عن قرب التوصل إلى حل الأزمة ، فيما لا يمضي سواد الليل حتى يصبح على خبر من مصدر مسئول يعلن تعثر التوصل إلى اتفاق, وتارة يتبادر إلى مسمع الموظفين أن غدا ستصرف سلفة لهم, ويبقى الموظف ينتظر وينتظر وينتظر...! إلى أن وصل لمرحلة نسى فيها رائحة الشيكل, وفقد القدرة على النظر, فأصبح يرى كل شيئ حوله شيكل،.
أنا هنا لا ابالغ بوصفي, ولكن من واقع معاناتي الشخصية وكغيري من الموظفين " المتكحترين " في الأرض بت أحيا ببيت معدوم من جميع مظاهر الحياة, فبالأمس كدت ان انهمر بالبكاء حين تفقدت منزلنا الذي نقطن فيه فلم أجد ولأول مرة لا سكر ولا شاي ولا خبز ولا حتى جرة غاز, والسبب طبعا (ما في معنا ولا شيكل ) فماذا تنتظرون من شعب يعيش بتلك الظروف, أتنتظرون منه أن يصدقكم هذه المرة ويصمت ؟! اعتقد لا .. فلتتحملوا نتائج ما ترتكبوه بحق هذا الشعب المسكين لأنكم ستجبرونه على أفعال لم تعهدوها من قبل .
وها هو اليوم يعلن عن مبادرة مصرية من الرئيس مبارك يدعو فيها لاحتواء الحوار الفلسطيني الفلسطيني في دولة مصر الشقيقة, فثار في داخلي سؤال أيهما أحق أن يكون البيت الفلسطيني هو الوطن الأول والأخير لكل خصوصياتنا وشؤوننا الداخلية, أم أصبحنا دائما نحتاج إلى الوسيط لحل مشاكلنا وأزماتنا ولماذا أصلا ندخل أنفسنا في تلك الأزمات. وأنا هنا لا اعترض على دعوة الرئيس مبارك لنا ولحوارنا , ولكنني اعترض على حجم الجدار القائم بين فصائلنا في وقت نحن بأمس الحاجة فيه إلى الوحدة والتلاحم في ظل الالم الذي يسببه عدوان الاحتلال اليومي علينا .
إن مشاورات الحكومة تذكرني بقصة عائلة السلاحف التي اتخذت قرارا في احد الأيام الذهاب إلى احد المصايف لتقضي عطلة الصيف, فجلست 4 أعوام وهي تخطط أين ستقضيها، و4 أخرى وهي ترتب أمتعة السفر, وأربعة أعوام أخرى وهي تسير في الطريق إلى أن وصلت إلى المصيف، وأربعة أعوام أخرى وهي ترتب أمتعتها بالبيت الذي ستقطن به. وبدءوا يشعرون بالجوع فجهزوا الطعام وفجاءة اكتشفوا أنهم قد نسوا الملح, وهم من المستحيل أن يأكلوا الطعام من غير ملح فطلبوا من أسرع سلحفاة وأنشطهم العودة للديار والإتيان بالملح فوافقت ولكن كان لها شرط أن لا يأكلوا شئ إلى أن تعود فوافقوا, فذهبت وغابت 8 أعوام ولم تعد, فقررت جدة السلاحف أن تأكل لأنها باتت لم تعد تقوى على تحمل المزيد من الجوع, ولم تلبث أن مدت يداها لتأكل إلا أن خرجت السلحفاة من وراء الشجرة لتقول (كنت عارفة أنكم هتخونوني وهتاكلوا علشان هيك ما رحت ) فأصابت الجدة سكتة قلبية قاتلة, فسقطت شهيدة الجوع والفشل والشك.
هذه القصة تنطبق على مشاورات حكومة الوحدة الوطنية فالذي سيسقط قتيلا هو الشعب نتيجة التلاعب بأعصابه صباحا ومساءا .
اعترف اليوم وبكل جرأة أن الجسد الفلسطيني بات بينه وبين القبر إزالة أجهزة التنفس الصناعي عنه بخبر عاجل يفيد انه لا جدوى من مشاورات حكومة الوحدة ولذلك تقرر التالي :وقف جميع المحاورات حتى إشعار آخر وإدخال الشعب الفلسطيني غرفة الإنعاش "إن عاش " وأنا اشك انه سيقوى على العيش لذلك أيها القادة " ارحموا من في الأرض ليرحمكم من في السماء " ولترأفوا بحال هذا الشعب قبل أن يصبح في طي النسيان .