مهما حاولت ان تثني طفلك عن تناول الشيبس والعصائر والحلوى الموبوءة بالملونات والوجبات السريعة.. فانك لن تنجحي، ببساطة لانك لا تملكين دهاء الشركات التي تجند جيوشا من الخبراء المتخصصين في مسح ادمغة الاطفال والتأثير عليهم لشراء منتجاتها.
فبينما انت منشغلة عن ابنائك، تتسلل تلك الشركات اليهم باعلاناتها عبر قنواتهم التلفزيونية المفضلة ومسلسلاتهم وبرامجهم الكارتونية المحببة، بل وعبر كل مفردات حياتهم بدءا من اغلفة دفاترهم وليس انتهاء بقمصانهم واحذيتهم!.
كل ما يتم الاعلان عنه ترافقه عبارات التاكيد على الجودة والفائدة الصحية، لكن ام مجدي لديها قصة تكذب كل هذا الحديث.
فابنها مجدي اصيب بينما كان في التاسعة من عمره بمرض السكري الذي لم يكن موجودا لا في عائلتها ولا في عائلة زوجها.
تتذكر هذه السيدة التي كانت تتحدث في تقرير اوردته صحيفة "النشمية" الاردنية، كيف خارت قواها وكادت تقع ارضا بعدما عجزت ساقاها عن حملها عندما اخبرها الطبيب بحقيقة اصابة ابنها بهذا المرض الذي سيرافقه بقية عمره.
تقول "دارت بي الارض وترنحت في مكاني ولولا اتكائي الى جدار غرفة الفحص في العيادة لسقطت على الارض".
بعد لحظات استعادت ام مجدي رباطة جأشها ثم قربت ابنها اليها واحتضنته وهي تدمدم بعبارات التسليم في هذا الامر الى الله.
سألت الطبيب عن سر هذه "البلوى" كما وصفتها، فاخبرها ان السبب هو السمنة المفرطة التي يعاني منها ابنها.
قالت له انها لم تكن تعرف سر هذه السمنة رغم ان مجدي لم يكن يأكل اكثر مما يأكله بقية اخوته وجميعهم نحيفون، فسألها: هل يكثر ابنك من تناول انواع الشيبس والعصائر والحلويات وانواع الاطعمة الجاهزة؟ فأومأت برأسها في علامة ايجاب.
تلك الاصناف من المنتجات التي تستهدف الاطفال الى جان الوجبات السريعة غنية جداً بالدهون وفقيرة للمكونات الطازجة التي تشكل وجبة غذائية متكاملة تحمي من الاصابة من السمنة.
هذه ببساطة كانت الخلاصة التي قدمها الطبيب لام مجدي وفسرت لها سر ما كان مع ابنها وما حصل له الان.
ورغم الكم الهائل من الاعلانات التجارية لتحسين صورة هذه المنتجات إلا أنها في الواقع لا تمثل غذاء متوازناً متكاملاً كما تدعي هذه الشركات كما اكدت منظمة الصحة العالمية التي فصل تقريرها عام 2003 اشكال الضرر الواقع من تناول الوجبات السريعة والعصائر الصناعية المحلاة.
سمنة وسرطان
ويتعدى الامر مخاطر الاصابة بالسمنة والاعتلالات الصحية الاعتيادية الى حد احتمال اصابة الاطفال بالسرطان كنتيجة غير مباشرة للاطعمة التي تروج لها الاعلانات التجارية.
وفي هذا السياق، دعا مجلس السرطان الأسترالي إلى وضع قوانين لتسويق الأغذية الغير صحية للتقليل من الارتفاعات الغير متوقعة لمعدلات الإصابة بالسرطان كنتيجة للسمنة.
ويقول تيري سليفن, رئيس لجنة التغذية الأسترالية لمجلس السرطان "إن استخدام اللعب والأحجية والمنافسات والشخصيات الكارتونية على الإنترنت, علاوة على الإعلانات المطبوعة وتوزيع الجوائز والألعاب والحيل التسويقية الأخرى تعمل على تسويق أغذية غير صحية على الإنترنت الذي عادةً لا ينتبه له ولا يكتشفه الأهل الحريصون على تشجيع الغذاء الصحي لأطفالهم. وعندما تكون الإعلانات مُوجهة نحو الأهل, يكون هنالك تأكيد على العلاقة مع الصحة واللياقة حتَّى لو أنه في كثير من الأحيان يكون المنتج مرتفع المحتوى بالسُكَّر والأحماض الدهنية المشبعة والملح."
اعلانات..اعلانات
ولا تكاد تخلو ساعة بث تلفزيونية في أي محطة خلال اوقات النهار من اعلانات تروج لانواع الاغذية المستهدف بها الاطفال خصوصا، وهي تقدم لهم عبر قوالب تحاكي رغباتهم وغرائزهم الطفولية.
فهذا نوع شيبس تستخدم في دعايته شخصية كرتونية محببة للاطفال وتدعي ان تناول هذا الشيبس يحول الطفل الى بطل خارق، وتلك دعاية لصنف من العصير تجعله ذكيا وقوي البنية، وهاتيك دعاية لعلكة تحول ملتهمها الى كائن بجناحين..الخ
وقد بلغ الامر ببعض الشركات حد اطلاق محطات فضائية للاطفال من اجل اصطيادهم وبث دعايات منتجاتها عبر تلك المحطات.
كما ان شركات اخرى لا تتواني في طرح مسابقات وجوائز لتعزيز رسالتها الاعلانية لدى الاطفال وبما يدفعهم لشرائها.
ولا يقف الامر عند الدعايات التلفزيونية، بل يتعداه الى كل ما يتعلق بالطفل، حيث تجد تلك المنتجات على ملابسهم واغلفة دفاترهم بل وحتى احذيتهم. كما انها لا تفارقهم في لافتات الشوارع والمحلات التجارية وايضا في المحطات الاذاعية.
قتل الطفولة
وبينما تغيب او تكاد الدراسات في الاردن حول مخاطر هذه الدعايات الا ان دولا عديدة فطنت لها وبدأت باتخاذ اجراءات للحيلولة دون استفحال خطرها على اطفالها.
فمثلا في بريطانيا، تداعى اتحاد المدرسين الى مؤتمر حذر خلاله من أن ضغوط الإعلانات التجارية تؤدي إلى نمو الأطفال مبكرا، ودعا الى أن تكون هذه الاعلانات موضع رقابة مشددة لأنها، بأسلوبها الراهن، تشجع العادات الغذائية السيئة، وتؤدي بشكل عام إلى اعتلال الصحة.
ويشكو المدرسون من أن الإعلانات التجارية تشجع الأطفال على اللجوء إلى الضغوط على آبائهم، ويقولون إن الأطفال يكبرون سريعا ولا يستمتعون بطفولتهم نتيجة للضغوط التجارية.
وكانت السلطات البريطانية قد أعلنت معايير جديدة للرقابة على الإعلانات التي تستهدف الأطفال.
واعتبارا من بداية عام 2009 سيتعين على تلك القنوات أن تتقيد بالكامل بالحظر الذي سيفرض على إعلانات الأغذية التي تحتوي دهونا أو أملاحا أو سكرا زائدا.
وبداية من العام المقبل ستطبق هذه المعايير على البرامج التي تستهدف اليافعين حتى سن الخامسة عشرة وعلى برامج الكبار التي يتابعها عدد كبير من الأطفال واليافعين.
وعلى مستوى الاتحاد الاوروبي، فقد بحث وزراء الصحة في الاتحاد وثيقة اعدتها منظمة الصحة العالمية تهدف للحد من السمنة، وتنص على ضرورة حماية الاطفال مما وصفته "باستغلال شركات الاغذية".
ودعا اعلان الوثيقة الى الحد من الاعلانات التجارية للاطعمة غير الصحية، خاصة التي تستهدف الاطفال.
وتختلف الدول الاوروبية في مواقفها من هذه الاعلانات. فهناك دول اوروبية تفرض حظرا قانونيا على هذه الاعلانات مثل النرويج والسويد، وهناك دول تضع سياسات عامة يحب اتباعها في هذا المجال مثل فنلندا وايرلندا، وهناك دول تعتمد على الرقابة الذاتية للمؤسسات الاعلامية مثل هولندا واسبانيا والبرتغال.
واتبعت فرنسا سياسة اخرى، اذ تشترط على كل الاعلانات عن الاطعمة المجهزة او المنتجات التي تحتوي على دهون او محليات اضافية ان تحتوي على تحذير صحي من مخاطر مثل هذه الاطعمة، والا على المعلنين تخصيص تمويل للناشطين في مجال الاغذية الصحية.
وتقول كاثي مولتون من جمعية السكر في بريطانيا انه لابد من مواجهة مشكلة سمنة الاطفال قبل ان تواجه بريطانيا احتمال قيام احتجاجات من عشرات الآلاف من الاطفال الذين يعانون من مرض السكر.
وترى ان انتشار مرض السكر بين الاطفال قد يؤدي الى انخفاض متوسط الاعمار لجيل قادم، بالاضافة الى مضاعفات صحية اخرى.
سلوكيات وابتذال
وبعيدا عن الاضرار الصحية، فان الخبراء يحذرون ايضا من المخاطر على سلوكيات الاطفال جراء اللغة والايحاءات المستخدمة في الاعلانات التجارية عموما.
فقد حذرت دراسة مصرية من تأثر الأطفال بالإعلانات التليفزيونية التي تضج بالعنف ويغلب عليها الخيال, إذ يلجأون إلي تقليدها مما قد يفقدهم عفويتهم وبراءتهم خاصة مع زيادة الإقبال علي سماع شرائط الأغنيات الهابطة ذات الألفاظ الغريبة, مما يؤدي إلي ظهور لغة خارجة ومبتذلة بينهم.
وأكدت الدراسة التي أجرتها آمنة محمود أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية بجامعة عين شمس أن الإعلانات التليفزيونية تؤثر علي انتباه وتركيز الأطفال كما تؤثر تأثيرا بالغا علي لغتهم وسلوكهم، وكذلك ميولهم واتجاهاتهم, خاصة في مراحل العمر المبكرة من10 الي12 عاما, وبسبب الفترة الإعلانية وتكرارها يتسرب مضمونها وألفاظها الى عقل ووجدان وفكر الطفل لتصبح جزءا من شخصيته, وذلك مع الإيقاع السريع للأغنيات والرسوم المتحركة والفكاهة والمرح التي تصاحب الإعلانات خاصة التي تعرض قبل البرامج التي يحبها الأطفال.
وتوضح امنة محمود في دراستها أن مغالاة أصحاب الإعلانات في عرض الجوائز والمسابقات التي يغلب عليها طابع التهويل قد تدفع الأطفال الى التنافس علي الشراء وتكوين دوافع غير سليمة نحو الاستهلاك, بحيث يشتري الطفل سلعة معينة دون الحاجة اليها فقط لغرض الحصول علي الهدية أو الجائزة التي يحلم بها, وغالبا لا يحصل عليها مما يدفعه لشراء المزيد.
وتشير الى ان ذلك يولد بالتالي عداء مستمرا بين الطفل وبين أبويه, أو يصاب بحالة من إحباط اذا لم تلب مطالبه, أو يشعر بالدونية اذا كان المستوي الاقتصادي لأسرته ضعيفا.
وأخيرا حذرت الباحثة في دراستها من تأثير إعلانات الأفلام الأجنبية علي الأطفال وخاصة البنات اللاتي يتخذن من فتاة الإعلانات قدوة لهن ويقلدونها في الإيحاءات والحركات وطريقة الملبس والمشي.
ايحاءات جنسية
وفي سياق متصل، أكد عضو هيئة التدريس في قسم الإعلام في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية محمد بن علي السويد خطورة الإعلانات التجارية في القنوات الفضائية الموجهة للأطفال وتأثيرها في النشء وتربيتهم.
وقال السويد في ورقة عمل قدمها خلال مؤتمر التربية الإعلامية الأول في السعودية بعنوان (صورة الطفل في الإعلام التلفزيوني وعلاقتها بالقيم الاجتماعية والتربوية) ان 50 في المائة من هذه الإعلانات ذات صنع وإنتاج أجنبي مما سيكون لها تأثير سلبي في القيم والمبادئ في المجتمع العربي. وأشار إلى أن 12 في المائة من هذه الإعلانات تجمع مشاهد مختلطة بين الجنسين، كما تحتوي على بعض المشاهد التي تحتوي على إيحاءات جنسية و70 في المائة منها تروج لسلع أجنبية فيما 56 في المائة من الأطفال في هذه الدعايات أجانب.
وذكر السويد إنه تم رصد دراسة تحليلية للإعلانات في إحدى القنوات الفضائية المتخصصة للأطفال لمدة أربعة أسابيع بواقع أربع ساعات يوميا وتبين أن هناك 95 إعلانا دون تكرارها مما يؤكد كثرة هذه الإعلانات وتأثيرها في تربية الطفل، حيث اتضح إهمالها للقيم الدينية والوطنية والإنسانية والصحية وغيرها.
ودعا الباحث الأسر الى توخي الحذر مما يعرض في هذه الفضائيات وأوصى ببذل المزيد من الاهتمام الإعلامي في كل ما يقدم للطفل من برامج. (ينشر بالتزامن مع صحيفة "ا