أكد الرئيس السوري بشار الأسد ان كل مظاهر الحرب والسلم التي تطفو على السطح هي مظاهر وهمية، "وأنا اقول انه علينا ان نقلق إذا صمت الاسرائيليون وليس إذا هدّدوا"، مضيفا ان التهديدات التي تسمعونها وصواريخ "سكود" التي يتكلمون عنها ليس لها علاقة بشروط الحرب واحتمالات وقوعها، تماماً كما ان محاولات الطمـأنة اللاحقة لا تعني ان فرص السلام تزداد.
وتابع: "نحن لا نثق في الاسرائيلي، ونتصرف على اساس ان نكون جاهزين للحرب والسلم في أي لحظة، والخطأ الذي ارتكبه البعض انه شطب خيار المقاومة وتحوّل الى أسير لخيار السلام، في حين أنه من المفترض ان نكون في أتم الجهوزية للخيارين معاً".
جاءت تصريحات الأسد التي نقلتها صحيفة "السفير" اللبنانية في عددها الصادر الاربعاء، خلال استقباله في قصر الشعب أمس المشاركين في مؤتمر "العروبة والمستقبل" الذي استضافته دمشق. وأجاب الأسد على سؤال حول موقف سوريا إذا شنت اسرائيل حرباً جديدة على لبنان وهل ستشارك في الحرب ترجمة لصورة القمة الثلاثية الشهيرة في دمشق، قائلا: "أعتقد ان الإسرائيليين يتمنون ان يسمعوا الجواب على هذا السؤال وانا لن أحقق لهم أمنيتهم. هذه أمور عسكرية لن نبوح بها ولن نكشف أوراقنا او خططنا".
وكشف الاسد عن ان الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف نقل خلال زيارته الاخيرة الى دمشق رسالة إسرائيلية من شمعون بيريز تتضمن عرضاً بالمقايضة بين الجولان وفك علاقة سوريا بإيران وحركات المقاومة، فكان جوابنا واضحاً وهو ان الواقع يثبت ان اسرائيل لا تعمل من أجل السلام، وبالتالي فإن باقي الكلام لا يفيد.
وشدد الاسد على ان للقيادة السورية منهجية في التعامل مع الملفات المطروحة من لبنان الى ايران مروراً بفلسطين والعراق، "فنحن لا نربط الملفات بدول بل بقضايا، وقد نصحنا من يأتي لمحاورتنا بأن لا يضيّع وقته في السعي الى الربط بين هذه الملفات". وأضاف: "نحن نتكلم حول كل ملف على حدة، انطلاقاً من اننا نعرف ماذا نريد والقرار في نهاية المطاف هو قرارنا".
وأكد الاسد ان سوريا دخلت في المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل عام 2008 من دون أوهام، "ولن يكون هناك ما نخافه عندما تكون الثوابت واضحة ونهائية وعندما يكون القرار بعدم التنازل عن أي جزء منها مهما كان صغيراً هو قرار نهائي لا يخضع الى المساومة".
وأشار الى ان المقاومة هي من أجل السلام المشرّف وليس من أجل الحرب للحرب. وتابع: إذا لم تكن قوياً، لا أحد يحترمك. الاوراق التي تمتلكها هي التي تعبر عن قوتك وتجعل الآخرين يحسبون لك حساباً، ولو اننا لم نمتلك اوراقاً ما كانوا ليقتنعوا بدورنا. وحدها عناصر القوة توصلك الى السلام الفعلي. السلام ليس غصن زيتون نلوّح به (...) غصن الزيتون ينفع للدبكة، ولكن ليس للتعامل مع الواقع ولصنع موازين القوى.
وشدد الرئيس السوري على انه يرفض ممارسة الضغوط على حركة "حماس" او غيرها من حركات المقاومة الفلسطينية كي تتخذ مواقف مخالفة لإرادتها: "نحن لا نقبل ان نفرض رأينا على أحد من الفلسطينيين. وهذا هو سبب خلافنا مع البعض. وبرأينا ان المطلوب ان يتحمل كل طرف مسؤولياته. موضوع المصالحة الفلسطينية عند مصر، أما هل نجحت أم لا فهذا موضوع آخر".
وأكد الاسد ان أحداً لا يريد لمصر ان تتقزّم "ونحن لا نسعى الى ان نؤدي دوراً على حسابها، بل نريد ان تبقى مصر التاريخية ولا بأس في ان نختلف أحياناً، المهم ان نحسن إدارة خلافاتنا، تماماً كالاشقاء الذين يختلفون، ولكن ذلك لا يمنعهم من العيش في بيت واحد. لا يجب ان نعتمد قاعدة "اذا لم تكن لست مثلي فأنت عدوي"، على طريقة بوش "من ليس معي فهو ضدي". توجد أشياء لا نتفق فيها مع مصر، إلا انه يجب ألا نحوّل ذلك الى مشكلة"
وأبدى الأسد اعتراضه على توصيف سوريا بانها دولة ممانعة حصراً، قائلاً: "نحن لسنا دولة ممانعة فقط، لأن هذا التعبير ينطوي على دفاع سلبي، بينما ينبغي ان نكون فاعلين. الممانعة هي كالشجرة التي تظل واقفة مكانها. هي تمانع ولكنها لا تتحرك وقد تأتي عاصفة وتكسرها يوماً ما. نحن نتحرك والمقاومة بهذا المعنى هي فكرة ايجابية. وما فعلناه في السنوات الماضية كان نتاج قناعة وليس ضربة حظ. لقد كنا مقتنعين أننا سنربح التحدي، ولم نكن نجرّب. لقد واجهناهم في كل الساحات التي فتحوها ونجحنا".
واعتبر أن الذين استهدفوا سوريا فشلوا في اللعب على الداخل السوري "حيث ان الحالة الوطنية طاغية من دون حاجة الى الجانب الأمني، ولذلك لا قلق لدينا من ثورات داخلية. نحن نرى ان التنوع الموجود عندنا هو عنصر غنى، ووحدتنا الوطنية متينة استناداً الى ثوابت لا يمكن أن نخرج عنها".
وبالنسبة الى العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، أوضح الاسد "ان الاساس بالنسبة الينا هو مصالح سوريا ووحدة العراق واستقرار لبنان والسلام العادل، والحوار مع الاميركيين بدأ يلامس تفاصيل هذه العناوين، وإذا اراد الاميركيون ان ينجح الحوار بيننا وبينهم، فانا أقول لهم ما سبق ان رددته امام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في أول لقاء معه حين قلت له ان عليه ان يتوقع مني أن أقول لا أكثر من نعم. وبالفعل نجحت التجربة والآن هناك احترام متبادل".