الإرث والوظيفة يحرم الفتيات من الزواج

منشور 06 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2015 - 08:40

غزة : نضال ابوشربي
العنف ضد النساء " قضية يعاني منها المجتمع الفلسطيني ويرتفع معدله من سنة لأخرى في قطاع غزة, بمختلف أشكاله وأنواعه, وللنساء النصيب الأكبر من هذا الواقع الذي نعيشه منذ فترة طويلة, حيث تعاني المرأة من اضطهاد وحرمان, وذلك ليس بالجديد على الواقع الفلسطيني.

ولكن الجديد علينا أن يمارس أب وأبناءه الذكور, العنف بأبشع صوره ضد بناته, منذ صغرهن حين أجبرهن على ترك الدراسة وهن في المرحلة الإعدادية والثانوية, من أجل القيام بأعمال تكبر أحجامهن الصغيرة وهي " تربية الأبقار والأغنام وحلبها, إضافة إلى زراعة الأرض والتي تبلغ عشرات الدونمات وحصاد المحصول, لم يكتفي الأب بحرمان بناته من حقهن في التعليم , بل وصل به الحال إلى حرمان بناته من الزواج , حيث تبلغ أكبرهن ( 33) عاماً , والأخريات في سن العشرينات , أي السن المناسب للزواج كما هو متعارف عليه خاصة في قطاع غزة, والسبب في ذلك " الميراث ", الذي يخاف أن ينتقل إلى عائلة أخرى , وشخص أخر غيره وغير أبناءه , إضافة إلى ادعائه بأنه يغار على بناته من أن تلمس يد رجل غريب إحدى بناته , متناسياً أن الديانات السماوية كافة تقر الزواج وتحلله.

الآنسة " نسمة فاروق"(اسم مستعار) ( 28 ) عاماً تروي لنا معاناتها وعيناها تحلق في السماء علها تجد من يقوم بمساعدتها, والوقوف إلى جانبها قائلة:" أسرتي مكونة من خمسة بنات وستة أخوة, أربعة منهم متزوجون ولهم حياتهم الخاصة وأسرهم, واثنين منهم صغار ويعيشون معنا, وأمي مطلقة منذ سبعة سنوات, إخواني الكبار يضربونا بمشاركة والدي, وأحياناً أخرى يضربوننا تلبية لرغبة والدي الذي يهددهم بحرمانهم من الميراث, في حال لم ينفذوا رغبته , هو فقط يريد توصيل رسالة إلى كافة المحيطين بنا من الجيران والأقارب وهي تسويد سمعتنا, لأنه يتلفظ بألفاظ سيئة جداً, وذلك لعدم رغبته بزواج واحدة منا, لخوفه على الميراث والأراضي التي يمتلكها أن تذهب للغريب, كما يقول بأنه لا يسمح بأن تعيش ابنته مع رجل غريب .... ودائماً يردد عبارة لو ينزل ملك من السماء ويقول زوجهم ما بدي أزوجكم ".

تكمل " والدي رجل قاس علينا , وعلم ذلك لأخواني فهم يمارسون بحقنا كل أشكال العنف من ضرب كما تظهر بقع الضرب في جسمي وجسم أختي, فهو يقوم بقطع المياه علينا, لذا نضطر إلى نقلها بالأوعية من الجيران , وقطع الكهرباء , ولا يصرف علينا .

واستكمالاً لقصة الحوار السابق يقول المحاضر الجامعي خالد وهدان " في البداية تعجّبت من أبيها عندما أخبرتني الطالبة أنه يرفض تزويجها بعد أن طرق بابها أكثر من شاب لخطبتها خاصة وأنها على خلق حسن وعقل متميز، لكني فُجعت أكثر عندما عرفت السبب في منعه من تزويجها وهو الطمع في مالها الذي ستجنيه من الوظيفة والذي لم يحن بعد الوقت لتحصل عليه أصلاً لأنها في سنتها الثالثة من الجامعة ، فهو متأكد من أنها ستحصل على وظيفة بمجرد تخرجها لأنها الأولى على الدفعة في قسمها".

ويضيف لم أتخيل أن القسوة وصلت عند بعض الآباء لهذه الدرجة المحزنة والمخجلة ، فلطالما عهدنا الأب يحرم نفسه اللقمة ليطعمها لأبنائه ، كان يقول لها لازم تصرفي عليّ وتسدي كل اللي صرفته عليك بالجامعة ، فأي نخوةٍ هذه وأي رجولة ؟ وأين عاطفة الأبوة التي تتملك كل أب تجاه أبنائه ؟ أم أن المال يورث العمى؟".

ليست الوظيفة هي المطمع الوحيد لبعض الآباء فالبعض يحرم بناتهم أو أخواتهم من الزواج طمعاً في إرثها من أراضٍ وغيرها، وهذا ما أكّدته لنا منال، والتي بلغت 28 عاماً ولا زال حلم الزواج يراودها كما كل فتاة .

وتضيف منذ أربعة أعوام توفي والدي فبكيناه دمعاً مريراً، وكان والدي قد ترك لنا من الأراضي ما يدعونا لشكر الله كثيراً على نعمه التي نادراً ما يحصل عليها الآخرون ؛ ولكنها لا تساوي شيئاً أمام فقدان الأب الحنون ، ولا تساوي شيئاً أمام سلبها لعقول إخوتي، فبعد توزيع الميراث لم يعودوا كالسابق غاب الود والحنان واختلفوا فيما بينهم وحدث الشقاق ، ولم يلتفت أحدهم لأمر زواجي ، وكنت أظن أن ذلك نتيجة انشغالهم ، لكن المرة تلو الأخرى تبين لي أنهم يقصدون عدم تزويجي بخلق المبررات التافهة لمنع الزواج ومع الأيام تأكدت أن قطعة الأرض هي السبب حتى بتُّ أفكر في التنازل عنها وإهدائها لهم ليُفكّ سجني وأحظى بالزواج وإنجاب الأطفال .

وعن رأي الشرع في هذه القضية يقول الأستاذ المشارك في الشريعة زكريا الزميلي " لقد حرّم الإسلام على الأب أن يحرم ابنته من الزواج بأي حال من الأحوال كأن يكون السبب هو الحصول على مالها الذي تجنيه من وظيفة أو إرث، خاصة إذا أتاها ذو الخلق القويم، فمن حق الفتاة أن تتزوج وتستقر وتكوّن أسرة وتنجب وتربي، ومن واجب الأب أن يزوجها لأنه وليها".

ويذكر لنا الزميلي المخاطر الدينية على الأمة التي يسببها رفض الأب تزويج ابنته والتي أهمها وأخطرها انتشار الفاحشة والرذيلة والمنكرات منها ما ظهر وما بطن، لأنها البديل غير الشرعي عن الأصل والحلال الذي أوجبه الله تعالى، وما يلي ذلك من مفسدة بالأمة، فمنع الزواج أحد أسباب الزنا الذي قد يُحدث الحمل غير الشرعي، ومن ثم النتيجة الحتمية بالإجهاض أو الولادة والتخلص من الطفل".

وعن مال الفتاة يرى الزميلي أن مالها هو حقها، لكن إن كان والدها معدماً فقيراً وهو الذي تعب في تربيتها وتنشئتها و الإنفاق عليها، فإنّ السُّنَّة تصبح واجباً إذ يجب عليها أن تعطي والدها جزءً من مالها والذي يُعدّ اعترافا له بفضله، أما إن تزوجت المرأة _ فكما يقول العلماء _ يجوز أن تقسم راتبها إلى ثلاثة أقسام، ثلث لها وثلث لأهلها كهدية وثلث لزوجها، بينما إن كان الرجل سيئ الخلق فيُمنع على الفتاة إعطاؤه المال لقوله تعالى:"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم"، بل وعليها أن تشتكيه لمراكز الإصلاح.

يقول الزميلي:" إن امتنع الأب عن تزويج ابنته من صاحب الخلق، فإن عليها اللجوء لأهل الحل والعقد أولئك الذين يتفهمون الأمور بالدين الذي يمنع الرذيلة، وليس من الأمر الصائب أن تخرج الفتاة عن طوع أهلها، رغم أن الشّرع يسمح لها أن تزوج نفسها بنفسها، لكن المشاكل الاجتماعية وقتها لن تنتهي بل ستزيد ليحدث الندم في النهاية، فالحل الأنجع بإذن الله هو اللجوء للعلماء من أهل الحل والعقد وهم متواجدون في كل منطقة بمسمى "رابطة علماء فلسطين".

 

مواضيع ممكن أن تعجبك