ضرب الارهاب في انحاء عدة من العالم خلال سنة 2004: في مدريد وبيسلان وجاكرتا وجدة وغيرها. في دليل على استمراره وتنوعه، في وقت لا يزال رئيس تنظيم القاعدة اسامة بن لادن يتحدى الولايات المتحدة.
وقال الخبير بروس هوفمان من منظمة "راند كوربوريشن" خلال مؤتمر عقد اخيرا في واشنطن ان "الاعداء يقومون بحرب استنزاف". ولم تسجل سنة 2004 عمليات بحجم اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2001 التي استهدفت نيويورك وواشنطن وادت الى مقتل حوالي ثلاثة آلاف شخص. الا ان الاسلاميين المتشددين نفذوا سلسلة هجمات مدمرة وان كانت اقل قوة.
فقد تسببت اعتداءات في 11 آذار/مارس في مدريد بمقتل 191 شخصا وبخسارة الحزب الحاكم في الانتخابات.
في التاسع من ايلول/سبتمبر استهدف اعتداء السفارة الاسترالية في جاكرتا، ما ادى الى سقوط احد عشر قتيلا واكثر من 180 جريحا.
في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر اغتيل المخرج الهولندي ثيو فان غوخ باسم الاسلام المتشدد.
وفي السادس من كانون الاول/ديسمبر، هاجم متشددون سعوديون القنصلية الاميركية في جدة في السعودية وقتلوا خمسة من موظفيها.
كما لجأ الانفصاليون الشيشان الى الارهاب في حربهم ضد النظام الروسي.
ففي 24 آب/اغسطس قتل 90 شخصا في هجوم مزدوج بالمتفجرات على طائرتين روسيتين. وفي بداية ايلول/سبتمبر)، قتل 344 شخصا على الاقل في عملية احتجاز رهائن نفذتها مجموعة شيشانية في مدرسة في بيسلان في اوسيتيا الشمالية والهجوم الذي نفذته القوات الروسية لتحريرهم.
ولم تشهد الولايات المتحدة اعتداءات خلال سنة 2004 على اراضيها، لكن التهديد بحصول اعتداءات رافق الحملة الانتخابية الرئاسية، وخشيت السلطات من تكرار احداث اعتداءات مدريد بشكل يترك انعكاسات على انتخابات الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر).
الا ان الخبراء مقتنعون بان الاراضي الاميركية تبقى هدفا للارهاب. ويعتقد كثيرون ان الخطر لا يتمثل بحصول 11 ايلول/سبتمبر آخر، ولكن بسلسلة اعتداءات سهلة التنفيذ وتتطلب القليل من المال.
ويرى الاختصاصي في علم النفس مارك ساجمان، واضع كتاب حول الناشطين في القاعدة، ان "الخطر الذي نواجهه هو سلسلة متلاحقة من مدريد والدار البيضاء (45 قتيلا في ايار/مايو 2003) واسطنبول 63 قتيلا في تشرين الثاني/نوفمبر 2003".
وسط كل هذا، تحدى اسامة بن لادن الاميركيين في شريط فيديو تم بثه قبل ايام من الانتخابات الرئاسية الاميركية، مهددا اياهم بتنفيذ هجمات جديدة.
وبدا بن لادن خلال هذه السنة كانه ملهم الهجمات، اكثر منه المخطط لها.
ويرى الخبير جوناثان شانزر من معهد "انستيتيوت فور نير ايست بوليسي" في دراسة بعنوان "جيوش القاعدة" ان "القاعدة تحولت الى ظاهرة اكثر منها منظمة". ويضيف ان "استمرارها يكمن في واقع انها تعتمد منذ وقت طويل على مجموعات محلية صغيرة تتمتع بشيء من الاستقلالية في التحرك لتنفيذ الهجمات الارهابية الرئيسية".
ومنذ ان خسرت القاعدة افغانستان كملجأ، عمدت الى تفريق عملائها. وتحول التنظيم الى "ظاهرة اكثر انتشارا واقل مركزية وانما اقل شفافية ايضا"، بحسب بروس هوفمان. واضاف "القاعدة هي كيان بات التغلب عليه اكثر صعوبة اليوم من سنة 2001".
ويبدي الخبراء قلقهم من انعكاسات الحرب على العراق التي تشكل، على حد رأيهم، عاملا مهما للتجنيد وقاعدة تدريب لارهابيين مستقبليين، كما كانت افغانستان خلال الاحتلال السوفياتي.
ويقول الخبير دانيال بنجامين من "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" إن "الناشطين في كل مكان يعتبرون اكثر فاكثر ان العراق هو بمثابة المرحلة الاولى المضيئة من حرب طويلة على الغرب والقادة (الكفار) في العالم العربي".
آسيا والاسلام
وبعد سنة من اعمال العنف التي ادت الى سقوط مئات القتلى في جنوب شرق آسيا، يرى محللون ان نفوذ الاسلام المتشدد سيتزايد في المنطقة خلال سنة 2005.
وادى الاعتداء الاكثر دموية في تاريخ الفليبين غرق عبارة في شباط/فبراير في خليج مانيلا ادى الى فقدان 130 شخصا، وانفجار شاحنة مفخخة امام السفارة الاسترالية في اندونيسيا (احد عشر قتيلا واكثر من 180 جريحا)، وعودة اعمال العنف الى جنوب تايلاند غالبية سكانه من المسلمين، الى جعل 2004 سنة دامية.
ولا تزال الجماعة الاسلامية، المجموعة الاسلامية الاقليمية التي تقيم علاقات مع تنظيم القاعدة، ناشطة، ويرى محللون ان الجنوب التايلاندي سيستقطب اسلاميين متشددين اذا لم تتوصل الحكومة الى القضاء على حركة التمرد التي ادت الى سقوط حوالي 560 قتيلا هذه السنة.
وجاء في تقرير لمجموعة "انترناشونال كرايزيس غروب" التي تتابع الازمات في العالم، ان جنوب الفليبين يبقى الساحة الرئيسية لتدريب الجماعة الاسلامية التي يشتبه في انها نفذت اعتداء بالي في اندونيسيا. وادى هذا الاعتداء الى مقتل مئتين وشخصين في 2002.
واضعفت توقيفات جرت في صفوف الاسلاميين، واستهدفت احدها الاندونيسي "الحنبلي" في 2003 في تايلاند، الجماعة الاسلامية. الا ان الجماعة ظلت قادرة على تنفيذ اعتداءات مثل ذاك الذي استهدف السفارة الاسترالية في جاكرتا وادى الى مقتل احد عشر شخصا في ايلول/سبتمبر.
ويرى الخبير روهان غوناراتنا، مدير المركز الدولي للابحاث حول العنف السياسي والارهاب في سنغافورة، ان معسكر جبل كوبا في جزيرة مندناو في الفلبين امن امكانية الاستمرار للجماعة.
وقال "ان المعسكر قاعدة استراتيجية للجماعة الاسلامية يسمح لها بالتواجد كمنظمة قابلة للاستمرار. ولا تضم المنظمة الا عشرات العناصر الدائمي العضوية وتدرب عددا قليلا من الاشخاص، الا ان تأثيرها كبير".
واكد ان منشآت التدريب لا تزال فعالة، رغم عمليات القوات الفلبينية ضد المعسكرات التابعة لجبهة مورو الاسلامية للتحرير، ابرز حركة انفصالية مسلمة في الفليبين، خلال عامي 2000 و2001.
وواجهت الفلبين هذه السنة انتقادات عديدة لعدم تمكنها من القضاء على مجموعة ابو سياف الاسلامية التي تعتبر مسؤولة عن تفجير العبارة قبالة مانيلا الذي ادى الى سقوط اكثر من 100 قتيل في شباط/فبراير.
ويعتبر هذا العمل الارهابي الاكثر دموية في تاريخ الفلبين تنفذه مجموعة متشددة كانت تخصصت بعمليات خطف الاجانب من اجل الحصول على فدية.
وفتحت جبهة جديدة في جنوب تايلاند. ويخشى الخبراء من رؤية المسلحين المحليين يتحالفون مع متشددين آخرين مثل انصار الجماعة الاسلامية، في وقت تبدو الحكومة عاجزة عن وضع حد لاعمال العنف.
ويبقى الوضع متوترا جدا بعد مقتل 87 مسلما خلال قمع تظاهرة في تشرين الاول/اكتوبر. وقد قضى معظمهم اختناقا في شاحنات الجيش التي تم تكديسهم فيها.
في نيسان/ابريل قتلت قوات الجيش والشرطة 108 ناشطين كانوا هاجموا مراكز القوى الامنية. وقتل حوالي ثلاثين منهم في هجوم على مسجد كانوا لجأوا اليه، الامر الذي تسبب بصدمة في اوساط المسلمين.
ومنذ كانون الثاني/يناير يشهد الجنوب التايلاندي يوميا تقريبا انفجارات تؤدي الى قتل او اصابة عناصر في القوى الامنية، وكذلك مدنيين.
وزاد في مصادر القلق، تنفيذ عمليتي قتل بقطع الرأس، وهو اسلوب جديد يذكر بما يحصل في العراق.
ويرى الاستاذ بانيتان واتاناياغورن من جامعة شولوغكورن في بانكوك، ان تدفق المقاتلين الاجانب الى جنوب تايلاند "يزداد مع مرور الوقت"، ولو ان علاقاتهم مع المقاتلين المحليين لا تزال ضعيفة