الانتخابات تعمق النزاعات العرقية والطائفية وعاهل الاردن يحذر من تقسيم العراق

تاريخ النشر: 28 يناير 2005 - 01:24 GMT

فيما تزايدت المخاوف من خطر تعميق النزاعات العرقية والطائفية بسبب الجو المشحون المرافق للحملة الانتخابية في العراق ولاحقا ما سيتمخض عنها في ضوء المقاطعة والعنف حذر عاهل الاردن الملك عبد الله من تقسيم و "بتر" هذا البلد.

مخاوف النزاعات العرقية والطائفية

أشاد الرئيس الاميركي جورج بوش بأول انتخابات تجرى في العراق بعد الحرب باعتبارها "لحظة عظيمة في تاريخ العراق" لكن هذه الانتخابات تنطوي على خطر تعميق الانقسامات الطائفية ودفع البلاد الى حرب أهلية.

والاقتراع الذي يجرى الاحد لانتخاب مجلس وطني مسألة حيوية لخطة الولايات المتحدة لتحويل العراق من الدكتاتورية الى الديمقراطية بعد مرور 22 شهرا على الغزو الذي أطاح بالرئيس السابق صدام حسين.

قال روبرت سبرينغبورج مدير معهد دراسات الشرق الاوسط في مدرسة لندن للدراسات الشرقية والافريقية لرويترز ان الانتخابات العراقية "تحمل إمكانية جعل الامور أسوأ وتحديدا لانها ستبرز الخلافات الطائفية".

قال توبي دودج خبير الشؤون العراقية في كلية كوين ماري بجامعة لندن ان الانتخابات تجرى في ظل فراغ أمني حيث تعجز قوات الدولة العراقية عن كبح الجريمة وانعدام القانون حتى في مناطق لم تتأثر نسبيا بالعنف المناهض للولايات المتحدة.

ومضى يقول "ان الديمقراطية في ظل الفوضى خدعة يصعب تحقيقها".

بل ان المسؤولين الاميركيين لا يشيرون الى أن الانتخابات ستوقف أعمال العنف الشرسة التي يقودها السنة وتسود مناطق في العراق والتي أحبطت جهود الاعمار وأرغمت واشنطن على التفكير في استراتيجية معقولة لاخراج قواتها التي أدمتها الهجمات.

ويعتقد المسلحون وغالبيتهم بعثيون قوميون يرتبطون بمتشددين اسلاميين محليين وأجانب في المناطق السنية بوسط العراق أن في وسعهم الصمود في وجه أميركا.

وأعلن أبو مصعب الزرقاوي زعيم القاعدة في العراق الحرب على الانتخابات "الكافرة" ويقول انها مؤامرة لتسليم السلطة للاغلبية الشيعية في العراق التي عانت من القهر لفترة طويلة.

ومع مقاطعة معظم الاحزاب السنية للانتخابات التي يقولون انها لا يمكن أن تكون نزيهة بينما القوات الاميركية تحتل العراق والعنف منتشر فان النتيجة قد تكون تمثيلا غير متناسب يميل لصالح الشيعة والاكراد الاكثر معاناة تحت حكم صدام حسين.

ويشعر الشيعة المنقسمون فيما بينهم وفق خطوط دينية وعلمانية أنهم على وشك الوصول للسلطة السياسية. والاقلية الكردية مصممة على التشبث بالحكم الذاتي الذي نالته بصعوبة في شمال العراق.

وربما يشعر السنة بأن الانتخابات التي ستجرى بدونهم تستبعدهم أكثر من أي وقت مضى فيما تضغط الجماعتان الشيعية والكردية لتحقيق مطالبهما.

وقالت ريم علاف من المعهد الملكي للشؤون الدولية بلندن "سيكون الذين همشوا الى الآن أكثر استياء.. وهم السنة العرب الذين أصبحوا لاجئين في مدنهم مثل الفلوجة أو الذين يتعرضون لتهديد من المسلحين أو الذين فاض بهم الكيل وروعوا فحسب".

وتحسبا لشعور السنة بالعزلة شدد كثير من الساسة العراقيين على أنه لا يزال في وسع السنة المشاركة في الحكومة القادمة والمساعدة في وضع مسودة دستور حتى لو لم يحصلوا سوى على عدد قليل من مقاعد المجلس الوطني.

ولا يزال غير واضح ما اذا كان استرضاء السنة ممكنا نظرا للتوترات الطائفية التي تجيش منذ الاطاحة بصدام الذي سحق نظامه (الذي استند الى قاعدة سنية) الشيعة والاكراد.

والزرقاوي مصمم على ما يبدو على اثارة الاضطرابات الطائفية رغم ان الساسة الاكراد والمرجع الشيعي الاعلى اية الله علي السيستاني منعا اتباعهما من الرد على التفجيرات وأعمال القتل التي أعلنت جماعة المتشدد الاردني المولد مسؤوليتها عنها.

كما تحمل الشيعة والاكراد وطأة الهجمات التي قتلت الآلاف من الشرطة والجنود والمجندين نظرا لان عدد السنة الذين ينضمون لقوات الامن العراقية الوليدة صغير نسبيا.

وقال تيموثي غاردن وهو متحدث في شؤون الدفاع في حزب الاحرار الديمقراطيين البريطاني "ان الانتخابات لن تفعل شيئا للقضاء على العنف"، مضيفا أن الجهود الجادة لبناء قوات الامن تركت لوقت متأخر جدا وأن النتائج ستستغرق وقتا طويلا.

وتوقع تزايد هجمات المسلحين في وقت الانتخابات ثم تراجعها الى مستواها العادي.

وقال غاردن "الخطر هو أن تنشأ توترات جديدة تؤدي الى تصعيد جديد في العنف ما لم تكن القوات العراقية افضل تدريبا بينما تمضي العملية الدستورية." واستطرد قائلا "من الصعب ارضاء الجميع".

ومن المفترض أن يختار المجلس الوطني حكومة انتقالية وأن يضع مسودة دستور تطرح لاستفتاء عام في تشرين الاول/أكتوبر المقبل قبل ان تجرى انتخابات برلمانية أخرى في كانون الاول/ديسمبر المقبل.

وقال سبرينغبورج "هذه الانتخابات نقطة انطلاق لكن يظل هناك سباق طويل يتعين خوضه... انها قد تفشل اذا كانت المشاركة متدنية جدا وكان هناك كثير من أعمال العنف والردود عليها".

وكبح السيستاني الذي أشرف على تشكيل القائمة الشيعية الرئيسية للانتخابات أي اظهار للانتصار من جانب اتباعه الى الان لكن ربما يكون هذا أكثر صعوبة بعد الانتخابات.

قال سبرينغبورج "من المؤكد أن الزرقاوي يشعل النيران ولا بد أنه ولد عداء هائلا لدى الشيعة".

واستطرد قائلا "لكن الحرب الاهلية ليست حتمية. واذا بقيت القيادة الشيعية هادئة وأشركت السنة في عملية صياغة الدستور سينظر الى الانتخابات على أنها ناجحة".

لكن هل انتخابات الاحد لحظة مهمة في تاريخ العراق؟

يقول سبرينغبورج "لن يكون في وسعنا الحكم الا في اخر العام عما اذا كانت الانتخابات نقطة انطلاق للديمقراطية أم أنها أشعلت الحرب الاهلية."

العاهل الاردني يحذر

وفي هذا السياق، حذر العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني الخميس من محاولات "صريحة ومشبوهة للبتر والتقسيم" عبر دعوات البعض لاقامة نظام فدرالي في جنوب العراق، مؤكدا ان الانتخابات هي الطريق الوحيد من اجل ضمان الامن والاستقرار في هذا البلد.

وقال العاهل الاردني "من واقع حرصي كملك عربي هاشمي على لحمة الشعب العراقي الشقيق وتوحيد صفوفهم وكلمتهم وتقرير مصيرهم بأنفسهم، حذرت من محاولات البعض زرع الفرقة وإشعال الفتنة الطائفية في العراق خاصة بعد أن تعالت بعض الأصوات هنا وهناك في العراق، تتحدث عن إقامة فدرالية مستقلة في الجنوب العراقي".

واكد العاهل الاردني ان "هذه دعوة صريحة ومشبوهة للبتر والتقسيم" في العراق.

وكان زعيم حزب المؤتمر الوطني العراقي احمد الجلبي دعا الى تشكيل اقليم في جنوب العراق حيث غالبية السكان من الشيعة أسوة بالوضع في شمال العراق حيث يتمتع الاكراد بحكم ذاتي.

وقال العاهل الاردني "نحن ندرك الخطر الكبير الكامن في حالة انقسام العراقيين وواجبنا يحتم علينا أن نحذر من أية محاولة هدفها تمزيق وحدة الشعب العراقي أو إيجاد تفرقة طائفية بغيضة مهما كانت".

ومن جانب اخر، اعرب العاهل الاردني عن "الاسف" لكون تصريحاته الاخيرة المتعلقة بدور ايران في العراق واتهامها بالسعي الى اقامة هلال شيعي في المنطقة يشمل ايران والعراق وسوريا ولبنان، كانت موضع "تأويل".

وقال الملك عبد الله الثاني "للأسف، البعض ذهب بعيدا في تفسيراته وتأويلاته في محاولة يائسة لتزييف الحقائق، وتحقيق ما يخططون له من مطامح وأجندات خاصة".

واضاف العاهل الاردني "نحن الأقرب إلى الشيعة فهم تشيعوا لآل البيت وأنا كملك هاشمي عندما أتحدث أشعر بأنني أتحدث عن جميع المسلمين سنة وشيعة".

وقال "نحن حريصون على أن يبقى السنة والشيعة معا كما كانوا دائما، وسنقف في وجه أي فئة تحاول المساس بهذه العلاقة المتميزة وسنقف بقوة بوجه أي كان، يحاول المساس بالعلاقة التاريخية الراسخة التي تربطنا بإخواننا الشيعة".

واضاف "أنا وأسرتي العربية الهاشمية، من آل البيت الذين أكرمهم الله بنسبهم، نحن حملة رسالة وأمانة، نداؤنا ظل على مر السنين نداءا عربيا مسلما خالصا، حملنا دوما هم الأمة التي تبقى مصالحها فوق كل الاعتبارات، ولن نقبل أن تكون هناك أي مزايدات علينا من قريب أو بعيد".

وكان أحمد الجلبي أحد أبرز المرشحين الشيعة العلمانيين في الانتخابات العراقية دعا الخميس الى حكم ذاتي للجنوب الذي تقطنه غالبية شيعية ويحتوي على عدد من أكبر حقول النفط في العالم.

وقال الجلبي الذي كان مقربا الى واشنطن قبل الخلاف معها في أعقاب الغزو عام 2003 ان الحكم الذاتي للجنوب سيضمن حصة أكثر عدلا من الثروة لمنطقة تقدم الجزء الأكبر من الايرادات للعراق في حين لا تحصل سوى على قدر ضئيل من الانفاق الحكومي.

ويتمتع الاكراد في شمال العراق بحكم ذاتي فعلي منذ عام 1991 وهو وضع من المتوقع ان يكفله دستور جديد للبلاد بعد الانتخابات التي ستجرى الاحد والتي ستكون الأولى منذ الإطاحة بنظام صدام حسين.

الى ذلك، اكد العاهل الاردني ان الانتخابات في العراق "هي الطريق الواقعي الجديد لتحقيق الأمن والاستقرار، ولقيام عراق ديمقراطي تعددي، يتبوأ مكانته المتميزة في العالم، ويواصل دوره التاريخي والحضاري، وتكون فيه آفاق الحياة الكريمة متاحة لجميع العراقيين".

وقال "ما نسعى إليه هو مشاركة جميع العراقيين في تحقيق الأمن والديمقراطية وصياغة الدستور الجديد، وهذا يصب في مصلحة العراق ومصلحتنا جميعا ومصلحة مسيرة السلام برمتها في المنطقة".