الثورة العراقية مستمرة رغم الأكلاف الباهظة... وهذا الدور الايراني فيها!

منشور 29 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2019 - 07:15
ثورتَي 1958 في لبنان والعراق، والتي كان لهما بعداً سياسياً عربياً، انطلقتا من أسبابٍ اجتماعية واقتصادية
ثورتَي 1958 في لبنان والعراق، والتي كان لهما بعداً سياسياً عربياً، انطلقتا من أسبابٍ اجتماعية واقتصادية

 فوزي أبو ذياب 

 كان الرئيس العراقي الأسبق نوري السعيد، يصف الشعب العراقي بأنه "كالملح الفوّار الذي يفور عند وضعه في الماء، ثم لا يلبث أن يخمد". نوري السعيد الذي أطاح به الانقلاب العسكري الذي قاده المشير عبد السلام عارف، واللواء عبد الكريم قاسم في 14 تموز 1958، واستُكمل بثورةٍ شعبية أنهت النظام الملكي، وأسقطت حلف بغداد. نوري السعيد الذي ارتبط اسمه بحلف بغداد الذي انشأه الرئيس الأميركي، داويت ايزنهاور، لمواجهة المشروع العربي الذي قاده الرئيس جمال عبد الناصر بعد انتصاره على العدوان الثلاثي عام 1956، لمنع التمدّد الشيوعي السوفييتي إلى الدول العربية. حلف بغداد كان سبباً لاندلاع ثورة 1958 في لبنان، والتي قادها المعلم الشهيد كمال جنبلاط بوجه الرئيس كميل شمعون الذي تحالف مع نوري السعيد، وحاول إدخال لبنان في سياسة المحاور والأحلاف الغربية خلافاً لميثاقه الوطني.

ثورتَي 1958 في لبنان والعراق، والتي كان لهما بعداً سياسياً عربياً، انطلقتا من أسبابٍ اجتماعية واقتصادية ضد سياسة الفساد والاحتكار والتجويع، وكان من أولوية مطالبهما إسقاط النظام السياسي، وتغيير الطبقة الحاكمة، أي تماماً كحال ثورتَي لبنان والعراق 2019، واللتان تتشابهان في ظروفهما الإقليمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما تزامنتا في توقيت اندلاعهما بوجه سياسة الفساد والفقر، ومن مطالبهما إسقاط النظام، وتغيير الطبقة السياسية الحاكمة، ورفض التدخل الخارجي، ولا سيّما الإيراني في شؤون الدولتين.

ثورة الشعب العراقي، التي تدخل بعد أيام شهرها الثالث، بلغت تحولاً كبيراً في أساليب المواجهة. فمِن التظاهرات الشعبية المنظمّة، إلى محاصرة منازل النواب، ومراكز الشرطة والمحافظات والبلديات، وحرق القنصليات الإيرانية، إلى قطع الجسور والطرقات، إلى إحياء حفلات الرقص والغناء والرسم على الجدران، إلى مواجهة أشكال القمع المختلفة وتضميد الجراح، رغم سقوط العشرات من الشهداء واعتقال الآلاف من الناشطين، لم يتعب العراقيون، ولم تتمكن القوى الأمنية مدعومةً من الميليشيات المسلّحة من إخماد ثورتهم. لقد أسقط الشعب العراقي نظرية "نوري السعيد"، وأثبتَ أنه شعبٌ نابضٌ بالحياة والعنفوان، هادرٌ كجريان نهر الفرات، متجددٌ كانسياب نهر دجلة، ويتطلع إلى العيش الكريم رغم المآسي والمظالم والحروب التي مرّت عليه، ورغم سياسة القهر والتجويع والإذلال التي يمارسها الإيرانيون أمام أعينهم.

فالعراق الذي يُعتبر من أغنى دول العالم بالنفط، فإنه أيضاً من بين أكثر الدول فساداً في العالم، ومن أكثر الدول العربية فقراً في مدنه العديدة، حيث لا كهرباء ولا مياه نقية، ولا شوارع نظيفة، ولا مدارس متطورة. لا بل فإنه، ومنذ الاحتلال الأميركي له، وسيطرة النظام الإيراني وحلفائه على مؤسّساته بدعمٍ أميركي، تضاعفت نسبة السرقة، وزادت نسبة الفساد، وعمّت رائحة الفضائح والتدخلات، ولم تتحقق الوعود الانتخابية العديدة التي وعد بها الحكام. وهو ما دفع العراقيين للخروج إلى الشوارع مراتٍ عدة منذ العام 2015، إلّا أنهم هذه المرة قرّروا البقاء في الشارع ومواصلة ثورتهم واحتجاجاتهم حتى تحقيق مطالبهم. فمنذ الأول من تشرين الأول لم تهدأ ثورة الشعب العراقي، لا بل تمدّدت من جنوب البلاد إلى وسطها وشمالها، حيث يطالب الجميع بإسقاط النظام، وتغيير كامل الطبقة الحاكمة التي يعتبرونها فاسدة، كما يطالبون بكفّ يد إيران عن التدخل بشؤون بلادهم الداخلية، ويتهمونها بالفساد وبحماية الفاسدين.

لم يستمع رئيس الحكومة العراقية، عادل عبد المهدي، لصوت الشارع المنتفض، وذلك على عكس رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري، بل التزم بنصيحة إيران، ولم يتقدم باستقالته رغم مطالبة الكتل النيابية الداعمة له بضرورة تلبية مطالب العراقيين المحقة. ورغم دعوة المرجع الأعلى للطائفة الشيعية في العراق، السيّد علي السيستاني، السلطات العراقية إلى معاقبة المسؤولين عن أعمال القتل التي طالت المتظاهرين، وتأكيده على أهمية تحقيق مطالبهم، فإن عبد المهدي، هدّد وتوعّد المتظاهرين بقوله، "إن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام حالات قطع الطرق، والتهديد، وتعطيل الدراسة والجامعات من قِبل المتظاهرين الموجودين في الشوارع"، محذراً بلهجة تهديدية من "انهيار النظام، ومن صدامٍ أهلي خطير في البلاد"، لا بل فإنه أقدم على خطوةٍ غير مسبوقة تنذر بعواقب وخيمة، إذ قام بتعيين قادة عسكريين على رأس خلايا الأزمة في المحافظات المنتفضة، وهو ما يزيد من منسوب القلق تجاه ارتفاع حدة أعمال العنف التي تُمارس بحق المحتجّين.

وفي كلام شبيهٍ مثل ذلك الذي يتردد في لبنان على لسان حلفاء إيران، قال عبد المهدي في كلمة له خلال جلسة مجلس الوزراء إن، "الناس تريد أن تعود إلى مصالحها لأنها تضرّرت كثيراً. والدولة لا يمكن أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام مثل هذه الأمور وإلّا سوف ينهار النظام العام. وإذا انهار النظام العام فهذه خسارة للجميع، لأنه سيحدث صِدامٌ أهلي خطير". وأضاف أن، "التغيير لا يجري عن طريق التهديد ومنع شركات النفط والموانئ من العمل، وتعطيل الدراسة والجامعات، وقطع الطرق". وقال إن، "أي شخصٍ يقوم بقطع الطرق والجسور، والحرق، والتأثير على عمل الوزارات والمدارس ودوائر الصحة، يجب أن يُحاسَب على هذه الأعمال. ولا يمكن السكوت عن مثل هذه الأمور وفق القانون، ونحن مصمّمون على أن يفرض القانون نفسه ومجراه إلى جانب احترام حقوق المتظاهرين والإعلام، لكن لا نسمح بالتستر بالتظاهر والحرية، والاعتداء على الحقوق الأخرى".

كلام رئيس الوزراء العراقي يتناغم مع تصريحات المسؤولين الإيرانيين تجاه الانتفاضة الشعبية التي تشهدها إيران منذ رفع سعر صفيحة البنزين قبل أسبوعٍ تقريباً، والتي ترافقت مع عمليات قمع واعتقالات وعنفٍ شديدة، وكذلك مع تجييش شارع مؤيدٍ بوجه شارع معارضٍ لتبرير أعمال العنف، والتقليل من حجم الاحتجاجات، واتّهام المتظاهرين بالعمالة للخارج. وهذا ما شهدته أيضاً شوارع بيروت في الأيام الماضية من تظاهرات مسيّرة للدراجات النارية، والتي اعتدت على المواطنين المحتجّين وذلك بعد موجةٍ مركّزةٍ من التصريحات التي تطالب بفتح الطرقات، وتتهم المتظاهرين بالعمالة والإرهاب. 

وكانت مدنٌ عراقية جنوبية قد أُصيبت بالشلل التام، وذلك بعد قيام المحتجّين الغاضبين بإغلاق الطرق بالإطارات المشتعلة في البصرة، والنجف، وكربلاء، والحلة، والكوت، والناصرية، ومنعوا الموظفين الحكوميين من الوصول إلى أماكن عملهم. وفي البصرة  وضع المحتجّون حواجز إسمنتية تم طلاؤها بألوان النعوش تذكيراً بأقاربهم الذين قُتِلوا على يد السلطات العراقية. وفي النجف أضرم المتظاهرون النار في القنصلية الإيرانية وسط حديثٍ عن سقوط قتلى، وذلك بعد أن أعلنت السلطات حظر التجوّل في المدينة، وأغلقت جميع مداخلها مع المدن المجاورة.

أعمال العنف بين المتظاهرين وقوات الأمن أصبحت مشهداً شبه يومي في العراق، وكذلك ارتفاع أعمدة الدخان الأسود الكثيف في مدن الجنوب بسبب قيام المحتجين بإحراق الإطارات لإغلاق الطرق الرئيسية والجسور، بينما قوات الأمن تطلق النار بالذخيرة الحيّة، ويردّ المحتجّون الذين يرتدون خوَذاً، ويغطّون وجوههم بشالاتٍ رقيقة، برمي قناني المولوتوف والحجارة. وفي خضم تلك الفوضى يجدّد المتظاهرون التأكيد على مواصلة تحرّكهم. ويقول أحدهم، "سنرجع إلى منازلنا بالتوابيت". ويقول شخصٌ آخر، "ليس لدي عمل ولا مال، لذا أنا باقٍ هنا في كل الأحوال. البقاء هنا أو في المنزل هو الأمر نفسه بالنسبة إلي".

وفيما لم يتجاوز عدد ضحايا الأزمة اللبنانية أصابع اليد الواحدة، فإن ما لا يقل عن 330 شخصاً قُتلوا في العراق منذ بدء الاضطرابات، فيما تجاوز العدد أضعاف ذلك في إيران.

صورة الاحتجاجات في العراق التي تتشابه مع صورة الاحتجاجات اللبنانية والإيرانية، مع فارق طبيعة المجتمع وتنوّعه وأسلوب عيشه، تحمل الإصرار نفسه على الاستمرار والثبات في ظل غياب أي أفقٍ سياسي لحلٍ قريب، وحيث يتوقّع العديد من المتابعين استمرار الأزمة وتصاعدها في الدول الثلاث على امتداد الأشهر الستة القادمة، وحيث عملية عضّ الأصابع مستمرة إلى حين دخول الحملات الانتخابية الأميركية حيّز التنفيذ، وهو ما يستدعي حينها تهدئة الساحات المشتعلة المؤثّرة في الرأي العام الأميركي، ووفق تسوية مؤقتةٍ تُحتسب على أساس مجموع النقاط التي كسبها كل فريق.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك