الحريري استودع الله لبنان وشعبه وذهب الى مثواه الأخير

تاريخ النشر: 17 فبراير 2005 - 06:25 GMT

"استودع الله سبحانه وتعالى هذا البلد الحبيب لبنان وشعبه الطيب"، بهذه الكلمات انهى رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري استقالته من الحكومة في تشرين الاول/اكتوبر الماضي وذهب راضيا مرضيا الى منزله واليوم يودع لبنان والعرب والعالم رجل السلام والاعمار.

ختم اليوم رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري مسيرة ستون عاما من حياته قطعها من فلاح بسيط الى رجل دولة من طراز نادر في الوطن العربي.

انتقل من صيدا فلاحا بسيطا منتميا الى حركة القوميين العرب الى المملكة العربية السعودية ليعيل اسرته وبمثابرة رجل عصامي نهض بنفسه لينهض لاحقا بلبنان من ركام الحرب الاهلية والحريري ليس فقط الزعيم اللبناني الوحيد الذي لم ينخرط بالحرب الاهلية بل هو الذي وضع لها حدا واعاد اعمار البلد وخاصة قلب بيروت الذي سيحتضنه اليوم.

الشيخ رفيق الحريري دخل الى لبنان من بوابة الحداثة ليدرك لاحقا ان مشروعه يحتاج ركيزة في بلد تتنازعه الطائفية اتكأ على طائفته "ليتكىء عليه وطن"، شكل جسرا بين اللبنانيين انفسهم وبين اللبنانيين وسوريا وبين اللبنانيين والعرب وبين لبنان وسوريا والعالم. كان رجل سلام واعتدال فلا هو قطع مع السلطة والموالاة ولا هو انخرط في معارضة اقصوية واستعانت به سوريا كثيرا لكبح جماح الضغوط الدولية خاصة في رحلته الأخيرة الى واشنطن.

رفيق الحريري يختم رحلته اليوم رحلته الصعبة في قلب بيروت في موكب شعبي رفض اهله مشاركة السلطة التي وان كانت لم تقتله فلقد حرضت عليه بلسان رئيس وزرائها ووزير داخليتها ونوابها وان لم تكن حرضت عليه فقد عجزت عن حماية رجل حما لبنان من حمى الحرب والسيارات المفخخة والقتل اليومي.

رفيق الحريري يدفن اليوم في مسجد محمد الامين في قلب العاصمة التي احب واعاد بعثها من الدمار في المسجد الذي ما كان سيرفع به اسم الله لولا ان عمره من ماله الخاص.

من كل لبنان توافد الالاف من اللبنانيين لوداع الرجل الذي وان اختلفوا معه في بعض ايامهم ولكن ما كرهوه وما بغضوه ولا انفضوا من حوله. وهم اليوم يستودعنه الله بعد ان استودعهم ومضى الى حنان الله وسعت رحمته ومغفرته الذنوب جميعا.

صديقه الكبير الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، رئيس الوزراء المصري احمد نظيف، رئيس وزراء المغرب ادريس جطو، مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الاوسط وليم بيرنز، ممثل الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا، الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى، ممثل الامم المتحدة الاخضر الابرهيمي، رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد، وزير خارجية المملكة العربية السعودية الامير سعود الفيصل، وزير الشؤون الخارجية الفلسطيني نبيل شعث، وزير النقل العراقي لؤي العريس، وزير خارجية اليمن ابو بكر القربى، وزير داخلية البحرين، والشيخ ناصر صباح الاحمدالصباح المستشار الخاص لولي عهد الكويت ونجل رئيس الوزراء.هؤلاء من بين من وصل الى بيروت امس ليودعوا شهيد لبنان والعرب والعالم.

من منزله في قريطم الى مسجد محمد الامين ستمر جنازة الراحل الكبير وسط غضب وحزن شديد وحيرة ورعب من مستقبل بلد ذاق ويلات حرب طويلة.

بفيض من الدموع وبين مصدق وغير مصدق يودع لبنان شهيده الكبير "رجل السلام والاعمار" وفي طريقه من منزله الى مسجده الذي عمر لن يشاهد الحريري ما انجزت أياديه البيضاء في مدينته التي احب وبادلته الحب بالوفاء فاختارته مرات ومرات نائبا لها وهي اليوم تحمله على اكف شبابها وسيبها الى مثواه وتستودعه رحمه الله العالم بقلوب الناس ولكن قلب الحريري كان دائما على بلده عمل فاصاب واخطأ وله من كل ذلك نصيبان او نصيب.

وفوق جثمانه ومن شرفات منازلهن التي اعاد اليها زهورها بعد ان سكنها الموت خمسة عشر عاما سترش نسوة بيروت الارز وسيتساقط دمعهن رذاذا ناعما على رؤوس مشيعه وعلى جثمانه المغطى بعلم لبنان سيتناثر ورد البيروتيات الابيض بعد ان اضاء ليل لبنان بعد الحرب السوداء.

توقف قلب الحريري عن الخفقان بعد ان اوقف هدير المدافع وازيز الرصاص مستخدما كل اسلحته البيضاء، ماله وفكره وعلاقاته واخيرا روحه وجسده.

لبنان يستودع الله الحريري يستودع رجلا اكبر من السلطة رجلا جبل من طينة مختلفة جبل من صلصال اخضر فكانت كفه خضراء وقدمه خضراء على لبنان وعلى دول عربية اخرى.

الحريري رجل يتفق عليه ويختلف معه، يمتدح كثيرا وينتقد اكثر، ولكن يبقى الشيخ رفيق الحريري من صلصال أولئك الرجال الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا انفسهم عليه وما عاهدوا الله عليه ولكنه لم ينتظر طويلا لم تمهله الحياة ليرى جنى يديه ويمتع بصره ببلد خرجت معه وبه من ظلمات الحرب الى نور السلام.

رفيق الحريري لست الها ولست نبيا ولسنا من عباد الفرد ولا من وارثي الاستبداد الشرقي ولكن من حقنا ان نحزن على رجل امن بالحرية والديمقراطية والسلام والحوار واكتسب شرعيته بالانتخابات والانجازات.

رفيق الحريري لن يكفيك ان يقام لك نصبا فبيروت التي اعدت اعمارها تقف طودا شامخا شاهدا على ما اشادته أياديك مشدودة الى ايادي الملايين من ابناء شعبك.

رفيق الحريري يمضي الى قلب بيروت التي حولها جنة على الارض ونرجو من الله ان يسكنه فسيح جنانه.