الخطوط الهاتفية السورية مشغولة : إنها قراءات لوحة الحرب

تاريخ النشر: 01 أغسطس 2006 - 09:46 GMT
دمشق: نبيل الملحم

ضربات متوالية على الخط الدولي مابين دمشق- بيروت، وتظاهرات محتجة على الصمت العربي في الشارع السوري، وأخيرا تصريحا للرئيس بشار الأسد برفع جاهزية الجيش، وفي مجلة الجيش ويوم عيده.

وبالمقابل، تحذيرات أمريكية متواصلة لسوريا ، آخرها ماقاله الرئيس جورج بوش في ميامي، بالتزامن مع إعلان إسرائيلي يقول بعدم نية توسيع الحرب باتجاه سوريا، وكل شئ من الصورة يحمل الاحتمالات المتباينة حين يأتي السؤال:

هل ستنتقل الأعمال الحربية في خطوة لاحقة باتجاه سوريا، أم سيسبق وقف إطلاق النار في لبنان الخطوة ويجعلها مؤجلة أو لاغية؟

الموقف الرسمي السوري المتحفظ إزاء أي تصريح بهذا الاتجاه، يتباين إلى حد بعيد مع المواقف الشعبية في العاصمة السورية وأطرافها، فقد بات الشارع السوري جزءا من المشهد الحربي عبر ماتنقله الفضائيات، بما وضع الناس السوريين تحت وطأة الإحساس بالحرب،وهو إحساس تعبيراته تمتد من الجلسات المنزلية وصولا إلى المقاهي، عبورا بالاتصالات الهاتفية التي تبدأ السؤال بـ : آخر أخبار الحرب والتوقعات حولها، ليكون على الطرف الآخر من يبدأ الإجابة مستعينا بمجموع القراءات التي تقدمها الفضائيات العربية ،والتي أظهرت خلال فترة الحرب على لبنان عشرات الشخصيات العملاقة على المستوى الفكري والاستراتيجي، ومن مواقع متباينة ومتناقضة ، في تباينها وتناقضها بقيت محافظة على قاسم مشترك واحد وهو التماسك المنهجي والفكري،خصوصا من الشخصيات اللبنانية،والتي تؤكد أن هذه القطعة الصغيرة من العرب، هي بالإضافة لكونها قد صنعت فنا خلاقا تعبيراته في الرحابنة واشتقاقاتهم، كذلك كانت معملا لإنتاج مفكرين وسياسيين، عجزت أيام الحرب الطويلة عن استهلاكهم، وهو ما سيدفع السوريين وخصوصا المثقفين منهم، لتحولات واضحة في خطابهم السياسي ،وتحليلهم السياسي،والانتقال من الأفكار الشمولية المنطلقة من العقائد الجاهزة، إلى شئ من دينامية تضع المتحول في حسبانها، لتبني افتراضاتها على المحتمل لا على حزمة اليقينيات التي فككتها الحرب، والتي تسمح بهامش واسع من قراءة السيناريوهات،خصوصا ما يترتب منها على بلدهم بشكل مباشر وان كانت الحرب على لبنان تطالهم في مجموع عناوين، منها الدور الإقليمي لبلدهم إبان الحرب وما بعدها، وما الذي سيبقى وما الذي سيتناثر، وكيف سيكون الحال إذا ما انتصرت المقاومة اللبنانية، وكيف سيكون إذا ما حدث العكس، ودورهم في القوة، وما هي عوامل قوتهم، وأين الضعف في الموقف، وماذا لو انتقلت الحرائق إلى بيوتهم ، وهل ستدخل الحرائق من الأبواب أم من النوافذ، وإذا ماد خلت من النوافذ فهل بالوسع محاصرتها خاصة وأنها تعني إشعال الحروب الأهلية والتفكيك بصفته واحدا من قناعتهم المتصلة بغايات السياسة الأمريكية ؟

وبالنتيجة سيعود السؤال إلى اللحظة بعد أن يتسع إلى المستقبل، اللحظة محددة بسؤال:

- هل ستنتقل الحرب خلال الأيام القادمة من لبنان إلى سوريا؟

السوريون، يقرؤون اللوحة من قطع متناثرة في البازل الذي يعملون على تجميعه

أولى القراءات نفي احتمال انتقال الحرب إليهم ويعتمدون في هذا الاستخلاص على معطيات هي:

إن إسرائيل ن تعمل على إنهاك قواتها على جبهتين والجبهة الفلسطينية في الداخل الفلسطيني قد تعني جبهة ثالثة

لن تدخلها بدافع الردع الإيراني والذي سيتدخل لحساب سوريا بصورايخه بعيدة المدى

لأن الحرب تعني استبدال الهادئ على الجبهة السورية الهادئة منذ أربعين عاما وتحويله إلى مشتعل بما يحمل من احتمالات

لأن لحرب قد تعني إلحاق الهزيمة بسوريا الراهنة، ما سيقود إلى ظهور سوريا الأخرى .. سوريا التيارات المتشددة التي ستعيد إنتاج العنف في المنطقة وأول استهدافات الحركات الراديكالية سيكون إسرائيل

أما عن العامل الأمريكي فلا بد وأن يخسر كثيرا في العراق، إذا ما فتحت إسرائيل النار على سوريا، خصوصا وأن النفوذ الإيراني مازال واسعا على شيعة العراق الجاهزين لخوض معركتهم بمواجهة (الشيطان الأكبر) لتخسر الإدارة الأمريكية في العراق ما ستكسبه في الحرب على سوريا، ولهذا يستبعدون خيار الحرب

الحرب على الباب،وستدخله من الباب، و .. حالا، وهذه قراءة ثانية، والقراءة تعتمد على معطيات وفي المعطيات:

-إن الحرب ليست حرب إسرائيل وإنما هي حرب أمريكية بالذراع الإسرائيلي،والمشروع الأمريكي في المنطقة إما أن يكون شاملا للمنطقة برمتها، وبالتالي إما أن ينجز شرق أوسط جديد أساسه إسقاط سوريا، وإما أن يسقط المشروع الأمريكي

- أن الوضع لعالمي الذي سمح بمجزرة قانا وتهجير ثلث سكان لبنان، سيغض النظر عن قصف دمشق، ومجلس الأمن الدولي سيكون مكبلا أمام قصف دمشق كما كان مكبلا إزاء أقنية الدم التي حفرها الطيران الإسرائيلي في لبنان

والعامل الثالث الذي تجد الحرب طريقها عبره إلى دمشق، سيبدو من وجهة النظر هذه متكئا على عوامل إستراتيجية بعيدة المدى، أساسها تقسيم المنطقة عبر الحروب، فالاستهداف ليس لسوريا النظام، وإنما للجغرافية السياسية فإسرائيل لن تكون إسرائيل مادامت متجاورة مع دولة وطنية، أي كانت طبيعة النظام الحاكم فيها، ويستدلون على هذا بمصر التي ماتزال إسرائيل تضعها في الخندق المعادي، بالرغم من كامب ديفيد ومعاهدة السلام.

ضفتين ورصيفين على جانبي الخط الهاتفي الواصل مابين اثنين في دمشق، الخط الثالث الذي قد يحمل معطيات من الخطين معا يقول:

ستطلق إسرائيل بوالين اختبار فوق العاصمة دمشق، كأن تقصف مواقع ومنشآت اقتصادية، بحيث تضع البلاد أمام اختبار، فان جاء الرد العسكري السوري متقدما، ستفتح الحرب أبوابها، وان ترددت سوريا في الرد، فستضع البلاد أمام حالة من الإذلال، تجعل السوري ثانويا في أي خطوة سياسية لاحقة تمس مصيره في منطقة تتقاذفها الاحتمالات.

الخطوط الهاتفية مشغولة دائما في دمشق، وكذلك المقاعد الممتلئة لناس محتقنين بالفرجة على المشهد اللبناني الدامي المشهد الأقرب إليهم من مسافة ذراع