الدين والتدين- الإسلام أنموذجاً

منشور 04 آذار / مارس 2019 - 11:17
د. عدنان عويّد
د. عدنان عويّد

د. عدنان عويّد
الدين في سياقه العام, هو جملة العقائد والرؤى والتصورات ولأفكار والمبادئ والرموز والطقوس التي يؤمن بها الإنسان ويعمل عبرها دائما على إعادة هيكلة نفسه وحياته المادية والروحية وفقا لأهداف متعالية وغايات نهائية قد حُددت له بشكل مسبّق من قبل سلطة عليا فوق قدراته وإمكاناته. وهذه السلطة العليا تختلف في طبيعتها وجوهرها وتعاليمها بين دين وآخر عبر التاريخ.
والدين أي دين عندما يتحول إلى أيديولوجيا, تصبح له وظائف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية بالنسبة لحياة الإنسان, وفي مقدمة هذه الوظائف, ربط الإنسان بالإله والعمل على نشر وتطبيق تعاليمه وأحكامه من قبل القوى التي حولت هذا الدين إلى أيديولوجيا, متكئين في دعواهم هذه على كل ما يحمله النص الديني من أبعاد وقيم إنسانية نبيلة تدعوا إلى الخير والمحبة والعدل والمساواة والحفاظ على حياة هذا الإنسان بكل دلالاتها ومكوناتها ويأتي في مقدمتها دمه وماله وعرضه وحق العيش في هذه الحياة عيشة كريمة. وعلى الرغم من أن هذه الوظائف أو المقاصد الدينية تتمدد أو تتقلص أثناء الممارسة, حيث تخضع هذه التعاليم الدينية لمصالح القوى التي توظف هذا الدين لمصالحها, ويأتي في مقدمة هذه القوى, القوى الحاكمة ومن يساندها أو يقف معها من رجال الدين.
أما بالنسبة لـ "التدين" عند عامة الناس البسطاء, فيبقى له طبيعته التي غالباً ما تخرج عن إسار الأيديولوجيا بالرغم من دخول الدين في كل مسامات حياة الإنسان. ففي حالة التدين الذي يعني في سياقه العام شكلاً من أشكال انتماء الإنسان وإيمانه وممارسته للخطاب الديني, بناءً على ما وصل إليه فهمه لهذا الدين من مصادره الأصلية (النص المقدس) مباشرة, أو بناءً على ما تعلمه في مؤسساته التعليمية, أو ما فُسر وأُول له من هذا النص الديني عن طريق مشايخ وعلماء هذا الدين, بكل انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والطرقية, بما يتوافق ومصالح هؤلاء المادية والمعنوية, وكذلك الحفاظ على هذه المصالح وتنميتها وتطويرها. وغالباً ما يتسم هذا التدين بسمات خاصة أهمها:
1- استغلال المقدس والاحتفاء به بشكل عفوي.
2- توظيف الخوارق والخرافة لتأكيد مسائل قيمية.
3- مواجهة العلم في أغلب الأحيان بما يحمله النص الديني من أفكار عن خلق الكون وحركته وآلية عمله .
4- الانتقائية في التعامل مع النص الديني وبت هذا النص أو الآية من سياقها العام عند توظيفها.
5- الاعتماد كثيراً على النقل وإقصاء العقل.
6- الأخذ بعموم اللفظ على حساب خصوص السبب في فهم النص الديني وتفسية وتأويله.
7- التركيز كثيراً على القص الديني في التراث لتثبيت قيم وسلوكيات السلف الصالح الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف.
8- المحافظة على الشكليات في الدين, كاللباس والطعام وطرق تعامل الناس مع بعضهم, ومناسك أو طقوس الدين والتعبد.
9- سيادة روح التسامح والعفو بين الناس أثناء تعاملهم بإسم الدين وقيمه, وغير ذلك.
من هذا المنطلق في فهمنا للدين والتدين, نستطيع التأكيد هنا على أن التدين في سياقه العام, هو محاولة أو محاولات دائمة من قبل الإنسان لخلق حالات من التطابق بين واقعه المتغير والمتحرك والمتبدل باستمرار, وبين سلطة النص الديني المقدس المفروض عليه من خارج التاريخ, بالرغم من قوة الواقع وحركته المستمرة التي غالباً ما تفرض نفسها على جوهر هذا الدين, الأمر الذي يدفع الناس إلى التمسك بأهداب الدين والمتاجرة بشكلياته خدمة لمصالحهم على حساب الجوهر الذي يتعارض في الحقيقة مع غرائز الناس ومصالهم الأنانية, وهذا ما تعبر عنه الآية الكريمة: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ.). الصف -3.
إن هذا السعي الدائم من قبل الإنسان لخلق حالات التوافق هذه بين مصالحه وحاجاته المستمرة والمتجددة دائماً, وبين النص الديني الثابت, جعلته يتجه في طريقين, أو يتخذ موقفين اثنين هما:
أولاً: الموقف الجبر الذي لا خيار فيه لهذه الإنسان إلا الخضوع لسلطة هذا النص المقدس, والسير وفق أوامره التي فهمها أو فسرها وأولها له أجداده من السلف بعد أن أقفل باب الاجتهاد كما هو الحال في الدين الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر, وبالتالي العمل دائماً على ليّ عنق الواقع في كل حركته وتبدله كي ينسجم مع تفسير وتأويل هذا النص المقدس, كما فسر وأول في العصور الوسطى, حتى لا تكون هناك بدعة في حياة الإنسان التي ستؤدي بدورها إلى الضلالة فالكفر, وهذا ما يؤدي في النتيجة إلى حدوث شرخ عميق بين ما يعيشه الإنسان وبين ما يؤمن به أو يفكر فيه. وعلى أساس هذا الموقف المتناقض بين الفكر والممارسة يأتي الشطح والهروب من الواقع عند المتصوفة والفرق الباطنية, أو التطرف ومحاربة المختلف بعد تكفيره وإخراجه من الجماعة أو الفرقة الناجية عند دعاة الحاكمية. وفي مقابل هذا الموقف الجبري يأتي:
ثانياً: الموقف القدري, الذي يمنح حرية الإنسان وإرادته الدور الكبير في إعادة تفسير وتأويل النص الديني وبالتالي تسخير العقل لإعادة النظر دائماً في النص المقدس, من خلال حكم العقل على هذا النص وفتح دلالاته اللامحدودة, على كل قضايا الحياة, خدمة لمصالح الإنسان وحاجاته التي لا تنضب, وفي هذه الحالة العقلانية في التعامل مع النص الديني, يأتي التوافق بين الفكر والممارسة في حياة الناس الفكرية والعملية, ويخضع النص في جوهره الإنساني لمصالح الناس ومراعاة خصوصيات الفرد والمجتمع, شريطة أن تراعى في هذه الحرية المقاصد الأساسية للدين طالما هي تهدف إلى احترام إنسانية الإنسان وتعمل على تنميتها وتطورها.
أمام هذه المعطيات يتبين لنا كما أن للدين وظائفه, فللتدين وظائفه أيضاً يمارسها الإنسان في حياته, وتتحد طبيعة صحتها أو خطأها وفقاً لدرجة وعيه وتفسيره أو تأويله للنص الديني, ولمصالحه وموقفه من الحياة والآخرة معا.
أهم وظائف التدين:
أولاً الوظيفة اللاهوتية للدين: وهي وظيفة تحدد طبيعتها ودلالاتها ودرجة عمقها علاقة الإنسان بالدين ذاته, لذلك, هي تتمظهر واضحة في حديثه وعلاقاته مع الآخرين وسلوكياته وطريقة لباسه وممارسته للطقوس الدينية. فهي عند المؤمن البسيط لا تتعدى تأدية الفرائض الدينية من صوم وصلاة وزكاة وصيانة لسانه وفرجه والتمسك ببعض طقوس ورموز هذا الدين, وإن استطاع فالحفاظ أيضاً على حقوقه وحقوق الآخرين المادية والمعنوية وفقاً للمعايير الأخلاقية والشرعية التي حددها أو شرعها الدين. أما عند الرجل الذي نذر نفسه لدينه وربه, فهي تأخذ بعداً وشكلاً آخر أكثر تطرفاً, وغالباً ما تتجلى هذه الحالة عند المتصوفة العرفانيين. فالمتصوف يعتبر الوظيفة الدينية لديه ذات أبعاد روحية ومعرفية (غنوصية), تدفع الإنسان إلى التخلي عن معظم ما هو محسوس في هذه الحياة, كي يتفرغ لعبادته ومناجاته لله التي تُوصل البعض من رجال التصوف إلى مرحلة الشطح أو التطرف فكراً وسلوكاً, إن كان من حيث لباسه, أو حديثه, أو تفكيره, أو موقفه من الحياة المادية, أو النظر في حاجاته ورغباته, أو في رؤيته الفلسفية تجاه الله. هذه الرؤية التي توصله إلى مرحلة وحدة الوجود, أو التوحد مع الله. وتاريخ التصوف ألعرفاني يعطينا نماذجاً لهذا النوع من التطرف نجدها عند الحلاج وذي النون والسهروردي ورابعة العدويّة وابن عربي وغيرهم الكثير. فمثل هؤلاء تركوا الحياة بما فيها وسلكوا طريق الجوع والتقشف ولبس الصوف والتوجه نحو الله بأرواحهم التي تسامت عن كل محسوس وغريزي. الأمر الذي جعل الكثير من معاصريهم, وبخاصة من كان لهم وظائف دينية تخدم السلطات الحاكمة, يجدون في هؤلاء المتصوفة خطراً على الدين نفسه من جهة, وخطراً على سلطة الحاكم الذي غالباً ما كان مستبداً, كونهم قد لمسوا عند هؤلاء المتصوفة العرفانيين مواقف تميل للفقراء والمحرومين والتضحية من أجلهم, وهذه المواقف تُهدد معاقل الحكام ومن يُسبح بحمدهم من جهة ثانية. وهذا ما أدى إلى قتل الكثير من هؤلاء تحت ذريعة الشذوذ والتطرف والشطح في الدين.
ثانياً: الوظيفة السياسي للدين: هي وظيفة متعددة الأغراض, يمكننا تحديد أبعادها في التالي:
1- الوظيفة الدعوية: وهي وظيفة يقوم بها رجال دين متخصصون في دراسة العقيدة وأصولها وأحكامها الشرعية, وغالباً ما يوظف هؤلاء الدعاة الذين يفسح لهم المجال واسعاً لنشاطهم الدعوي في الجوامع وقنوات الإعلام, من أجل نشر فكر ديني محدد غالباً ما يصب هذا الفكر نهاية المطاف في خدمة القوى السياسية الحاكمة ومنحها الشرعية.
2- الوظيفة المدخليّة: وهي وظيفة يؤديها أيضاً نخبة من مشايخ ورجال الدين المتخصصين في فهم العقيدة, وهذه الوظيفة تتجسد في خدمة مؤسسات الدولة الدينية, فهم موظفون دولة يؤدون وظائف دينية خدمة لهذه الدولة وما تمثله من قوى حاكمة, يقتصر دورهم في الظاهر على نشر القيم والرؤى الدينية التي تدافع عن السلطة وتبرر أو تشرعن لها أعمالها بإسم الدين, وكثيراً ما يستغل رجال ومشايخ هذا التيار الديني الفسحة الواسعة لحركتهم الدينية فكراً وممارسة كي يقوموا بنشر الفكر السلفي الأصولي التكفيري من خلال دروسهم الدينية في الجوامع وعبر وسائل الإعلام المتاحة لديهم وغير ذلك من مؤسسات دينية, ونتائج هذا النشاط تجلت واضحة في ما سمي ثورات الربيع العربي, كما هو الحال في سورية حيث تجلى هذا الدور التسيسي للدين واضحاً من مواقف من حَمل لسلاح ضد الدولة وكثرة عددهم وتوجهاتهم الفكرية.
3- الوظيفة الجهادية للدين وتشمل:
أ- الوظيفة الجهادية التكفيرية: وهي وظيفة تؤديها قوى اجتماعية غالباً ما تكون ذات طابع تنظيمي أو حزبي, تعمل خارج نطاق الدولة, وتتخذ في حركتها التنظيمية والجهادية طابعاً سرياً.
تنطلق وظيفة هذا التيار, من أن هناك خالقاً لهذا الكون بكل ما فيه وعلى رأسه الإنسان, الذي خلقه الله فسواه فعدله, وبالتالي رسم له طريقه في لوح محفوظ من ولادته حتى مماته, وهو الذي أنزل عليه القرآن ليبين له ماذا له من حقوق وما عليه من واجبات, وبالتالي ما عليه إلا أن يطبق ما جاءه في هذا القرآن, الذي عرفت فيه الأجيال الأولى من الصحابة الصراط المستقيم, وعليه الاقتداء بهم والخلاص من كل مفاهيم الجاهلية (الوضعية) التي ابتدعها الإنسان وادعى بأنه قادر بها أن يحدد مصيره بنفسه. ومن خلال هذا المنطلقات جاءت الحاكمية ومن هم مسؤولون عن تطبيقها من النخب التي نذرت نفسها لفهم هذه العقيدة والعمل على تطبيقها فكراً وممارسة ولو بحد السيف, وبالتالي فكل من يخرج عن هذه الحاكية فكراً وممارسة فهو كافر وخارج عن الدين يُحل دمه وماله.
ب - الوظيفة الجهادية العقلانية: نجد في هذا الاتجاه تياراً آخر في هذه الوظيفة الجهادية, وهو التيار أو الاتجاه المقاوم, الذي اتكأ دينياً على العقل وحرية الإرادة الإنسانية, والقدرة على فتح النص المقدس بكل دلالاته الإنسانية, حيث وجد في الدين منهجاً إنسانياً وروحياً قابلاً لفهم الحياة في كل مستجداتها ومستوياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية, وأهم قضية هي القدرة على تطبيق مقاصد الدين الأساسية في حفظ حياة الإنسان وماله وعرضه وأرضه. تُمثل هذا الاتجاه في الحقيقة القوى الليبرالية وبعض الفصائل السياسية الإسلامية التي اعتبرت الجهاد ضد عدو الخارج وفي مقدمته الكيان الصهيوني وقوى الامبريالية والاستبداد جوهر عملها ونشاطها القائم على الدين.
ثالثاً: الوظيفة الاجتماعية (السوسيولوجية): وهي وظيفة تقوم على أسس أخلاقية في الغالب, حيث أن الأخلاق الدينية هنا ذات طابع معياري, وهي صالحة لكل زمان ومكان, كونها ذات طابع رسم حدودها النص المقدس, وبالتالي فإن التمسك بها وتأديتها, سيضفي طابع المصداقية على من يتمثلها. من هنا تأتي وظيفة الدين الاجتماعية, ذات طابع براغماتي (نفعي) في الغالب, إما لإرضاء الله والحصول على مكافأة الجنة, أو لإرضاء المجتمع وتحقيق منافع شخصية حياتية. فكم من إنسان حج إلى بيت الله كي يستغل صفة (الحاج) التي تعطيه مصداقية أمام المجتمع وعلاقاته. وكم من إنسان كان منحرفاً في أخلاقه فتاب إلى الله, واستطاع بتوبته تبيض صفحة أخلاقه بتربية دقنه وحمل سبحته ومسواكه, أو في صلاته وصيامه. ومع ذلك فنحن لن نعدم بعض المواقف الدينية الصادقة النابعة عن تمثل حقيقي لقيم الدين, ولكنها قليلة.
رابعاً: الوظيفة الثقافية: وهي برأي الوظيفة الأكثر تعقيداً, والأكثر خطورة على حياة الفرد والمجتمع, كونها تشكل حاجزاً أمام إبداعات الإنسان. فالثقافة كما نعرفها هي كل ما قام الإنسان بإنتاجه تاريخياً عبر علاقته مع الطبيعة المجتمع من قضايا مادية وروحية بما فيها قابليات الإنسان ومهاراته الفكرية والعضلية التي اكتسبها عبر تلك العلاقة التاريخية. وإذا كان الدين كما جاء في النص المقدس يسمح بالحصول على المعارف الدنيوية وطلب العلم من المهد إلى اللحد, وهو لا يدخل في نطاق الكفر وانكار الخالق, واعتبر العلماء بمثابة الأنبياء, فلا مشاحة إذاً بممارسة النشاطات العلمية أو الثقافة في الزراعة والصناعة والتجارة, والفن والأدب والفلسفة وتشغيل العقل ومهاراته في التحليل والتركيب من أجل ابتداع الحلول الكفيلة لتخليص الإنسان من سيطرة القوانين العمياء في الطبيعة والمجتمع, ونؤكد هنا على القوانين الاجتماعية التي يخلقها الإنسان بنفسه أثناء إنتاجه لخيراته المادية والروحية, حيث يتحقق ضياعه وغربته واستلابه وتشييئه وعذاباته عبر هذا الإنتاج. بيد أننا نجد بعض القوى الدينية السلفية الظلامية المعاصرة التي تفهم الدين وتفسره أو تأوله بعقلية القرون الوسطى وما حملته تلك القرون من صراعات فكرية ذات طابع مذهبي وسياسي ما بين أهل العقل والنقل, ما بين أهل الجبر والقدر, حيث تحارب هذه القوى الجمودية الامتثالية كل جديد تفرضه طبيعة الحياة ويعبر عن القيم الإنسانية الإبداعية النبيلة. فهي تحارب الفن الذي يمثل جسد الإنسان, كون هذا التجسيد برأيهم يمثل حالة وثنية قام الإسلام بمحاربتها, وبذلك قتلوا إبداعات الإنسان الفنية تحت مفهوم الحرام. وهذا ينطبق على رجال القانون, حيث اعتبروا أراءهم والقوانين التي يسنونها هي خارج النص الشرعي الذي سنه الله وتحدي له. وهذا ينطبق على محاربة الفلسفة التي تحرك عقل الإنسان وتفسح المجال أمامه في التحليل والتركيب لكل الظواهر التي يتعامل معها ومنها الدينية ذاتها, كما تجعل الإنسان يتساءل عن لماذا ظهرت هذه الظاهرة ؟, وكيف؟. وأين؟ وهي أسئلة وجد فيها أصحاب هذا الفكر الديني الظلامي خروجا عن الفهم السلفي للنص الديني كما فهمه مشايخ الطرق والفرق والمذاهب, الذين طالبوا المسلمين أن يستسلموا لتفسير وتأويل النص كما فهمه هؤلاء المشايخ, واعتبروا أصحابه ومن تبعهم هم الفرقة الناجية, وكل من يخالفهم في التفسير والتأويل كافر ومن الفرق النارية التي يُحل دم ومال أتباعها. من هذا المنطلق الفكري الجمودي الوثوقي, قالوا إن الفلسفة تؤدي إلى الإلحاد, وكذلك حاربوا الفن القصصي, تحت ذريعة أن القرآن يقص علينا أحسن القصص.. وهكذا نجد بمثل هذه الوظيفة القمعية للثقافة بإسم الدين, قد تم القضاء تاريخياً على أهم إبداعات الإنسان ومهاراته الفكرية التي سمح النص الديني نفسه ضرورة استخدامها في التعامل مع النص الديني ذاته والبحث عن حقيقته, (ألا يفكرون, ألا ينظرون. الخ.) ثم أن هذه المهارات الفكرية وحدها من يستطيع العودة به دائماً إلى مرجعتيه الإنسانية, لتفسح في المجال واسعاً أمام ثقافة المحبة والتسامح واحترام الأخر والاقبال على الحياة الدينا اقبالا خيراً واعتبارها طريقا صالحا للآخرة, على اعتبارها متاعاً يدخر فيها الإنسان كل الخير لأخرته. إن ثقافة الكره والظلام والجمود التي تعمل القوى السلفية التكفيرية على تعميمها اليوم, هي ثقافة ما ضوية تجاوزها الزمن منذ ألف عام ونيف, هذه الثقافة التي أُعطيت صفة التقديس, وتحولت مع مرور الزمن عند دعاتها إلى جزء من التكوين النفسي والأخلاقي والوجداني والمخيالي للفرد والمجتمع, بل جعلت في الحقيقة من يسيرون في ركابها يعيشون حالات من الانفصام والازدواجية ما بين قيم العصر الذي يعيشونه, وهي القيم التي تفرض نفسها بالقوة على حياتهم اليومية المباشرة, وبين قيم الماضي التي تغذي قلوب وعقول الناس عبر المدرسة والإعلام والجامع, كي تعمل دائماً على إعادة إنتاج عالم الغيب بديلاً من عالم الشهادة, عالم كره الحياة بدلاً من عشقها, عالم حور العين وسواقي الخمر والعسل واللبن, وجنان الخلد, بدلاً عن عالم الأرض التي أمر الله تعالى أن يكون الإنسان فيها خليفة له ويعمل على إعمارها وتحقيق سعادته فيها, من منطلق اعمل لدنياك كآنك تعيش أبداً, واعمل لآخرتك كآنك تموت غداً.
كاتب وباحث من سورية
d.owaid333d@gmail.com


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك