الذكورة عندما تستلب عقل المرأة العربية!

منشور 03 أيلول / سبتمبر 2007 - 06:55

تتحدث ام جمال بزهو عن "حماشة" زوجها، وعن الرعب وصمت القبور اللذين يسودان البيت لحظة دخوله اليه عائدا من المنجرة في المساء.

ثم تمط شفتيها موسعة ابتسامة فخورة وهي تتحدث عن ابنها ذي العشر سنوات، والذي يحاكي تكشيرة ابيه ونبرته الزاجرة عندما يخاطب اخواته اللواتي يكبرنه عمرا.

وتقول منتشية "والله انو زلمة من يومه..الخالق الناطق ابوه..الله يرضى عليه".

هكذا تنظر ام جمال الى ابنها "الذكر" الوحيد الذي رزقت به بعد ست بنات اصغرهن في الثالثة عشرة والكبرى في سنتها الثانية في الجامعة.

وهي لا تدخر جهدا في ابداء سعادتها بهذا الذكر الذي يتلذذ بلعب دور رجل البيت في غياب الاب، ولا يتردد في تسديد الصفعات والشتائم المصحوبة بالبصاق في وجوه اخواته لاقل فعل يأتينه ويرى انه لا يليق ببنت.."تماما مثل ابيه".

وهو دائم التفقد لغرف اخواته تحسبا لقيام احداهن بفتح نافذة قد يكون تحتها او قبالتها في البناية القريبة شاب يتلصص او يتودد.

كما انه يمعن النظر دوما في وجوههن تحسبا لان تكون احداهن بالغت في كحل عينيها، والذي هو مسحوق التجميل الوحيد المسموح لهن.

تروي ام جمال ضاحكة "ذات مرة اشبع احدى اخواته ضربا ببربيش يستخدمه ابوه لذات الغاية بعدما لاحظ توردا في وجنتيها ظنه من اثر مسحوق حُمرة. ولم يكف عن ضربها الا بعد ان اتضح له انها انما كانت تعاني الحمى جراء انفلونزا حادة".

"البنت يا بتسترها يا بتقبرها. والزلمة رحمة ولو ما بيجيب فحمة..هكذا ربانا اهلنا وعلى هذا ننشئ ابناءنا".

هذه خلاصة تجربة ام جمال في الحياة، وهي قانعة بها، وقد نذرت نفسها لغرسها في حياة بناتها "العورات" كما تصفهن، وفي نمط عيش ابنها جمال "زلمة البيت الثاني".

وام جمال التي اخرجها ابوها من المدرسة قبل انهائها الثانوية من اجل تزويجها، لا تعرف معنى لمصطلح "ثقافة المجتمع الذكوري" الذي يتردد تكرارا على السنة الهيئات النسائية والحقوقية.

ويبدو ان أم جمال التي كانت تمرر اصابعها تحت خط مقدمة غطاء رأسها بشكل متكرر وهي تتحدث خشية ظهور بعض الشعرات، ليست معنية كذلك بمناهضة هذه الثقافة التي تعتبرها تلك الهيئات احد ركائز "اضطهاد" المرأة.

لا بل انها تعتبر ما تنادي به الهيئات النسائية والحقوقية من مساواة الرجل والمرأة وعدم التمييز بينهما في التربية والحقوق، ضربا من "العيب" و"مخالفة للشرع".

وتقول بتهكم "اذا اصبحت البنت مثل الولد تخرج وقتما تشاء وترتدي ما تريد وتجلس في المقاهي وتجلب اصدقاءها الى البيت، عندها على الدنيا السلام".

وتضيف في اشارة الى الهيئات النسائية والحقوقية "ما يريده هؤلاء هو مجتمع منحل لا ترضاه تقاليدنا ويغضب الله..".

رجولة وقوامة

ام خليل، وهي جارة لام جمال، تشاطرها حد التطابق رأيها في ان المجتمع لا يستقيم الا بتقديم الولد على البنت في كل شئ، باعتباره الذكر "القوام" على الانثى "الولية".

كانت ام خليل في الصف السادس عندما قرر ابوها انها نالت ما يكفي من العلم، وآن لها ان تتفرغ لمساعدة امها في خدمته واخوتها الذكور الثلاثة، وان تكتسب الخبرة التي تؤهلها لان تكون زوجة "صالحة".

وهي اليوم تؤكد ان ما فعله ابوها كان "الصواب"، فالبنت كما تقول "حتى لو طلعت للمريخ آخرتها للطبيخ".

وتضيف ان "الله خلق المرأة لانجاب وتربية الاطفال ورعاية المنزل والسهر على راحة زوجها الذي يكون دوره الكد من اجل تأمين لقمة العيش وحماية الاسرة".

وتستشهد ام خليل بالاية الكريمة التي تتحدث عن قوامة الرجل على المرأة، لكنها لا تعير اهتماما، او ربما هي مدركة بشكل جيد للاشتراط الذي تنص عليه الاية في هذه القوامة، وهي الانفاق.

ولعلها تعتبر ان الاشتراط ليس محل بحث في ظل تسليمها بحقيقة ان الانفاق هو مهمة الرجل، فهي هكذا تربت في بيت ابيها.

ابنها خليل في الخامسة من عمره، وهو محط رعاية ابيه ويستأثر باغلب وقته القصير الذي يمضيه في المنزل خلال اجازاته المتباعدة من عمله في مناجم الفوسفات.

ويحرص ابو خليل دوما على اصطحاب ابنه خلال زياراته ومشاويره الى السوق، وهو امر من الاستحالة ان يحصل مع ابنتيه سميرة وسارة كما تقول ام خليل.

فهما بحسب الاعتقاد الذي تتشاطره مع زوجها ليستا مخلوقتين سوى للبيت وعليهن التزامه حتى يتقن شؤونه، اما خليل، فينبغي تهيئته من الان ليصبح رجلا.

وفي المحصلة التي تراها ام خليل، فان "البنت مصيرها الى بيت زوجها، والولد قدره ان يصبح رجلا ورب اسرة، وعليه ان يتهيأ لذلك منذ الان".

متعة الاضطهاد

النمط الذكوري من الثقافة، والذي يبدو جليا في حديثي ام جمال وام خليل، تربت عليه الاجيال المتعاقبة من شعوبنا، وهو يبدأ منذ لحظة مقدم المولود الى هذه الدنيا، وفق ما يراه خبراء الاجتماع.

فالمولود الجديد يستقبل بحفاوة بالغة اذا كان ذكرا وبصمت مشوب بالحزن او بالاحباط اذا كان انثى.

والعقلية الذكورية التي تهيمن على مجتمعاتنا تنعكس حجما هائلا من التناقضات بين أفعالنا وأفكارنا.

فالمجتمع الذي يقدّس "الأم" وفقاً لتعاليم الدين هو نفسه الذي يضطهد المرأة ويضعها في المرتبة الثانية في التصنيف الإنساني.

وهذا الأمر، كما يرى الخبراء، متأصل الجذور في ثقافتنا وعاداتنا وعانت منه نساء المجتمعات الأخرى حتى المتقدمة في بداية نشوئها.

ولكن الفرق ان نساء تلك المجتمعات ناضلن وكافحن طويلا من أجل نيل حريتهن وحقوقهن، بغض النظر عن حجم تلك الانتصارات إلا أنها تعتبر إنجازاً عجزت عنه نساء المجتمعات العربية بصورة عامة.

ونتيجة لذلك، بات من النادر أن تجد بين النساء العاديات اللواتي لم ينخرطن في المجالات السياسية وابتعدن عن المنظمات النسائية التي تطالب بحقوق المرأة، من تعرف ما هي حقوقها وواجباتها.

فهي اسيرة راضية راضخة للعقلية الذكورية التي حصرتها في دائرة عدم القدرة على التفكير المستقل منذ البداية ولم تتح لها حتى التفكير بنفسها كانسان مستقل له الكثير من الحقوق.

وهي ايضا تحتاج على الدوام إلى من يحميها ويفكر ويقرر نيابة عنها.

تعليم وثقافة

والثقافة الذكورية ليس امر تكريسها مقتصرا على البيت بل هو يتعداه الى المناهج الدراسية والاعراف والتقاليد الاجتماعية التي تعمل على ترسيخه.

فبنظرة صغيرة الى المناهج نجدها منقادة الى محورة عقول الاطفال الى دور المرأة في المجتمع كربة بيت فقط والى الرجل باعتباره رأس الاسرة والمكلف برعايتها وقيادتها والانفاق عليها.

"ماما تغسل الصحون".."ذهب بابا الى العمل".. "اختي تساعد امي في المطبخ".."اخي ذهب مع بابا الى المزرعة" هذا ما نجده في المناهج التي تكرس التقسيمة السائدة للادوار في المجتمع الذكوري.

كما يلعب المجتمع دورا مهما في تكريس هذه الثقافة، ويبدو هذا الدور جليا من خلال الامثال المتداولة التي تعكس الصورة النمطية التي يرى المجتمع انه هي الصحيحة للرجل والمرأة.

ومن تلك الامثال: (البنات همّ للممات) و(المرأة بنصف عقل), (وظل رجل ولا ظل حيطة), (والبنت ياتسترها يا تقبرها) و(البنت باللدح والولد بالمدح) واللدح بمعنى الضرب، و(يا مشاور النسوان يا خسران) و(تربية مرة) و(اللي تموت بنيته من صفا نيته)!..

وهي في المجمل امثال تستخف بالمرأة وتحط من قدرها رغم انها الام والزوجة والاخت والابنة.

وترى دراسة اجريت في جامعة الملك عبدالعزيز في السعودية ان تركيز الامثال على ترسيخ هذه الثقافة مرده ان الرجل عمل على مر العصور على تمييز نفسه عن المرأة واتخذ مكانة لا يسمح للمرأة بالوصول اليها ولم يترك صفة سيئة الا والحقها بالمرأة.
وفي المحصلة، بات المجتمع ينظر الى الفتاة باعتبارها وعاء للانجاب ومصدرا للفتنة والعذاب وموتها خير.

وهو اذ ذاك يقيد حرية حركتها ويحجر على عقلها لدرجة انه يرى ان تعليمها لا يتعدى المسالة الكمالية.

وعندما يأتي الزواج، تجد الفتاة نفسها في منزل رجل لا يرى لها مهمة سوى اسعاده وخدمته دونما نقاش، وهي تسعد بذلك، فمثلها تربى على عشق القهر والحرمان.

وفي المقابل، يؤكد الخبراء أن الموروث الاجتماعي الذي ينشأ عليه الرجل سواء كان أخاً أو أباً أو زوجاً يتبنى أفكاراً يشحن الولد بها منذ الصغر كفكرة ان الرجل لا يعيبه شيء، وبالتالي تولد لديه نزعة اللامسئولية تجاه المجتمع وحب الذات والتسلط تجاه أهله.

عقدة الانوثة

المجتمع القائم على توليفة سيادة الذكورة، تستطيع المراة التاقلم معه جيدا في معظم الحالات، وذلك عبر خنوعها وخضوعها لهذه التوليفة، بل وتمريرها الى ابنائها من بعدها.

والخبراء يؤكدون ان مثل هذا المجتمع سيظل دوما عاجزا عن التقدم والعطاء لانه يعطل ما يزيد عن نصف عدد اعضائه، بل ويشوه ادوارهم.

على ان هناك نوعا اخر من النساء تأتي اثار التوليفة الذكورية عكسية في شخصياتهن.

وهؤلاء، وبسبب انه لم تتوفر لهن وسائل الإشباع العاطفى والنفسى والعقلي، يلجأن إلى العنف لتحقيق الأمان الذاتى والإشباع النفسى المفقود.

وهذا السلوك العدوانى، بحسب الخبراء، يستوجب من احداهن الظهور بمظهر ذكوري، وبالتالى تتحول دون أن تشعر إلى رجل بمقوّمات النساء البيولوجية أو ما يطلق عليه مجازاً "المرأة المسترجلة".

وفي اطار مسعاها لإثبات وجودها عبر اقتدائها بشخصية الذكر، تتحول الفتاة دون أن تشعر إلى ذكر، من خلال انجرافها إلى محاكاة هذا الذكر شعورياً وعاطفياً.

والمشهد يتكرر فى أجواء العمل الذي يسيطر عليه الرجال فهي تنكر أيضاً أنوثتها، لأنها تريد إثبات ذاتها وقدراتها، فتتنازل عن مظهرها الأنثوي لصالح فائدتها فى عملها، والتفوق على زملائها من الرجال.

ولا يختلف الوضع كثيراً فى حياتها الزوجية ، فمن الممكن أن يتحول منزل الزوجية إلى حلبة مصارعة بين أنوثة الزوجة ورجولة الزوج ، ويصبح بيت الزوجية ليس إلا مكان الصراعات والتحديات بين الطرفين .

والى جانب الاسترجال، هناك خطر اصابة الفتاة بما يسمى "عقدة الانوثة"، كما يقول أحمد المجدوب أستاذ علم الاجتماع في المركز القومي المصري للبحوث الاجتماعية، والذي يرى أن صاحبة هذه العقدة لا تعتني بأنوثتها من أجل زوجها، كما لا تعترف بقوامة الزوج وحقه الطبيعي في قيادة الأسرة، بل وتشعر دائماً أنه يستضعفها ويمارس رجولته عليها.

وبالتالي، يقول المجدوب ان المرأة المصابة بهذه العقدة، تنفر من الزوج، وتحاول إثبات وجودها وكيانها ونديتها له، فتجلب بذلك على نفسها مشكلات عادة ما تحسم فى النهاية لصالحه.

ينشر بالتزامن مع صحيفة (النشمية)


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك