خبر عاجل

مراجعة السعودية للتراث الاسلامي.. خطوة طال انتظارها

تاريخ النشر: 21 أكتوبر 2017 - 04:25 GMT
السعودية تراجع التراث الاسلامي، وانا منتظرون
السعودية تراجع التراث الاسلامي، وانا منتظرون

- بسام العنتري

السعودية قررت اخيرا المبادرة الى التدقيق في استخدام الاحاديث النبوية، وفي ما هو منسوب الى النبي عليه الصلاة والسلام من قول وفعل وتقرير، وانشأت لهذه الغاية هيئة معتبرة من علماء السنة.

مفاجأة، ولكنها سارة بكل المقاييس، خصوصا وانها تاتي من آخر بلد يمكن ان يخطر في بال احد ان يعمد الى اتخاذ مثل هذه الخطوة، والتي لا اقل من ان توصف بانها جريئة.

ولو ان بلدا اخر غير السعودية اخذ على عاتقه هذه المهمة، فلا اظنه سيفلح، حتى وان كانت كل بلدان العالم له ظهيرا، فهي مهمة لا يمكن ان ينجح فيها غير مملكة ال سعود ومشايخها من سدنة المذهب الوهابي.

نضع اليد على القلب خشية ولادة الفكرة ميتة، او ان يكون الشيطان كامنا في التفاصيل، وانا منتظرون.

ومع ذلك نتشبث بالامل، ونقول: اذا صدق العزم وبرئ من التسييس، وخلصت النية لوجه الله تعالى، فسوف نشهد الانطلاقة الفعلية التي طال انتظارها لعملية مراجعة التراث الاسلامي وتنقيته مما علق به من ادران قادتنا الى حضيض الامم، وجعلتنا اكثرها دموية وعدمية.

معلوم من وسائل الاعلام بالضرورة كيف جرى استخدام بعض ما في التراث من قبل تنظيمات ارهابية ومتطرفة، مثل القاعدة ووليدتها البشعة عصابة "داعش"، من اجل تبرير افعالها الوحشية بحق الدين والانسانية، وهذا ما لا اتناوله في المقال، حيث قتله غيري بحثا وتحليلا.

بل اجدني هنا ميالا الى تسليط الضوء على وجه اخر للاستخدام غير الامين، وربما المضلل للتراث، وهو الذي يستهدف الساحة الشعبية والاجتماعية، ويلعب ادوار البطولة فيه بعض مشايخ المنابر سواء في الجوامع او على شاشات التلفزة واثير الاذاعات ومنصات التواصل.

وهذا البعض -الا من رحم ربي- لا ابرئه من السعي الى النجومية باي ثمن، حتى ولو عبر ليّ اعناق التراثيات وتوظيف ضعيفها ومنكرها وغريبها، وذلك ضمن لعبة المزايدات العبثية بين المشايخ من اجل استقطاب اكبر عدد من المتابعين.

وفي الحين نفسه، لا اخلي طرف الناس من المسؤولية عن وقوعهم ضحايا للتدليس، فهم يتحملون وزرا من ذلك بركونهم الى ما يقوله شيوخ المنابر من دون ادنى تمحيص او تدقيق، وبتسليمهم العقول لهم كي يفكروا عنهم ويقرروا لهم!.

اذا كانت السعودية قررت مراجعة التراث، فارى انه قد حان دورنا نحن لكي نراجع انفسنا ونسترد عقولنا من المشايخ ونجوم الدعوة، ونعيد تشغيلها واعمالها في القراءة والتدبر في كتاب الله وسنة نبيه، وفي ما استنبطه منهما فقهاؤنا وائمتنا المعتبرون.

فوالله سنسأل يوم القيامة عن عقولنا لماذا عطلناها وجيرناها لغيرنا؟ ولئن وقعنا في المحظور، فلن يحمل امثال هؤلا المشايخ المستنجمين والمستعلمين وزرنا، ولن يغني عنا الدفاع عن انفسنا بالقول انهم "اضلونا السبيلا".

واورد في هذا المعرض امثلة من حالات عبث بعض المشايخ بالتراث، وقد كنت شاهدا عليها، وهي غيض من فيض.

وان قال قائل ان ما في هذه الامثلة لا ينطوي على كبير خطر، فانني اذكره بان "معظم النار من مستصغر الشرر".

نجس
سمعت "داعية" شابا توحي لحيته المنحوتة بعناية وبدلته وربطة عنقه بانه من طراز "الدعاة العصريين"، وهو يفتى لاحد المتصلين هاتفيا ببرنامجه التلفزيوني بان مس يد الزوجة، ولو عرضا، ينقض الوضوء.

خطّأت اذني، وقلت ربما اني لم اكن اصغي جيدا او اختلط علي ما قاله الشيخ ابن الشيخ ابن الشيخ..

ومضت شهور وورد اتصال اخر للبرنامج من رجل يستفتي في عين المسألة، ويا سبحان الله.

اصغيت جيدا لاتيقن مما سمعته سابقا، فاذ بداعيتنا المتعصرن يقول للمتصل انه ان حانت منه لمسة وكان متوضأ لصلاة ما، فلا بأس من ان يؤدي تلك الصلاة على ان يعيد وضوءه للتي تليها.

ولما انقطع الشك باليقين، تساءلت متعجبا في نفسي، هل غاب عن شيخنا ما رواه أحمد وأصحاب السنن من ان النبي صلى الله عليه وسلم "قبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ"؟

فان كان يعلم وكتم ذلك عن المتصل والاف المشاهدين، فتلك جريمة يلخص رسولنا عليه الصلاة والسلام توصيفها وعقوبتها المؤلمة والمخزية في حديثه الكريم "من علم علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار".

وان لم يكن يعلم وتجرأ على الفتيا، افلا يخشى من ان يصح فيه قول رسول الله عليه الصلاة والسلام "من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه"؟.

وفي ظني ان واحدة من هاتين ستنطبق لا محالة على شيخنا الذي بات اليوم نجما اذاعيا وسياسيا ومن قبلهما تلفزيونيا، وهو يعلم هذا علم اليقين، لكن احسبه مع ذلك لم ولن يبالي، فالنجومية لها جاذبية وبريق يعميان القلوب.

والخطورة كما اراها، هي في ان يذهب فهم البسطاء ممن يتابعون فتاوي سماحته، الى ان الامر لا يقتصر على الزوجة، بل يشمل كل النساء، الاخوات منهن، وحتى الامهاتّ! وبحيث يعتبرونهن كائنات نجسة؟. افليست النجاسة من نواقض الوضوء؟!!

اضحية
علا صوت خطيب عيد الاضحى وهو يوصي من ينوي التضحية، بالحرص على ان يشهد ذبح اضحيته بنفسه، ولا يوكل عنه احدا، وساق ما نسب الى النبي عليه الصلاة والسلام من قوله لفاطمة يوم العيد "قومي فاشهدي أضحيتك..".

حماتي حضرت الخطبة، وكانت اوكلت الي عشية العيد شراء وذبح وتجهيز اضحيتها كما في كل عام. ولما سمعت ما قال الشيخ، تحاملت على اعيائها ومرضها، واصرت على مرافقتي الى الجزار، وهو احد معارفنا الذين اعتدنا شراء الاضاحي من عنده، ويقيم في بلدة تبعد عن المدينة 15 كيلومترا.

على الفور، ايقنت في نفسي ان حديث الخطيب كان له الاثر المدوي في نفسها، حتى اخالها استشعرت ان اضحياتها في السنوات السابقة ربما ضاع اجرهها المنشود ولم يتقبلها الله سبحانه وتعالى.

وللعلم، فقصة أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم لفاطمة أن تشهد أضحيتها ضعيفة من جميع الوجوه. وان كان الخطيب صاحب الصوت المجلجل يدري ذلك فتلك مصيبة والا فالمصيبة اعظم.

الخلاصة ان حماتي المسكينة تكبدت عناء الذهاب معي الى الجزار، ولما حان دور ذبح اضحيتها بعد انتظار طويل، حدث تزاحم وتدافع في محل الجزارة الضيق، فلم تتمكن من رؤية السكين وهي تحز رقبة الخروف.

مرضت حماتي اياما بعد العيد، كما لم تمرض في عيد قبله، حتى انها لم تشهد كامل طقوس طهي المنسف المعتاد على لحم الاضحية، ولم تهنأ بها. لا هنئ من كان السبب.

وبالمناسبة، لاحظت ان حظائر ذبح الاضاحي على امتداد الشارع قد شهدت تزاحما غير معهود في ذلك العيد، وربما ان كثيرين بدلوا النية وحرصوا على ان يشهدوا اضحياتهم كما اوصاهم الشيخ..

لا صلاة له
قلت له معاتبا: يا رجل لا اراك تشهد خطبتي الجمعة، وتكتفي بالحضور متاخرا للصلاة فقط، فهلم معنا نحيي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرد متاففا: يا عزيزي، انا لا اشهد الخطبة لان اسلوب الشيخ المتصنع يصيبني بالملل والنعاس، وخصوصا حين يمطمط في صوته وفي قصصه، وكثير مما اسمعه منه لا يقبله عقل، وبعضه محض خزعبلات.

قلت له: حتى لو كان، هذا لا يعني ان لا تحيي السنة بحضور الخطبتين، دعك من هذا وتعال.

نهض وهو يفرك عينيه، وسرنا معا قاصدين المسجد، وفي الطريق، سمع الخطيب يقول: "من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له" مقتبسا حديثا يؤكد اهل العلم انه موضوع.

حينها، وقف صاحبي من فوره متسمرا في الشارع كمن لدغته افعى، ثم استدار وقفل راجعا وهو يتمتم "والله ما انا واصلك"، ويقصد بذلك الخطيب.

واصلت سيري ولم ار صاحبنا الا مهرولا حين نودي للاقامة، فادى الركعتين مع من افترشوا الرصيف خارج المسجد، وكان اول المغادرين بعد انقضاء الصلاة.

التقيته في بيتنا خلال السهرة ، فبادرني قائلا: لا تعاتبني، لم اتمالك نفسي حين سمعت الولد (يقصد الخطيب) وهو يستحضر ذلك الحديث، وهي ليست المرة الاولى، فلقد استمرأ منذ زمن الاستشهاد باحاديث منها ما هو موضوع ومقلوب، ومنها ما هو متفق على ضعفه، ودون ان يرف له جفن او يهتز صوت..

وللعلم، فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يرفع يديه حذو منكبيه اذا افتتح الصلاة، واذا كبر للركوع، واذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك".

ثم اردف صاحبي: لو كان الامر في معرض سرد حكايات وسير للعبرة وليس لاثبات احكام شرعية، فليس في ذلك ضير، اما ان يخوض في مسائل تشكك الناس في عباداتهم، وعلى رأسها الصلاة، ويستدل بمرويات كتلك، فهذا مما لا اطيقه.