خبر عاجل

الشاعرة السورية سونيا سليمان: الحرب سرقت منا الحب وتركتنا نقتلع اشواك الغربة

تاريخ النشر: 27 فبراير 2017 - 12:30 GMT
الشاعرة السورية سونيا سليمان
الشاعرة السورية سونيا سليمان

- البراري سرير قصيدتي التي ترفض السير فوق أرصفة المدينة

- غادرتني أمي وأنا لم أزل بحاجة لمن يضفر جدائلي.. وأولى كتاباتي كانت لها

- ألوذ للكتابة هربا من القهر واليتم .. والقصيدة فهرس الذاكرة

- أكتب "شعر الومضة" لأنه الأسرع التقاطا والأكثر سهولة للمتلقي

- ممولو شركات الانتاج التلفزيوني يعملون وكأنهم في سوق للملابس النسائية

- "باب الحارة" من اسوأ ما عرض على "التلفزيون" وشوه صورة المجتمع السوري

- الشعر المحكي له رواده ومحبوه وعشاقه وخاصة في الريف السوري

البوابة – حوار / وسام نصرالله

قصيدتها "ومضة شعرية" تنحاز للوطن وجراح شعبها، وتكتب بحرف رشيق، للحنين والغربة والحزن والفرح.. الشاعرة السورية سونيا سليمان اختارت أن تبقى في عاصمة الياسمين "دمشق"، مدافعة عن جدارة شعبها بالحياة، مسخرة نصوصها الإبداعية لرصد الكثير من التفاصيل التي يعيشها "السوري" تحت وطأة الحرب.

صاحبة المجموعة الشعرية "كأننا لم نلتق، كأننا لم نفترق" تأخذ القارىء لعوالم بعيدة، وللبراري التي تعتبرها سرير "قصيدتها" التي لم تطوعها شوارع المدينة، لتبقى قصيدتها في ذلك المكان الذي تقول عنه: "في طفولتي كنت أجلس طويلا أراقب العشب حتى مرة ظننته سينبت بين أصابعي".

سونيا سليمان من الأصوات الشعرية الشابة الصاعدة على مستوى المشهد الإبداعي في سوريا والتي تحاول من خلاله رسم معالم خاصة لقصيدتها، كما نشر لها العديد من النصوص الشعرية والإبداعية والنقدية في العديد من الصحف السورية واللبنانية.

وتاليا نص الحوار:

 البدايات

*حدثينا عن بداية شغفك بالحرف والكتابة ؟

- بدأت بالكتابة بسن مبكرة، كانت محاولات شعرية بسيطة، تلقفها أستاذي في الصف العاشر بعناية واهتمام بالغين وتنبأ لي بأنني سأصبح شاعرة يوماً ما وسأكون من الرواد إن واظبت على الكتابة والقراءة، كانت فترة زمنية قصيرة جداً، قياساً لما تركه لي من إرث ثقيل. وبعد أن غادر المدرسة ظل مواظباً على مراسلتي، ودائما كانت وصاياه أن أقرأ وأكتب. كان مدرساً للغة العربية الأستاذ الموقر سهيل نصّور، أبو مجد، أرجو أن تكون بخير الآن،  كان شيوعيا، وكنت وقتها لا أعرف شيئاً عن الأحزاب، وحدثني طويلاً عن العدالة الاجتماعية وعن الفلاحين، وعن الإنسان والقيم ,, وترك بصمة عميقة في دواخلي لا تمحى أبدا،  حدثني عن الجهل في مجتمعاتنا التي كنا نحيا بهوله ونرزح تحت نيره الحاد نحن أبناء الريف، وقد كان مدركاً تماما حجم معاناتي ممن هم حولي، وكيف للمبدع أن يتجاوز زمانه ومكانه بالمعرفة، ولا يحول جهل الآخرين له وعدم إدراكهم لقدراته بينه وبينهم،

وكنت قبل ذلك ألوذ للكتابة هرباً من القهر واليتم، وقد غادرتني أمي وأنا لم أزل بحاجة لمن يضفر لي جدائلي.

بدأت أولى كتاباتي لها وقلت حتماً ستسمعني، وإن لم تسمعني فستشعر بي. وآليت في مجموعتي الأولى إلا أن تكون أول القصائد لها.

"كأننا لم نلتق، كأننا لم نفترق"

* مجموعتك الشعرية الأولى حملت عنوان "كأننا لم نلتق، كأننا لم نفترق"، من أين استوحيت العنوان وما الدلالات التي يحملها ؟

- الشعر فهارس الأدب، القصيدة فهرس الذاكرة، الذين نلتقيهم ونحبهم لا يمكن نسيانهم، والذين لم نلتق بهم أيضاً، ربما نكون قرأنا لهم أو سمعنا عنهم، شكلوا جزءاً من ذاكرتنا أيضاً. الذين التقيناهم وافترقنا عنهم سواء بالحياة أو بالموت لا يمكن نسيانهم، الذاكرة بئر عميق نرمي به دلاءنا، ساعة الكتابة، ليعود إلينا محملاً بالماضي أو باللحظة أو بالغد، الشاعر وحده من يستطيع أن يعيش ذاته والآخرين، له حيوات كل من يحبهم أو يفترق عنهم، أو حتى من يختلف معهم أحيانا.

كنت أفكر بعنوان للمجموعة وأنا في طريقي للمنزل، أرى وجوهاً وبشراً أظن أنني أعرفهم  ولا أعلم كيف وأين التقيتهم، ولكنني أعرفهم تماماً، ترى كل شيء حولك وكأنه ملموس وبعد حين تكتشف أنك واهم، كما لو أنك تحب شخصاً على الفيس بوك وتعيش حياته وحزنه وأفراحه وهواجسه  وبعد أن يغلق حسابه يتلاشى كل شيء. تماماً هكذا هي معرفتنا بالآخرين، ولمست هذا كثيراً عندما اندلعت الحرب، أناس كثر كنا نعرفهم ونعيش معهم ونشاركهم كل تفاصيل الحياة اليومية وفي لحظة الفصل، اختاروا طريقاً أخر ومفاهيم أخرى وتركوا أعيننا تأكلها الدهشة والسؤال فلا استطعنا أن نبقى معم لأنهم في خندق آخر، ولا  نستطيع نسيانهم لأنهم كانوا يعنون لنا الكثير. في الحب أيضاً يحدث ذلك.

"شعر الومضة"

*كان لافتا في مجموعتك الشعرية الانزياح نحو المشهدية بالصورة والتركيز عليها، مع التكثيف في النص وقصره، ما الذي يدفعك لذلك ؟

- الشعر هو اختزال وتكثيف، والكلمة التي تحمل دلالتها العميقة لتؤدي غايتها تغنينا عن حاجتنا للسرد أو الإسهاب، هذا لا يعني أنني لا  أكتب النص الطويل أو أنني لا أحبه، أو أجيده، ولكن كانت بداية وكنت أفضل أن أكتب الشذرات أو شعر الومضة كما يسمونها، وهي الأسرع التقاطاً، والأكثر سهولة للمتلقي. يعني أنه يستطيع أن يقرأ في أي مكان خلال وقت قصير مجموعة أفكار، أو عناوين أفكار. في أي مكان في سيارته أو ردهة انتظار أو في طريقه للعمل، حبذت لو يكون كتاب جيب، وربما أقوم بطباعته على هذا النحو في المرات القادمة. والومضة تمر، تترك أثرها في الذهن في وقتنا الحالي ربما اكثر من نص طويل، لذلك نسمع دائما من يردد بيتا أو بيتين أو جملة لشاعر ولا يحفظ ما تبقى، أي ينتقي ما يعنيه، وما يناسبه. وهي كما قلت صورة. وما اكثر الصور التي تحفظها ذاكرتنا اليومية. نلتقط بعض الصور التي كانت تعنينا في تلك اللحظة، جميل ان تتجسد الحياة إلى صور شعريه أو لوحات فنية أو أغان، وجميل أن نجسد أوجاعنا وفرحنا وحبنا إلى مشاهد شعرية بسيطة وعميقة في نفس الوقت. القصيدة الطويلة تحتاج إلى حواسك كلها، أما الومضة تكفي أن تمر عليها عينك  تقرأها وتلمس روحك، عميقاً، هي كفُّ تضرب به جبينك حين تحاول أن تتذكر شيئا كنت قد نسيته، وفجأة تذكرت.

كلمة، عالقة في صوتك ولا تستطيع تسميتها في لحظتها فتدركها الومضة، تسبقك وتسميها.

غربة

*تقولين في إحدى قصائدك "الفرح مثل الحزن يأخذني بعيدا، ويتركني وحيدا"، فما هو هذا المكان البعيد الذي يأخذك الفرح والحزن إليه؟

- الفقد، الوحشة، الغربة الداخلية، الرفيق، الصنو، النديم، دأبت في البحث عنه وكلما ظننت أنني التقيته، نأى وابتعد.

منذ طفولتي وأنا أعيش في غربة عمن هم حولي، في البيت والمدرسة والجامعة، تخذلك الحياة عندما تبحث عن نفسك في آخر، يكونك إن لم تكن ذاتك، يكون يدك التي تتلمس جرحك، أو صوت أفكارك المبهمة، لا يكون محايداً مع أناك.

مسؤولية المثقف

*الأزمات الكبرى تخلق تحولات عميقة داخل النفس الإنسانية، فكيف كان تأثير الحرب على عوالمك والنصوص التي تكتبينها، خاصة وأنك كنت بصدد كتابة عمل روائي تحت عنوان "لو كنت رجلا" ؟

- جرّتني الحرب معها كما جرّت الجميع إلى أماكن لم نكن نتوقعها يوماً، لم نكن نفكر بها أصلاً.

الفرق بيني وبينهم كان مدى الانصهار، ولأن على الشاعر أو المثقف  مسؤوليه تجاه ما يحدث اكثر من غيره، وأنه ربما بإمكان الكلمة أن تغير مجرى التاريخ، تأبطت الليل وجراح الوطن، ورحت أكتب وتركت خلفي روايتي ودراستي وهمومي الشخصية وأهدافي الخاصة، تركت الرواية، لم اكمل فصولها الأخيرة، وتركت مجموعاتي الشعرية تنام في الأدراج لم أطبعها، لكنني لم أتخلّ عن يقيني أنه ينبغي عليَ أن أكون جندية كما كل الجنود تقدم واجبها تجاه وطنها، ومن ثم سأكمل ما تركته قيد الإنجاز.

الوطن اولاً وثانياً وثالثاً، لا يمكن أن تعاتب المريض وهو طريح الفراش، من النبل أن تنتظر حتى يتعافى، ومن ثم تعاتب أو تحاول تصحيح اخطائه.

لأكون جديرة بهذه الأم العظيمة يجب أن أكون ابنة بارة لأمها الجريحة. أقاوم بكل وسيلة للصمود وأقارع لأجل فجر انتصار.

إنها سوريا في أعماقي، كما سونيا في أعماقي، وتجمعنا حتى حروف الاسم سويا، مصير الفرد من مصير وطنه وإلا فهو عاق للانتماء.

الشعر المحكي

* بالإضافة إلى شعر الفصحى تكتبين كذلك الشعر المحكي، فكيف يمكن لهذا الشعر، أن يخلق معان جديدة مقتبسة من مفردات حياتنا اليومية؟ وأين موقعه على خارطة الأدب في سوريا؟

- لم أفكر قبل الحرب على وطني بالكتابة، بالمحكي. كنت أجلس أحيانا مع بعض الرفاق ويدندنون معزوفات موسيقية وأنا أكتب لهم الكلمات، كانت محاولات شبابيه فقط ولم أعرها اهتمامي، انتبهت أنني استطيع ان أكتب المحكي وأنا أرد بتعليقاتي على الأصدقاء على صفحتي ممن هم شعراء المحكي والعامية، والأهم من ذلك ما دفعني للكتابة هم من يتابعونني من الجنود والضباط في ساحات القتال، وكانوا يرسلون لي دائماً أن أكتب لهم وأنهم ينتظرون كل يوم، ماذا أكتب لهم. وقد يكون هذا الشيء الوحيد الذي يبث في نفوسهم بعض الفرح وهم في خنادقهم وخلف السواتر والدشم، يصدّون عنا الغدر والموت، وأنا على علم بأنه أي الشعر المحكي يصلهم قبل الفصحى، لأنه ابن بيئتهم، ابن لحظتهم، ابن صرختهم (ارجاع اتحاصرنا)، هم ليسوا بحالة استرخاء، و يستطيعون قراءة ما أكتب على ضوء هواتفهم النقالة وحتى البعض منهم كان يرد عليّ من قلب المعركة،  كنت أشعر أنني معهم تماماً، أشعر بجوعهم وجراحهم وأسمع صوت رصاصهم، وأنعي معهم كل رفيق يرتقي شهيداً وأبكيهم أماً وأختاً وحبيبة. وواصلت معهم سنوات، ولكنني أفتقدهم الآن، بعد أن فقدت منهم الكثير وغيّبتهم عن قصيدتي وحشية الإرهاب الذي وصلت سكاكينه إلى  حبال حناجرنا وحروفنا، بعض الذين ارتقوا شهداء لم تزل تعليقاتهم تزنّرُ نصّي بالغار والفخر والكثير الكثير من الدموع. كانوا يتداولون الشعر فيما بينهم وأحيانا يرسلون لي شطرا لأكمله لهم أو لأكتب لحبيباتهم اللواتي ينتظرن عودتهم،  فأعود لأكتب لهم بلسان وقلوب حبيباتهم، كانت سعادتي تكمن أنني أقدم لهم بعض الفرح الذي افتقدوه وافتقدناه نحن أيضاً، كانوا يدهشونني بمستوى ثقافتهم العالي وأنهم أساتذة ومهندسون ومحامون وأطباء ومعلمون، تركوا جامعاتهم ومجتمعاتهم ولبوا نداء الوطن.

أفلا ألبيهم، وأنا الشاعرة التي لا أملك إلا الكلمات وحبر القلب ومحبتهم وإجلالهم؟!

الشعر المحكي في سوريا له رواده وله محبوه وعشاقه وخصوصاً أبناء الريف الذين تربوا على الأهازيج والمواويل، لكنه لم يلق التشجيع الكافي من المؤسسات الإعلامية أو الثقافية كما في لبنان، ونحن في سوريا لدينا شعراء مبدعون في الشعر المحكي ومثالا على ذلك لا الحصر، عمر الفرا،  حسين حمزة، عيسى أيوب، بشار حسين وآخرون كثر لا يقلون أهمية عنهم ولكنهم يحتاجون للدعم والإعلام.

"جزر الخراب"

*كتبت للدراما السورية "جزر الخراب"، لكن العمل لم ير النور، ما السبب في ذلك ؟ وكيف تنظرين للأعمال الدرامية السورية في الوقت الحالي على مستوى النص، مقارنة بما قبل الحرب؟

- العمل لم ير النور لأسباب كثيرة، أولها لتصل إلى شركة إنتاج خاصه تحتاج إلى سلالم طويله وقد يصلك فيها  ممثل من الدرجة العاشرة، ولكن له (علاقات ) وكلمة علاقات بين قوسين، لأن الشركات الخاصة تابعه لمموليهم، وكل من يمول شركة له شروطه في العمل، يفرض النص والممثلين والمخرج، ويعمل وكأنه في سوق ملابس نسائية تماشياً مع الموضة، مكرراً هكذا يريد الجمهور، وهكذا يحب المشاهد، فهنا لا يساومك على فكرة تريد أن تطرحها أو رسالة تريد ان تصل، لتكتشف أنه ليس نصك انت تحديدا من يُساوَم عليه بل يساومك على بضاعة يجب أن يكون لها زبون مسبقاً، هنا تتحدث لـ تاجر إعلامي، ليس له علاقه لا بالإبداع ولا يهمه ما تحمله رسالتك إلى مجتمعك من قيم ومفاهيم، ما يهمه أن يلاقي محطات تشتري النص وتدفع له. طلبوا مني بعض التغييرات الجذرية في العمل وتغيير اللهجة بما يتماشى مع سوقهم فرفضت.

إنه سوق لتبييض الأموال، فمثلا يعلم الكثير بأن مسلسل "باب الحارة" كان له أجزاء كثيره وكان تمويله خليجياً ويستمر عرضه أيضاً على قنوات يمولها النفط الخليجي، وهو من أسوء ما يعرض على شاشاتنا أو من أكثر المسلسلات التي شوهت صورة المجتمعات السورية عموماً، والمرأة فيها على وجه الخصوص.

كانت قبل بداية الحرب، قد سعت الدولة  إلى احتواء عدد لا بأس به من النصوص الدرامية تحت إشراف الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وقدمت نصوصاً جيدة ومقبولة ومنها ما يعرض في مواسم رمضانيه، وكان هذا خطأ فادحاً بحق النصوص، وبحق المشاهدين ونحن بحالة حرب أيضاً وكأنه أصبح للدراما شهر واحد في العام وتغيبت باقي الأشهر عن تقديم العروض المميزة، ونحن الآن بأمس الحاجة للصورة، ولنقل رسائل الناس وصمودهم وأوجاعهم وهي قادرة أن تصل للجميع، وليست للنخب فقط. وعلينا أن نفعل ما بوسعنا لنقل الواقع كما هو إلى الأخرين، ليفهموا ويدركوا ماذا يحصل وكيف حصل ولماذا. الدراما رسالة فكرية وتعليمية إنسانية، وسياسية أيضاً، وقد استغلها بعض الكتاب المعارضين تحت بند حرية التعبير  ضد الدولة السورية ومفاصلها الأمنية، بمعنى "كلمة حق يراد بها باطل".

لدينا كتاب متميزون ونصوص غنية برسائلها، وقد عُرض مؤخراً البعض منها بما يواكب الحدث ولكنها لا تكفي، ومعظم الشركات التي تملك الأموال لتفي العمل حقه هاجرت خارج الوطن، وهذا محزن جدا، وأما من بقي في حرم الوطن فعليه نعوّل وندرك أنه يقع على عاتقه مسؤوليات كبيرة.

جنسوية الأدب

*هل تؤمنين بجنسوية الأدب ؟

لا أبدا، لأنني قرأت وأعلم جيدا كيف لكاتبة أنثى  أن تتقمص رجلاً بطلاً في روايتها والعكس صحيح، الكاتب أو الشاعر يمتلك النصفين في دواخله، أي الرجل يستطيع أن يكون تلك الجميلة الفاتنة في روايته أيضاً، ويستطيع إقناعك ببطلته حتى يخلق بينك وبينها حالة عشق، فكيف أفرق بين من يكتب ذلك، امرأة أو رجل، لا أستطيع.

"عاهات ثقافية"

*وماذا عن المشهد الثقافي والإبداعي في سوريا، والأثر الذي تركته الحرب على هذا المشهد؟ وكيف تعامل المثقفون والكتاب مع كل هذا الخراب الذي يطول البشر والحجر؟

- منذ اللحظة الأولى، انقسموا على بعضهم وعلى الوطن، لم نكن نعلم أننا وطوال الوقت نجلس مع عاهات ثقافية، وممثلين بالفكر لا عنه، بدوا عراة جداً أمام ما حصل ويحصل، بدوا وكأنهم أشباح كانت قد عبرت بليلنا، سقطت كل الوجوه التي ارتدوها زمناً كان يبدو لنا أنه العصر الذهبي لسوريا، وما إن حكّته أظافر الغرب والمال حتى عاد إلى حقيقته، حديد صدئ، وقلوب عفنة، وضمائر أزهقتها نار النفط المشتعلة في قلوبهم وجيوبهم،

فمنهم من أزهق ضميره المال والسلطة ومنهم من أبهرته أضواء الكاميرات الخارجية وأعجبه صوته المنفوخ من قبل المتربصين بنا وأبواق المتصهينين، ومنهم من اتكأ على احقاد وعداوات لرجال السلطة والأمن، وفسادهم، وهيأوا أنفسهم لمعاداة الوطن على هذا الأساس، منهم الكثير من كان  قابل السيد الرئيس وحباه بكرمه ورعايته وكرّمه وبعد حين انقلب عليه بحجة أنه يريد الحرية والديمقراطية والتعددية، ولم ننل منها ولا الوطن سوى القيد الخارجي والحصار الاقتصادي، والتشرذم الاجتماعي والأخلاقي والفكري، ولم نجد بديلاً عن كلمة التعددية إلا تعددية الجنسيات التي غرزت خنجرها في خاصرة الوطن وعين كل مواطن، ولم نحصد من الديمقراطية المزعومة إلا صفعات القاصي والداني للسوري بكل تفصيل صغير في حياته اليومية، فأي نخب وأي مثقفين.!؟

كنا متوهمين نحن والوطن أنهم له ذراع وقلب، وكانت طعنتهم هي الأقسى والأعنف على الشعب السوري  في تاريخ هذه الحرب. لا يلام الجاهل بجهله، بل يوزن صاحب العقل بالمكيال، وقد هوى بهم ميزان الحق، وضللهم الطريق إلى الوطن، والوطن إن لم يجدوه في قلوبهم، فلن يجدوه أبدا.

يطالب من كان سيدا وحرا وكريماً في وطنه، عبد العبد بحريته، من حملت شعاراته وراياته وشجعت رصاصته التي تصوب على صدر الوطن، هو جاهز أن يجعلها غنيمة له وسبيّه على مذبح الشريعة التي يصطاد بها فرائسه ويشبع بها غرائزه حين يشاء.

هذا ما حصل في سوريا، بدقة شديدة. فكيف يعتمد وطن على هؤلاء المدّعين أنهم وجهه الحضاري والثقافي؟!

مغبون هذا الوطن بهم، وملعون من يصدقهم. لقد سقط هؤلاء من أعلى أبراجهم  ومن أعلى العيون ومن أعلى القمم التي وصلوها على أكتاف غيرهم ومن لهم الأولوية بها، ليكون سقوطهم مدوياً وعنيفاً، إلا قلة منهم،  البعض آثر الصمت والبعض الأخر يُسمع صوته بين الفينة والأخرى بخجل، ومنهم من لم يزل يتصيدُّ في رواكد الماء.

أشخاص معدودون منهم وقفوا مع الوطن ومع جنوده ومع فقرائه، وقد حفظهم الصغير والكبير في سوريا، لأن الناس كانت تترقبهم، فهي لا تنسى ولن تنسى من أساء وخان وباع الوطن، وتاجر بالدم ليحصل على أمجاد شخصية.

الحيادي في ما يحصل منافق كبير وجبان وغد.

شرفة الموت

* ما هي أكثر مشاهد الحرب قساوة، والتي لا تهرب من ذاكرتك مهما حاولت طردها ونسيانها؟ وإلى أي عالم أخذتك الحرب على المستويين الإنساني والأدبي؟

- المشهد الذي لن يفارقني ما حييت هو أشلاء التفجير الذي حصل في الحي الذي كنت أقطنه. منذ ثلاث سنوات، كنت قبل دقائق معدودة قد توقفت على الشرفة والتقطت صوراً لطلبة المدارس وهم عائدون من مدارسهم ويهتفون ويصفقون لسوريا والجيش ويحملون الأعلام الوطنية، وحفزني هذا المشهد أن التقط لهم بعض الصور وأنا بفرحة عارمة، كانوا يمتلؤون حياة وحماسة، وبعد دقائق، صحونا من هزة عنيفة اهتزت لها أرجاء البيت وتكسرت فيها النوافذ، كان صوت الموت مباغتاً جدا، نظرت من الشرفة لأدرك ما الذي يحصل، فاجئتني رفوف الطيور التي هرعت هي الأخرى للفضاء من شدة الانفجار ورائحة الحريق والدخان ملأت صدري، وبعد دقائق كانت أشلاء من صورتهم  تحترق وتتناثر في الهواء وعلى الشرفات، ويعبرون امامي بقايا أجساد، والمنقذون يلفونهم بقمصان خلعوها بذعر كي يغطوا عري الموت الفاحش. كان مشهدا مريعاً أخرسني عن البكاء. شعرت وكأنني ابتلعت لساني، شعرت أنني لا استطيع الصراخ بملء فمي وحنجرتي، أدركت أن مهمتي كمثقفة  قد بدأت بالفعل، وقد كنت منذ اللحظات الأولى مواظبة على حشد الرأي العام وتكثيف الجهود على صفحتي بالكتابة لكل من يقرأ ليفهم ما الذي يدور حولنا، كان كل شيء في البداية فيه التباس، وكان علينا أن نوضح ونبين بشكل دقيق ما يجري، كانت مهمة ليست سهلة مطلقاُ.

كنت لا اكترث لمن لا يريدون الفهم بعد أن تعبنا من الإيضاح والشرح وتقديم الدلائل على مر سنوات، كنا نريد ان نضع الحقائق أمام أعينهم ولكنهم لم يصدقوا لأنهم لا يريدون التصديق، ولأن كان هناك من له جل اهتمامي، كان وقتها الجنود يحتاجون لمن يصدقهم، لمن يصدق أنهم يقاومون رصاص القناصين وضرب المتظاهرين وطعنهم بأجسادهم العارية وهم لا يملكون أكثر من عصي لا تقيهم طعن السكاكين ورصاص الغادرين من فوق الأسطحة، وقد رأيتهم في منطقة المزة الشيخ سعد كيف خرج الكبير والصغير والطفل بعد صلاة الجمعة وبدؤوا يضربون الشباب من قوى الأمن بالهراوات وسكاكين المطبخ ورفعوا العلم الصهيوني "الإسرائيلي" في وجه رجال الأمن، وحين كتبت الحادثة، طبعاً هؤلاء المدعون لم يصدقوا واتهموني بالعمالة لرجال الأمن وأننا طائفيون ومنحازون لمن هم في السلك العسكري على اعتبار أن معظمهم من قرى الساحل السوري وان النظام تابع لطائفة بعينها، وكان علي حينها أن أكتب  بجوارحهم ولسانهم وبعيونهم التي ورّمها السهر على حماية المواطنين.

حتى أننا كنا ننادي سيادة الرئيس أن يحميهم من هؤلاء الغادرين وأن يسلحهم ليحموا أنفسهم من الموت، ليحموا أنفسهم من الغدر والحرق بالزيت وتقطيع الأوصال، ولأنه ارتقى الكثير من الشهداء جراء الضرب أو القنص أو الطعن، أو الزيت المغلي الذي كانت نساء الإرهابيين يسكبنه أثناء المظاهرات على رجال الأمن والشرطة من فوق الشرفات والأبنية. غدا قلمي لسان حالهم، وأحوالهم، وسعيت لأكون صوتهم وبكثير من الشموخ والشرف والإباء، كان كل ما أكتب لهم ومنهم وأستمده من عزمهم وصلابتهم وثقتي الكبيرة بهم، وكنت وما زلت على دوام التواصل معهم وجهودي حثيثة على أن اكتب شجونهم، ومواساتهم، وكل ما يفكرون به ولا يستطيعون قوله.

مرة أرسل لي أحد الرجال الأبطال من أرض المعركة، وكان متابعاً شغوفا لما اكتبه لهم،

قائلاً: وطن انت فيه يستحق التضحية.

المرأة السورية

*كيف كان انعكاس وأثر الحرب على المرأة السورية، وما هو مطلوب من المرأة المبدعة وسط ما يجري؟

- المرأة السورية كانت رافعة الصمود والثبات، في هذه الحرب التي لم تبق ولم تذر، كانت الأم التي نذرت ثمار عمرها والزوجة التي قدمت رفيق حياتها والابنة التي فقدت شجرة تظللها. المرأة السورية وكما كتبت لها يوما، إن كنت تريد أن تعرف تاريخ أمة فانظر أمهات رجالها، عندما كانت الأمهات تستقبل الشهيد تلو الآخر بالزغاريد والورد والأهازيج، كانت تشيّد الوطن مرتين وتنصره مرتين، مرة بدم ابنها ومرة بكبح دموعها وصراخها وكظمها غيظها. كانت تمسك العلم وتقبله. ولطالما سمعت هذه العبارة التي ستبقى على مرّ الأزمان تصدح عنفواناً وعزة، فداك يا سوريا. لن أنسى أبدا تلك المرأة التي حين استقبلت ابن أختها شهيدا في بداية الأزمة، كيف وقفت أمام موكب الشهيد وأمام حشد المعزين، وبدأت تنشد بلاد العرب أوطاني بحسرة وقهر وكأنها تعاتب كل العرب وكل من كان سبباً في قتله، وهي تدرك ذلك أكثر من أي مثقف أو مدعي ثقافة كان يحاضر في الجامعات أو يحصد جوائز أو يمثل على الناس. وبعد عام عاد ابنها مستشهدا، وقفت نفس الوقفة وأنشدت، سوريا يا حبيبتي، وهي سيدة أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها تعرف كيف تحب، وتعرف معنى الكرامة والشموخ.

 حب الوطن فطرة، فُطر عليها الشرفاء ورضعه الأبناء، وكان حليب أمهاتهم صافياً لا يشوبه كدر ولا غدر ولا عماء، نقيا سخيا في حب سوريا، فأثمر الكفاح والنضال والثبات.

الكثيرات من أمهات الشهداء كن يدخرن من أموالهن الشخصية رغم إمكانياتهن المتواضعة ليقدمن الهدايا لأبناء الشهداء وقمن بفعاليات وطنيه لدعم الجرحى، وطالبن أمام الكاميرات ووسائل الأعلام وعلى صفحاتهن من نساء سوريا الصمود والصبر، وهن مثلهن أمهات شهداء ويعرفن معنى الحسرة والفقد.

الكثيرات تطوعن لحمل البندقية وارتقين شهيدات، وما زلن يقفن على الحواجز، ومنهن من تقدمت لتعمل قناصاً ومنهن من تقدمت وبجرأة محارب على الخطوط الامامية، حتى ذرفت دمها على تراب الوطن كالإعلامية يارا عباس.

المرأة السورية، عندما يقول لها ابنها من أرض المعركة ادعيلي يا أمي، تقول الله يحميكم يا أمي ويرجعك أنت وكل رفقاتك بالسلامة، كل الرجال على ارض المعركة أولادها.

خُطفت وقُتلتْ وتشردتْ وهُجرتْ. جاعت وعطشت واحتطبت، ولم تزل  ترسل أبناءها إلى أرض المعركة، واحداً تلو الأخر.

ثُكلتْ وترملتْ وتيتمتْ وما زالت تقول سننتصر، ولدينا رجال باقون سيحمون الوطن.

أما على الصعيد الادبي والفني فكانت لهن صولات وجولات، نشطت النساء في فترة الحرب ودأبت على أن تكون مقاتله ولو بقلمها، عرفت شاعرات وأديبات وسيدات على الفيس بوك لم أكن اسمع بهن من قبل، قرأت لهن عن الشهادة والتضحية والصمود والثبات بما يكفي لأفتخر بأني واحدة منهن، وجميعنا نجتمع على حب سوريا والدفاع عنها بكل ما أوتينا من عزم وإرادة.

المكان ولحظة الخلق الأولى

* حدثينا عن المكان وحضوره في تجربتك الشعرية؟

- المكان، هو لحظة الخلق الأولى للإنسان يفتح عينيه على الدنيا فيها لتمتلئ عيناه وقلبه وروحه ذاكرة يفجرها فيما بعد شعراً أو نثراً أو حنيناً، المكان الأول مهد تشكل الوعي الباطن للمرء، لذلك حين أكتب لا يفارقني الوله الأول، فضاء قريتي، وقد تجلى في كتاباتي ولا أستطيع الخروج منها. ذاكرتي وعل وثّاب فوق تلك الهضاب والسهول والصخور، التي كنت أقضي فيها شرود طفولتي، أحفر الطين وآكل التراب وأقف طويلاً تحت المطر حتى تشرب ملابسي طين السماء لأعود إلى المنزل وتضربني أمي من هول ما تشاهد من شقاوتي، كنت أجلس طويلا أراقب العشب حتى مرة ظننته سينبت بين أصابعي، أحب الرعي والمراعي، والمروج الخضر في الربيع، وكلماتي قطيع غنم،  كلما سمعت أجراسه أهرع لملاقاة راعيه، البراري هي سرير قصيدتي. منذ عشرين عاماً وأنا أسكن المدينة وما زلت أحاول إقناع قصيدتي أن تسير فوق الأرصفة الإسفلتية، أو أن تتعرى مرة وأحدة أمام شاطئ ماء، وترفض كما ارفض أن تكون عصفورا في قفص.

تاريخ أدبي حافل بصور الحرب

* لمن تقرئين ؟ وماذا تقرئين ؟

قرأت بورخس وباولو كويلو، إيزابيل الليندي، ماركيز كأدب مترجم، الأدب المترجم من جميع اللغات للعربية حتى الكردية والفارسية،  كما كنت مواظبة  بحداثتي على قراءة الأدب الروسي، وترك أثرا عميقاً في داخلي، أنبشه الآن من ذاكرتي، وأتساءل لم لا يكون لدينا تاريخ أدبي حافل بصور الحرب وتداعياتها وتقرأ عنه الأجيال القادمة القادمة وتتعلم منه ربما يغنينا عن حرب أخرى، كما كان للأدب الروسي في ذلك الحين وقع على كل من قرأه؟ كتابنا الآن، في مهب المسؤولية وعلينا ان ندرك أن مسؤوليتنا أكبر، علينا الآن إفشاء الوعي، مواجهة للجهل الذي تفشى في مجتمعاتنا، مقارعة الظلم والفساد، وبناء الوطن على أرض صلبه لا فوق الركام.

الانفتاح على عوالم الآخرين ضرورة لإغناء عالمك، الأدب يعني تجربة شعب في طيات كتاب أو رواية أو تجدها شعرا، كما فعل بودلير. 

أما بالنسبة للكتب العربية فقرأت أدونيس والماغوط ودرويش ونزار قباني ونوال السعداوي، وأحببت كثيراً تلك الأنثى المتمردة في داخلها. أما جبران فقد كان أول قراءاتي، أول شغف في عوالمي المعرفية. أقرأ كل كتاب استطيع أن أتابع مع كاتبه إلى ما بعد الصفحة العاشرة، أقرأ الرواية والشعر والقصة القصيرة والخاطرة وأقرأ أيضاً ما تيسر من الكتب التاريخية والسياسية، أما الأن فليتنا نستطيع أن نقرأ أوجاعنا، ونتعلم منها. كما تعلم ويعلم الجميع أصبحنا في وسط العاصفة والسياسة أصبحت كل حياتنا وليست جزءا منها، أما الرواية التي كانت منعطفاً في حياتي فكانت للطاهر بن جلون (تلك العتمة الباهرة).

الحرب سرقت منا الحب

*ما هو المحرك للإحساس المولد للدفقات الشعرية في نصوصك حين تشرعين بكتابة القصيدة ؟

- قبل الحرب كان الحب وجوده أو فقدانه أو البحث عنه. كانت همومنا بسيطة ومشروعة، كنت كأنثى تسعدها كتابة قصيدة لمن تحب، كما تسعد الاطفال قطعة الحلوى، كما تفرح بعض النساء بتسريحة شعرها أو مساحيقها، لم أكن افكر يوماً أن قصيدتي ستصبح  ضمادا لجريح أو وردة على نعش شهيد عائد للوطن، أو دمعة ستقضي باقي ايامها تتراقص في حقيبة سفر.

أما الآن فهو الوجع الذي سرق منا الحب، وأعني الحب بين البشر أيضاً وليس الحب العاطفي بين طرفين، الحب الذي يعزز الألفة بين البشر ويربطهم، ويمتن أواصر البناء، في أي مجتمع، وخصوصاً في مجتمعاتنا الشرقية التي يتكئ عليها التآخي الاجتماعي والعلاقات الإنسانية. في سوريا وفي المدن حصرا كنا نعيش في أحياء متراصة وبيوت متلاصقة من كل الطوائف والأطياف ونعيش بأمان وكنا متحابين ولا نفرق بين ابن مدينة وأخرى، كان ابن اللاذقية ينام في بيت ابن دير الزور، وكانت جارتي تضع ابناءها عند مربية من حلب وهي من طرطوس. أبدا لم نكن نشعر بالغربة أو نترقب أو نأخذ الحيطة ونتوجس كما يحصل الآن، للأسف الحرب سرقت منا الحب والألفة فيما بيننا إلا فيما ندر، وتركتنا نقتلع اشواك الغربة حتى في حاراتنا وزواريبنا الضيقة