العراقيون في سورية بين صالات الانترنيت وأبواب السفارات

تاريخ النشر: 11 نوفمبر 2006 - 01:26 GMT

يميل معظم العراقيين المتواجدين في سورية إلى الاعتقاد أن إقامتهم في سورية ما هي إلا مجرد محطة انتقالية في طريقهم نحو أوروبا أو أستراليا أو كندا، ويسعى هؤلاء من خلال أقاربهم المتواجدين في هذه البلدان أو معارفهم الذين حالفهم الحظ في الهجرة إلى هذه الدول، إلى تأمين أوراق القبول والمستندات التي تساعدهم في الحصول على موافقة السفارات ومنحهم تأشيرات السفر. وفي سعيهم هذا يواصل العراقيون تنقلهم بين مقاهي الانترنيت والسفارات الغربية، أملين أن ترمي لهم إحدى هذه السفارات بطوق النجاة الكفيل بانتشالهم مما هم فيه، وبما يكفي لجعلهم يقطعون كل ما يربطهم ببلدهم وبالمنطقة العربية على الأغلب.

ولا نبالغ إذا ما قلنا أن نحو90% منهم جرب حظه على أبواب السفارات، حيث حالف الحظ قسما منهم بالحصول على اللجوء الإنساني انطلاقا من كون العراق حاليا بلدا منكوبا وغير آمن. وعلى الرغم من تشدد السفارات الأمريكية ليس في سورية وحدها بل وفي سائر دول العالم، في منحهم هذا الحق لاعتبارات تتعلق بكونها الدولة التي يهمها التعبير عن استقرار الأمور الأمنية في العراق، إلا أن دولا أخرى مثل السويد والدانمرك وكندا ظلت تستقبل أعدادا أكبر منهم، خاصة في المراحل الأولى للغزو الأمريكي عندما كانت المسألة الأمنية لا تزال في اوجها، ولكن دون أن يعني هذا أن المسألة الأمنية اليوم أصبحت أفضل، لأن بوادر الحرب الأهلية باتت أكثر قربا، إن لم نقل أنها قائمة، حتى وإن لم نعترف بوجودها حتى اللحظة.

يقول سامر الذي يمضي يوميا نحو ساعتين في إحدى مقاهي الانترنيت للحديث مع أهله في السويد: إن العراق في أحسن سيناريو متوقع، لن يصبح أوروبا، فالعراق سيبقى العراق والطائفية التي صارت اليوم غولا يهدد الجميع سوف تأتي على الجميع، وهو لا يتوقع نجاح التجربة الديمقراطية مع وجود الطائفية، لذلك فهو يسعى جاهدا لاغتنام الفرصة وعدم تفويتها، خاصة وان بقية أهله كانوا سبقوه إلى السويد وهم يحاولون جاهدين تمكينه من اللحاق بهم للم شمل الأسرة التي فقدت أثنين من أبنائها أحدهما أيام صدام في الحرب العراقية الإيرانية والثاني خلال الاجتياح الأمريكي للعراق 2003.

أما مكاريوس وهو أحد أبناء الطائفة الآشورية فيقول: إن فكرة السفر لم تفارقني يوما واحدا وحتى قبل سقوط بغداد، لكن الظروف التي كنا نعيشها أيام صدام حسين لم تمكنني من اللحاق بشقيقتي التي تزوجت إلى استراليا منذ قرابة عشر سنوات، لكن المستجدات على الساحة العراقية جعلت البقاء فيها بالنسبة لي ولأسرتي كارثيا أو هو بمثابة حكم بالإعدام لا نعرف ساعة أو مكان حدوثه. لذلك فأنا أحاول منذ سنتين ترتيب مسألة سفري إلى استراليا لكن الأمور ليست بهذه البساطة، خصوصا مع تزايد مشكلات الإرهاب وتوابعها مما يجعل المسألة تحتاج إلى المزيد من الوقت. أتمنى أن أحصل على تأشيرة السفر في وقت قريب وإن لم أحصل عليها من أسترالية فسوف أجرب من جديد مع سفارة دولة أخرى، المهم أني لن أتنازل عن حلمي في الهجرة.

أم مارتين سيدة في الأربعين تقيم في سورية منذ سنة ونصف السنة تقريبا تقول: اعتمد وزوجي على ما ترسله لي شقيقتي من استرالية كي أتمكن من دفع أجرة المنزل الذي نقيم فيه، ونحاول منذ مدة الحصول على موافقة السفارة الاسترالية لسفرنا لكننا لم نحرز أي تقدم إلى الآن على الرغم من أننا أنجزنا تقريبا كل الأوراق المطلوبة منا، لكنهم لم يوافقوا لنا بعد. وعن نيتها في العودة إلى العراق مستقبلا فيما لو نجحت في السفر إلى استراليا قالت: كي أكون صريحة معك أقول لك أن الأوضاع في العراق لا تشجعنا على العودة ولكن فيما لو تحسنت الظروف الأمنية وعادت المياه إلى مجاريها فمن المؤكد أننا سوف نعود، فالعراق هو بلدنا ولا أحد يكره بلاده.

قد يكون ما قالته أم مارتين صحيحا بالنسبة لها على اعتبارها نشأت في العراق وترعرعت فيه، لكن الأمر يختلف مع أولادها الذين، لا يذكرون من العراق سوى الكبت والقتل وقمع الحريات والعمليات الإرهابية. أن ما يربطهم بالعراق أقل مما يربط أمهم، وموقفهم بالتالي من مسألة العودة إلى العراق مختلفا كليا. فهل يعود العراقيين الذين تنفسوا من أوكسجين الغرب يوما إلى بغداد؟ أم سيأتي اليوم الذي يقولون فيه أننا من أصول عراقية!!