العراق: العنف يتراجع ولكن الجراح باقية

تاريخ النشر: 19 ديسمبر 2007 - 12:05 GMT

يواصل العنف في العراق تراجعه على ما تفيد وزارة الدفاع الاميركية لكن جرح العراقيين سيبقى لفترات طويلة حتى لو توقف هذا العنف.

العنف يتراجع.. 

افاد البنتاغون في تقرير نشر الثلاثاء عن استمرار تراجع العنف المسجل في العراق بفضل "التقدم الكبير" الذي تحقق على الصعيد الامني خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة داعيا بغداد الى تسريع جهودها في المجال السياسي.

واكدت وزارة الدفاع الاميركية في الوثيقة الواقعة في حوالى ستين صفحة ان ايران تواصل امداد المتمردين الشيعة في العراق بالاسلحة والدعم.

واشار التقرير الفصلي الصادر بعنوان "تقويم الاستقرار والامن في العراق" عن الفترة الممتدة من ايلول/سبتمبر الى تشرين الثاني/نوفمبر الى "تقدم مهم على الصعيد الامني وديناميكية مصالحة على صعيد المناطق والمحافظات وتقدم اقتصادي".

وتابع النص ان "تحسن الامن بدأ يصل الى وتيرة قد تؤدي في حال استمرارها الى احلال استقرار دائم في العراق" مشيرا الى ان عدد الاحداث الامنية تراجع الى مستويات غير مسبوقة منذ صيف 2005.

وذكر التقرير ان "عدد الهجمات الاجمالي في العراق تراجع بنسبة 62% منذ اذار/مارس 2007".

واستقر عدد الهجمات الاسبوعية بما في ذلك التفجيرات بالقنابل والهجمات بالاسلحة الخفيفة والاعتداءات بالسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية في حدود 600 عملية بين منتصف تشرين الاول/اكتوبر ونهاية تشرين الثاني/نوفمبر بالمقارنة مع حوالى 900 عملية في الاسبوع في نهاية ايلول/سبتمبر وحوالى 1600 في نهاية حزيران/يونيو.

كذلك استمر تراجع عدد التفجيرات بالعبوات اليدوية الخارقة للدروع التي تعتبر السبب الاول لسقوط الجنود الاميركيين في العراق.

وتراجع عدد القتلى المدنيين في العراق بانتظام بين ايلول/سبتمبر ونهاية تشرين الثاني/نوفمبر الى ما دون 500 قتيل بعدما تجاوز الف قتيل في تموز/يوليو واب/اغسطس.

وفسر البنتاغون هذا التقدم بتعزيز القوات الاميركية مطلع 2007 وكذلك تحسن اداء قوات الامن العراقية فضلا عن برنامج واسع النطاق باشره الجيش الاميركي مطلع السنة بهدف ضم العشائر والمجموعات السنية الى حملة مكافحة تنظيم القاعدة.

وفي هذا الاطار بات نحو سبعين الف متمرد سابق يتصدون للتنظيم الارهابي وقد سددوا اليه ضربات قاسية.

غير ان التقرير حذر من "استمرار التحديات على الصعيد الوطني" مشيرا الى ان "تحقيق النجاح على المدى البعيد سيتوقف على قدرة الحكومة العراقية على البناء على التقدم الذي يتحقق محليا واصدار تشريعات اساسية" من بينها قانون حول تقاسم العائدات النفطية "وتشجيع المصالحة الوطنية".

ويتم ارجاء اقرار مشروع قانون حول اعادة البعثيين السابقين الى الوظائف العامة بشكل متواصل نظرا الى وجود خلافات كبيرة بهذا الشأن بين مختلف الاطراف السياسيين العراقيين.

كذلك اشار التقرير الى ان ايران تواصل تقديم الاسلحة والدعم للمسلحين الشيعة في العراق بالرغم من التراجع المسجل خلال الاشهر الماضية في عمليات تفجير العبوات الخارقة للدروع الايرانية الصنع على الاراضي العراقية.

وختم التقرير "ان دعم طهران لهذه المجموعات الشيعية الناشطة التي تهاجم القوات العراقية وقوات الائتلاف يبقى عائقا كبيرا في وجه التقدم الهادف الى تحقيق الاستقرار" في العراق. واتهم الحرس الثوري الايراني بتوفير "كمية من المتفجرات والذخائر".

غير ان وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس اعتبر خلال زيارة قام بها الى الشرق الاوسط مطلع كانون الاول/ديسمبر انه "من المبكر" الربط بين تراجع وتيرة انفجار العبوات الناسفة الايرانية الصنع في العراق وتوقف دعم الايرانيين للمتمردين.

والجروح باقية

على مدى أجيال قادمة سيتعين على العراقيين معايشة آثار الجروح البدنية والمعنوية لعشرات الالاف الذين أصيبوا اصابات حادة في أعمال العنف الذي يعصف ببلادهم منذ أربع سنوات.

ومن بينهم الاف بترت اعضاؤهم والعديد منهم من الاطفال.

فالتاريخ والوقت والمكان الذي تغيرت فيه حياة علي عبد الله محفور في ذاكرته.

كان يوم 24 من تشرين الثاني/نوفمبر  عام 2005. صباح يوم خميس وهو في الثالثة عشرة من عمره.

يدير والد علي ساحة انتظار للسيارات في جنوب بغداد. وفي ذلك اليوم وافق على ان يترك ابنه الوحيد يبدأ العمل وحده لاول مرة. كان فخورا به.

ذهب علي الى العمل. وفي الضحى خرج لتناول الافطار وصادفت لحظة خروجه انفجار سيارة ملغومة. ودمرت الشظايا احدى ساقيه واحدى عينيه وأمطرت صدره بالجروح.

حكى علي قصته وهو ينتظر ساقا صناعية جديدة في مركز بغداد للاطراف الصناعية احدي عياديتين للاطراف الصناعية في العاصمة العراقية.

وقال "جئت لاستبدل القديمة لانها صغرت وأصبحت أعرج وأنا أسير."

وصل علي الى المركز مع احد جيرانه وهو شرطي عمره 23 عاما يأمل في الحصول على قدم صناعية بعد أن فقد قدمه في انفجار عند حاجز تفتيش كان موجودا به.

وسجل مركز بغداد وحده 2700 حالة تركيب أطراف صناعية منذ عام 2003. وتكلفة العناية بها كبيرة خاصة في حالات الاطفال الذين يحتاجون لاستبدال الاطراف الصناعية باستمرار مع نموهم.

وقال قاسم محمد نائب مدير المركز "نحن نعنى في الاغلب بالاطفال. نحاول ان نوفر لهم الاطراف الصناعية بأسرع وقت ممكن. ونتطلع لمساعدتهم على العودة للمدارس ولحياتهم الطبيعية."

والى جانب التكلفة الفعلية يكون هناك أثر نفسي كبير.

وقال حسين مجيد واحد من نحو 20 أخصائي أطراف صناعية في ورشة المركز حيث تصنع الاطراف باستخدام الات قديمة وقوالب الجص واللدائن والصمغ " بعضهم يأتي الى هنا يائسا لكننا نحاول زرع الامل في قلوبهم لان 50 بالمئة من العلاج نفسي."

وقال سعد الشبوت (65 عاما) انه يشعر الان بالقدرة على التكيف بعد عامين من فقد ساقه في انفجار قنبلة في سوق الشورجة في بغداد.

وقال في غرفة الانتظار بالمركز "وصلت في لحظة الى الرغبة في الانتحار لكني أفضل الان."

وأضاف "انا مدير في الخطوط الجوية العراقية. وكنت على وشك النقل لرئاسة فرع الشركة في القاهرة لكني ألغيت النقل. كيف أذهب بلا ساق."

وحتى الاطباء يتأثرون عاطفيا بالحالات.

فتذكر صادق علي الاخصائي النفسي بالمركز الذي يساعد الضحايا على التكيف مع حياة العجز شابا عالجه منذ شهرين بعد أن فقد أطرافه الاربعة.

وقال "كنت على وشك البكاء أمامه لكني خفت أن يجرحه ذلك. كانت معنوياته مرتفعة وتقبل مصيره."

وعادة ما يحتاج الجرحى لعمليات جراحية متطورة قبل تركيب الاعضاء لكن العراق شهد نزيفا للعقول اذ فر الاطباء المتخصصون خائفين بعد ان استهدف المسلحون والخاطفون والعصابات الاطباء.

وقال أحد أبرز الجراحين في هذا المجال في بغداد والذي طلب عدم نشر اسمه او اسم المستشفى الذي يعمل به "كان لدي عشرة أطباء تخدير الان لدي اربعة."

وتابع ان المستشفى بامكانه أجراء عشر عمليات اسبوعيا انخفاضا من ما بين 14 و15 عملية اسبوعيا قبل الحرب.

وفي طرقات المستشفى يهدهد اب ابنته نبعة وعمرها عامان انتظارا لدورها ليفحصها الاستشاري.

فقد أصيبت بطلقين ناريين في الرأس منذ عام اثناء سفرها مع مجموعة من أقاربها بالسيارة الى بغداد. نجت من الموت لكن جلد رأسها تضرر بشدة مما تركها صلعاء.

وقال والدها مهدي وهو يحمل طفلته بيد وصور الاشعة باليد الاخرى "قتل شقيقي وابن عمي وأصيبت زوجتي ووالدتي بجروح. وأصيب شقيقي الاخر بجروح خطيرة من 11 رصاصة وهو يرقد الان في مستشفى."

وفي مركز الاطراف الصناعية طلب الفنيون من علي العودة بعد شهر للحصول على الساق الجديدة.

وقبل أن يغادر حكى قصة الانفجار مرة أخرى وكيف يطلب منه زملاؤه في المدرسة ان يريهم ساقه الصناعية لكنه لا يريها الى للاصدقاء المقربين.

وقال "بالطبع أتمني لو لم أكن خرجت في ذلك اليوم... كان يوم خميس في الساعة العاشرة والنصف صباحا يوم 24 من تشرين الثاني/نوفمبر 2005."