الفرنسيون يتابعون القطيعة مع سوريا

تاريخ النشر: 07 أغسطس 2006 - 04:53 GMT
بيروت:البوابة

ذكرت مصادر فرنسية إن باريس "لا تريد أن تستفيد دمشق من الوضع الحالي في لبنان ومن الاتصالات الغربية معها لكسر عزلتها السياسية أو للعودة للتأثير في الوضع اللبناني بموافقة غربية " مشيرة إلى أن باريس ترى أن لإيران "دورا أكبر في التأثير على حزب الله وكذلك في التأثير على سورية".

وذكرت مصادر دبلوماسية أخرى في باريس بحسب صحيفة الشرق الأوسط إن من بين الأفكار التي يجري البحث بشأنها في الوقت الحاضر في نيويورك وفي العواصم الغربية تكليف شخصية سياسية من الطراز الأول مهمة بلورة بنود الاتفاق السياسي بين إسرائيل ولبنان والذي سيشكل الأساس لوقف دائم لإطلاق النار وكذلك الإشراف على تنفيذه في مرحلة لاحقة.

وأكدت هذه المصادر أن الوسيط الجاري البحث عنه يفترض أن يكون شخصية جديدة ، ما يعني استبعاد أسماء اضطلعت حتى الآن بأدوار معينة في المنطقة بتكليف من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان وأولها الوسيط تيري رود لارسن المكلف متابعة تنفيذ القرار 1559.

وأضافت أن من بين الأسماء المطروحة يبرز اسم الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون ، غير أن المصادر المشار اليها رسمت علامات استفهام حول قبول كلينتون لمثل هذه المهمة بسبب الطموحات الرئاسية لزوجته هيلاري وربما حرصه على عدم إزعاجها بهذا النوع من المهمات الحساسة وغير المضمونة النتائج سياسيا.

وفي جانب متصل ذكرت صحيفة السفير اللبنانية أنه في وقت تنشط الدبلوماسية الاسبانيةأكثر في اتجاه دمشق، جددت فرنسا أمس، موقفها من التعامل مع سوريا، معتبرة أن هذا الأمر "غير محبذ".

وقال وزير الخارجية الفرنسية فيليب دوست بلازي خلال مؤتمر صحافي إنه حين "نتوجه الى سوريا ونجري محادثات مع السلطات السورية لا يبدو لنا حاليا أمرا محبذا".

يعتقد عدد من المحللين السياسيين الغربيين وبعضهم اميركي، بعد متابعتهم الدقيقة للاوضاع في لبنان وسوريا ولاسيما منذ انسحاب الاخيرة من الاراضي اللبنانية، ان النظام السوري الضعيف والمستضعف من المجتمع الدولي واسرائيل قد بدأ يستعيد قوته او بعضها، وخصوصا بعد اندلاع الحرب الاسرائيلية الهمجية الاخيرة على لبنان. اما الاسباب التي يسند اليها هؤلاء اعتقادهم فكثيرة ومتنوعة ابرزها الآتي:

1 - وقوع الدول الثلاث التي وعدت اميركا بتحويلها ديموقراطية وبفتح ابواب المستقبل المشرق امامها وهي العراق ولبنان وفلسطين، في الفوضى وفي احضان التيارات الراديكالية المتطرفة وفي الانهيار الاقتصادي. ومن شأن ذلك دفع السوريين الى التمسك بنظامهم رغم رفض البعض منهم له وتحفظات البعض الاخر عنه. ومن شأنه ايضا نزع ثقتهم وثقة اللبنانيين باميركا. ذلك انها لم تتمكن من تنفيذ وعودها اللبنانية، وبدلا من تقديم كل ما يحتاجون اليه لبناء وطنهم الديموقراطي من جديد فانها انقضت عليهم بواسطة اسرائيل رغم علمها ان ذلك ليس الطريق الحقيقية لحل مشكلاتهم. وقضى ذلك على وهم الاعتقاد ان اميركا يمكن ان تؤيد حلفاءها العرب في اي مواجهة لهم مع اسرائيل.

2 - توافر فرص حقيقية للنظام السوري للقول علنا ان الحرب الدائرة في لبنان تقوي الشمولية والديكتاتورية والتسلطية في المنطقة وتبررها. العراق وما حصل فيه كان الفرصة الاولى، اذ صار في امكان الرئيس بشار الاسد القول ردا على تهجم اميركا عليه ان ادارتها لم تعرف ماذا كانت تفعل في العراق ولا تزال وانها ستجلب الموت للعراقيين والتقسيم للعراق والحرب الاهلية وليس الحرية. وفلسطين وما حصل ولا يزال يحصل فيها كان الفرصة الثانية. اذ قوّى رفض اميركا والغرب عموما للحوار مع حكومة "حماس" التي وصلت الى السلطة بطريقة ديموقراطية موقف الاسد الابن وزاد شعبيته في الشارع السوري كما في الشوارع العربية. ولبنان كان الفرصة الثالثة، ذلك ان النظام السوري ابلغ الى شعبه ان لبنان سيعود الى الاقتتال الاهلي والطائفي والمذهبي بعد انسحاب قواته منه لانه ليس دولة او امة بل مجموعة شيع وطوائف متقاتلة. وبرر "احتلاله" اياه بكونه مفتاح الاستقرار فيه والمصدر الوحيد لحماية ابنائه بعضهم من بعض. طبعا اخطأ النظام في موضوع الإقتتال الداخلي في لبنان، اذ لم يحصل على الاقل حتى الآن. ومن سخرية القدر ان اميركا توافقت مع سوريا على عدم كون لبنان امة او دولة فاعطت اسرائيل الضوء الاخضر، وبعد يأسها من نجاح اللبنانيين في احداث التغيير الذي يريدون وتريده هي معهم، للانقضاض على الديموقراطية العربية الوليدة فيه. وسوريا نفسها كانت الفرصة الرابعة، ذلك ان رئيسها ابلغ الى الاميركيين اكثر من مرة ان بلاده ليست مهيأة للبديل الديموقراطي الغربي بسبب القبلية والطائفية والمذهبية المسيطرة على شعبها، وان الشمولية والديكتاتورية ضروريان لها كما للشرق الاوسط كله حيث لا يزال الضمير الوطني والانتماء الوطني ضعيفين. واثبتت حوادث العراق ولبنان صحة تحليل النظام السوري، وشرعنت في الوقت نفسه هذا النظام وقوّته. وبذلك صبت نظرية "الدومينو" في مصلحة بشار الاسد بدلا من ان تكون في مصلحة اعدائه الراغبين في الخلاص منه.

3 - لم يعد في استطاعة المعارضة السورية، المدعومة مباشرة او مداورة من اميركا، مواصلة نشاطها، لانها ستظهر خائنة وكذلك لان مشاعرها السلبية اساسا ضد اميركا واسرائيل ستزداد. ومن شأن ذلك تمكين النظام السوري من الانقضاض بكل امكاناته عليها من دون ان يعترض عليه احد داخلا وخارجا. علما ان ذلك كان صعبا بعض الشيء قبل شهر او اكثر بسبب مواقف المجتمع الدولي.

4 - لا بد ان يعمق تأكّل شعبية الولايات المتحدة في المنطقة وشرعية اعمالها وسياساتها، التساهل حيال النظام السوري. واي استعمال اميركي مباشر او غير مباشر للقوة لحل مشكلات اقليمية معينة سيبرر استعمال الاسد الابن القوة لاغراض مماثلة وسيجعلها مقبولة.

5 - احرجت واشنطن في لبنان حلفاءها العرب، وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية، اذ صاروا اقل قدرة على ممارسة ضغط على سوريا بالنيابة عن اميركا في المستقبل.

6 - بدأ دعم اوروبا لسياسات جورج بوش الشرق الاوسطية يتأكّل نتيجة "فياسكو" اللبنانية او الفشل في لبنان.

7 - كان لبنان المصدر الاخلاقي الوحيد الذي برر ضغط اميركا وحلفائها على سوريا. وهذا الدور لم يعد في استطاعتها القيام به الآن.

8 - قد يكون التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري انتهى بسبب الحرب الدائرة وانعكاساتها على الداخل اللبناني بعد انتهائها. وسيحتاج لبنان الى سوريا مستقبلا نظرا الى قدرتها على التأثير في وضعه الاقتصادي المنهار. واخلاقيا سيجد لبنان صعوبة في اتهام سوريا بانها دولة "مارقة" وهذا ما فعله في السنتين الماضيتين، وخصوصا انه لم يعد البديل منها.

9 - اظهرت مقاومة "حزب الله" وسلاحه قدرة اللاعبين من غير الدول في المنطقة ولاسيما "المقاومة العربية" على تعديل ميزان القوى فيها او على التاثير فيه. وسيجعل ذلك سوريا وايران اكثر ثقة بقدرتهما على تحدي الغرب واسرائيل، واقل ميلا الى الركوع امام تهديدات واشنطن.

في اختصار ينهي المحللون السياسيون الغربيون انفسهم وبعضهم اميركي تحليلهم بالقول ان بشار الاسد اظهر براعة في تجنب "الرصاص" الاميركي وفي التفوق بالدهاء على اميركا. فهو رفض التمثل بالقذافي ولم يلق اي عقاب على ذلك، وربما على الرئيس جورج بوش رفع الهاتف والاتصال به.

ما هو مدى صحة التحليل المفصل انفا؟

لا يستطيع اي متابع موضوعي ان ينكر صحة قسم مهم من دون ان يعني ذلك موافقة على السياسة التي انتهجتها سوريا في لبنان قبل انسحابها منه ودعوة لعودتها الى لبنان لمعالجة مشكلاته بالطريقة نفسها التي ادت الى بقاء هذه المشكلات، بل تجذّرها، والى ما نراه اليوم وما رأيناه قبل اليوم. ولا يستطيع ان ينكر ايضا امكان قيام سوريا بدور لمساعدة لبنان على انهاء الوضع الراهن، وعلى التعاطي مع المرحلة المقبلة وخصوصا اذا كان ذلك نتيجة توافق مع المجتمع الدولي والمجتمع العربي الذي تتزعمه اميركا. ذلك ان الدور في غياب التوافق يعني توسيع ساحة الصراع الميداني بين سوريا وايران من جهة، والمجتمع المذكور من جهة اخرى. وفي ذلك نهاية لبنان. ولكن لا يستطيع اي متابع موضوعي الا ان يشير الى امرين بسؤالين:

الاول: هل يسمح الوضع الداخلي السوري المعبأ ضد لبنان واميركا واسرائيل، للنظام السوري بالتحرك في اتجاه تسووي وهو الذي استعاد شرعيته الشعبية بعد خروجه من لبنان بسبب عدائه لاميركا واسرائيل ورفضه تحول لبنان قاعدة للاولى؟ وماذا تستطيع اميركا ان تقدم اليه كي يخاطر ويقوم بالدور المطلوب؟ وهل في امكانها تقديم ما يحتاج اليه؟

والثاني: هل تستطيع سوريا بتحالفها الاستراتيجي مع ايران، غير المتكافىء في نظر كثيرين، القيام بأي دور من دون موافقة طهران؟ وهل تستطيع فض التحالف معها اذا كانت المغريات الاميركية والدولية والعربية كثيرة؟

من ذلك كله يستنتج المتابع الموضوعي ان فشل الحلول العسكرية والاقتناع بان السياسة والديبلوماسية هما الحل لما يجري في لبنان ثم في المنطقة لا يمكن ان يترجم عمليا الا بتفاهم مع طهران. فهي صارت نقطة الثقل في الشرق الاوسط العربي والاسلامي، الى ا سرائيل طبعا، مع التقدير الكامل لسوريا وموقعها ودورها.