الفلسطينيون واليهود المتشددون يوحدهم الارتياح لغياب شارون

تاريخ النشر: 05 يناير 2006 - 04:00 GMT

ينتاب الساسة الفلسطينيين قلق ازاء احتمال غياب رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون عن الساحة لكن الفلسطينيين العاديين الذين ذاقوا الامرين على يده والمتشددين اليهود الذين يعتبرونه خائنا، لا يخفون بهجتهم لتدهور وضعه الصحي.

وفيما اتصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس هاتفيا بمكتب شارون ليعبر عن تمنياته بشفائه، قال رئيس الوزراء الفلسطيني احمد قريع في رسالة موجهة الى رئيس الوزراء الاسرائيلي بالوكالة ايهود اولمرت "اتابع باهتمام كبير الوضع الصحي لرئيس الوزراء واشاطر الشعب الاسرائيلي القلق عليه".

وقال قريع في تصريحات الى الصحافيين في رام الله ان غياب شارون "سيترك فراغا كبيرا في اسرائيل".

واضاف "هذا حدث كبير ستكون له انعكاسات في اسرائيل وفي كل المنطقة"، مضيفا ان "الاسرائيليين سيفتقدون شارون القائد وصاحب القرار".

واذا كان شارون يعتبر العدو الاول بالنسبة الى الشارع الفلسطيني اجمالا، يعتبر بعض المسؤولين الفلسطينيين، لا سيما منذ انشاء شارون لحزب "كاديما"، ان الشعبية التي يتمتع بها في الداخل الاسرائيلي وقوته تسمحان له باحراز تقدم على صعيد عملية السلام مع الفلسطينيين.

وقال القيادي في حركة فتح عبد الفتاح حمايل ان "غياب شارون الان سيزيد الامور تعقيدا لان مبادرته بانشاء حزب جديد اعطت نوعا من الامل وان كان ضئيلا".

وكان شارون انشأ اخيرا حزب "كاديما" بعد ان ترك تكتل الليكود حيث واجهه اقصى اليمين بمعارضة حادة بسبب وضعه خطة للانسحاب من قطاع غزة وتنفيذها في ايلول/سبتمبر.

وتوقعت النائبة حنان عشراوي من جهتها ان يؤدي غياب شارون الى "تصعيد العمل العسكري الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني". وقالت "اتوقع استمرار التصعيد والسياسات الاسرائيلية المتطرفة لان الحكومة الاسرائيلية مع غياب شارون بقيت على حالها وايهود اولمرت يمتلك توجهات شارون نفسها وسياساته".

واضافت "سيكون هناك تصلب وتشدد من الحكومة الاسرائيلية لان اي حكومة يصيبها الوهن والضعف تلجأ الى التشدد للتعبير عن ذاتها".

واعتبر النائب المستقل في المجلس التشريعي الفلسطيني عزمي الشعيبي ان غياب شارون عن الساحة السياسية "يزيد شعور عدم اليقين من المستقبل لدى الفلسطينيين".

وقال "عندما اعلن شارون انشقاقه عن الليكود كان هناك نوع من الامل الذي استند الى وعود دولية واميركية بان شارون جاد هذه المرة في تحقيق السلام مع الفلسطينيين".

وقال "الان لن يكون امام الفلسطينيين الا العودة الى الاميركيين والى المجتمع الدولي وانتظار ما سيسفر عنه مخاض العملية السياسية في اسرائيل".

وتتناقض هذه المواقف السياسية مع مواقف الشارع الذي يحمل شارون خصوصا مسؤولية مجازر صبرا وشاتيلا في لبنان في 1982، ومسؤولية التسبب بالانتفاضة في ايلول/سبتمبر 2000 بسبب دخوله باحة المسجد الاقصى عندما كان زعيما للمعارضة.

وقال محمد رزق (28 عاما) الذي يعمل سائقا على سيارة اجرة "غياب شارون شيء عادي، لن يؤخر ولن يقدم لان القادة الاسرائيليين كافة هم شارون".

واضاف "شارون مجرم حرب، له تاريخ سيئ مع الفلسطينيين. انا سعيد لرحيله، لكن لا احد يعلم من سيحل مكانه، فمن الممكن ان يكون اكثر عنفا منه".

وتتذكر باسمة بدوان (30 عاما) ما كانت ترويه لها والدتها قبل عشرين عاما، عن اجتياح الجيش الاسرائيلي للبنان عندما كان شارون وزيرا للدفاع.

وكانت باسمة التي ولدت في لبنان من اسرة فلسطينية، تسكن في لبنان حينما وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا. وقد احصى الصليب الاحمر اللبناني اثر انتهاء هذه المجزرة 460 جثة لكن اللجنة الدولية للصليب الاحمر تحدثت عن ضعف هذا العدد من الضحايا. وقالت منظمة التحرير الفلسطينية لاحقا ان عدد الضحايا بلغ 1500 شخص على الاقل.

واوضحت باسمة التي تسكن في رام الله اليوم "سعدت جدا حينما اعلمتني ابنتي ليلة امس انها سمعت في الاخبار ان شارون يحتضر".

واضافت باسمة التي تعمل موظفة في مكتب خدمات في رام الله "جلست بعد ذلك امام التلفاز اتابع الاخبار التي قلما اهتم فيها لاتابع نهاية هذا الوحش".

وفيما قام صبية فلسطينيون صباحا بتوزيع الحلوى على المارة والسيارات في رفح في جنوب قطاع غزة مبتهجين بمرض شارون رددت حركتا حماس والجهاد الاسلامي صدى الشارع. ورأت حماس ان العالم سيكون "افضل" من دون ارييل شارون.

وقال المتحدث باسم الحركة سامي ابو زهري أن "ما يجري لشارون يمثل قدر الله في الطغاة والاشرار، والمنطقة ستكون افضل من دون شارون والعالم على وشك ان يتخلص من احد ابرز قادة الشر في العالم".

وقال القيادي في حركة الجهاد الاسلامي خالد البطش من جهته "سئم الله من شارون سفاح صبرا وشاتيلا وجنين فاراح كل الناس منه (...) لا نأسف عليه".

وفي الجهة المقابلة، كانت مشاعر الارتياح لدى المتشددين اليهود مماثلة لتلك التي شعر بها الفلسطينيون العاديون بعد تدهور حالة شارون، ولكن لاسباب مختلفة تماما.

وقالت حركة كاخ اليهودية المحظورة ان "الملائكة استجابت لصلواتنا" بعدما دخل شارون في الغيبوبة. ولم يخف العديد من عتاة المستوطنين بهجتهم، معتبرين ان افضل سبيل لاخراج شارون من الحياة السياسية هو ما يحدث له الان على يد خالقه.


وقد اصبح شارون الذي كان لفترة طويلة مهندس الاستيطان ويحظى بدعم اليمين القومي الاسرائيلي، العدو اللدود للتيار المتشدد لدى اليمين المعارض للانسحاب من قطاع غزة.

ووصفه بـ"الديكتاتور" و"الخائن" و"الكاذب" و"ذلك الذي يفرط بارض اسرائيل" ليست سوى عينة من الاوصاف التي اطلقها عليه معارضو اعادة قطاع غزة الى الفلسطينيين بعد 38 عاما من الاحتلال.

وهذه الصفات التي تطلق على شارون (77 عاما) كان لا يمكن تصورها قبل فوزه الكاسح في الانتخابات بمنصب رئيس الوزراء في 6 شباط/فبراير 2001 وحتى بعد اعادة انتخابه ايضا في 28 كانون الثاني/يناير 2003.

لكن هذا الجنرال المتقاعد الذي ترأس وحدة من النخبة في الجيش الاسرائيلي، كان يقول انه لا يعرف الخوف ولا يتاثر بهذه الانتقادات. ويبدو انه لم يابه ايضا لانزال لعنة دينية به من قبل حاخامات عارضوا بشدة اجلاء ثمانية الاف مستوطن من غزة، الى حد تمني الموت لمعد هذه الخطة.

وقال باستمرار "لم يتملكني ابدا الخوف من هذا النوع من الامور لا في الماضي ولا الان. هذا النوع من التهديدات لم يؤد ابدا الى تغيير برنامجي".

والتحول في شخصية شارون وصل الى حد اصبح يلاقي فيه مديحا ليس فقط في الاعلام الاسرائيلية وانما ايضا لدى شرائح كبرى من الصحافة العالمية.

البلدوزر..

وشارون الذي يطلق عليه اسم "البلدوزر" او "ذلك الذي لا يتوقف ابدا عند الاشارة الحمراء" بسبب اسلوبه المحبذ للقوة او لبدانته، ولد في فلسطين تحت الانتداب البريطاني عام 1928 وكان جنديا من عمر 17 عاما.

ولفترة طويلة كانت شخصيته مثيرة للجدل وهو يدعو الى اعتماد القوة مع العرب والى الاستيطان في الاراضي الفلسطينية لاعتبارات امنية وليس دينية. في 1973، حاصر مع قواته الجيش المصري، خلافا لاوامر قادته، وعكس مسار الحرب.

اصبح وزيرا للدفاع سنة 1982. ومع تاييده للاستيطان لم يتردد في تدمير مستوطنة يميت في سيناء بعد توقيع معاهدة سلام مع مصر سنة 1979.

وقاد الاجتياح الاسرائيلي للبنان حيث ارتكبت الميليشا المسيحية الموالية لاسرائيل مجزرتي صبرا وشاتيلا في بيروت.

واعتبرت لجنة تحقيق اسرائيلية شارون "مسؤولا بصورة غير مباشرة" وارغمته على الاستقالة، وظلت لعنة المجزرتين تطارده حتى حين كان رئيسا للوزراء، وذلك عبر دعوى قضائية رفعها ضده اقرباء للضحايا امام احدى المحاكم البلجيكية.

انتخب رئيسا للوزراء في السادس من شباط/فبراير 2001 واعيد انتخابه في 28 كانون الثاني/يناير 2003.

وحتى "قضايا" التمويل الانتخابي التي تستهدفه مباشرة او تتعلق بابنه عمري لم تؤثر على الدعم الذي حظي به لدى الرأي العام الاسرائيلي.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، طلب من الرئيس موشى كاتساف حل الكنيست. وشكل حزب "كاديما" (يمين وسط) ليهزم منافسه زعيم حزب العمل عمير بيريتس.

وقال شارون منتصف تشرين الثاني/نوفمبر "علينا ان نضمن ان سنة 2006 لن تكون سنة ضائعة بالنسبة لكل ما يتعلق بعملية السلام وجهود التوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين".

وقال احد معاونيه المقربين ان شارون لا بد انه تحلى "بشجاعة كبرى" لمغادرة الليكود الذي كان احد آبائه المؤسسين عام 1973.