ووري ياسر عرفات الثرى الجمعة، في مقره برام الله حيث امضى سنواته الثلاث الاخيرة محاصرا من قبل اسرائيل، وشارك عشرات الاف الفلسطينيين في مراسم دفن زعيمهم الذي استقبلوا جثمانه بالرصاص والهتاف والحزن لدى وصوله جوا من مصر حيث جرت له جنازة ضخمة بمشاركة العديد من زعماء وقادة العالم.
ودفن عرفات في قبر اعد له داخل مقر المقاطعة بعد ان سجي لوقت قصير في قاعة المؤتمرات الملحقة بالمقر حيث تمت قراءة الفاتحة على روحه من قبل كبار المسؤولين الفلسطينيين ونظرائهم المصريين الذين رافقوا الجثمان من القاهرة الى العريش قبل وصوله الى رام الله.
ووري الجثمان داخل كتلة اسمنتية لتسهيل نقله في وقت لاحق الى القدس كما اوصى عرفات ويأمل الفلسطينيون. ورفضت اسرائيل بشدة ان يتم دفن الزعيم الفلسطيني في المدينة المقدسة، معتبرة انها مخصصة لدفن "ملوك اسرائيل" وليس "الارهابيين".
وتمت اجراءات الدفن بصعوبة بالغة بسبب الحشود الهائلة التي اقتحمت مقر المقاطعة لالقاء نظرة الوداع على الزعيم الفلسطيني الراحل.
وقبل ذلك، كانت هذه الحشود، والتي قدرت بنحو 150 الفا، قد التفت حول المروحية المصرية التي هبطت داخل المقر وعلى متنها نعش عرفات، ما تسبب في اعاقة انزال النعش منها، وتاخير ذلك نحو ربع ساعة.
واطلق رجال الامن الفلسطينيون النار في الهواء عبثا لابعاد الجموع التي حال التفافها حول المروحية دون امكانية فتح ابوابها، كما حاول الوزير نبيل شعث دون جدوى اقناع الحشود بالابتعاد عنها وعن مروحية اخرى رافقتها وعلى متنها عدد من كبار المسؤولين المصريين والفلسطينيين.
وفي خضم هذه الاجواء، انتزعت الحشود النعش وتتناقله على الاكف وسط الهتافات واطلاق الرصاص، قبل ان تصل به الى سيارة راحت تتحرك به بصعوبة بالغة باتجاه قاعة المؤتمرات.
وكانت هذه الحشود قد تدفقت على المقر قبيل وصول جثمان عرفات، ونجح رجال الامن الفلسطينيون في اخراجها لبعض الوقت قبل ان تعود بقوة اكبر مع هبوط المروحية المصرية التي اقلت الجثمان.
وكان جثمان الزعيم الفلسطيني وصل العريش على متن طائرة اقلته من مطار القاهرة بعد مراسم تشييع ضخمة شارك فيها زعماء وقادة اكثر من 60 دولة.
وسجي نعش عرفات الذي لف بالعلم الفلسطيني داخل الطائرة من قبل جنود من حرس الشرف المصري حملوه على الاكتاف ومروا به من امام الزعماء والقادة الذين اصطفوا على ارض المطار لتوديع الزعيم الفلسطيني.
وفي مراسم حملت الكثير من الدلالات والتكريم، كان الجنود قد ساروا باتجاه الطائرة في خطى بطيئة على وقع الموسيقى الجنائزية التي تلاها عزف النشيدين الوطنيين الفلسطيني والمصري.
وكان موكب الجنازة قد انطلق الى المطار من امام سرادق عزاء اقيم قرب مسجد الملك فيصل المجاور لمطار القاهرة.
وفي السرادق، تقبل كبار المسؤولين الفلسطينيين ومن بينهم محمود عباس الذي تولى رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية العزاء من كبار الزعماء والقادة الذين حضروا للمشاركة في تشييع الزعيم الفلسطيني.
وقد وصل النعش الى السرادق على عربة مدفع اجتازت جسر الجلاء في العاصمة المصرية بمرافقة موكب كبير.
واحاط فرسان وجنود من حرس الشرف المصري يتقدمهم عازفو الموسيقى الجنائزية بالنعش الذي احضر من مسجد عسكري ملحق بمشفى الجلاء العسكري حيث اقيمت صلاة الجنازة على روح الزعيم الراحل.
وحظر مشاركة عامة الشعب في جنازة عرفات التي جرت وسط اجراءات امنية مشددة.
واقيمت الجنازة في مصر لأن الاحتلال الاسرائيلي سيجعل من الصعب على كثير من الزعماء الأجانب الوصول الى المناطق الفلسطينية.
وكان جثمان عرفات امضى الليلة الماضية في مشفى الجلاء العسكري في القاهرة التي وصلها مساء الخميس على متن طائرة اقلته من باريس.
وحمل جنود من حرس الشرف المصري نعش عرفات بعد انزاله من الطائرة الفرنسية، وساروا على وقع موسيقى جنائزية من امام زوجته سهى وعدد من كبار المسؤولين المصريين والفلسطينيين.
وظهرت سوزان مبارك عقيلة الرئيس المصري حسني مبارك الى جوار سهى التي تدفقت الدموع من عينيها وهي ترقب نعش عرفات يسجى داخل سيارة غادرت ارض المطار ببطء باتجاه مستشفى الجلاء العسكري قرب القاهرة حيث سيودع الجثمان الى حين تشييعه الجمعة.
وكانت مراسم مماثلة جرت لجثمان عرفات في مطار فيلا كوبلاي العسكري في باريس، قبل ان ينقل الى الطائرة التي اقلته الى القاهرة.
فقد حمل جنود من حرس الشرف الفرنسي نعش عرفات الملفوف في العلم الفلسطيني وساروا به الى الطائرة بخطوات منتظمة على ايقاع موسيقى جنائزية.
ومر الموكب الجنائزي الذي ترافق مع عزف النشيدين الوطنيين الفلسطيني والفرنسي من امامى سهى وعدد من المسؤولين الفرنسيين والفلسطينيين.
وكانت مروحية عسكرية نقلت النعش من مسشفى بيرسي الذي توفي فيه عرفات نحو الساعة 3,30 فجر الخميس، الى مطار فيلا كوبلاي العسكري الذي كانت تنتظره فيه طائرة ايرباص لنقله الى القاهرة.
ورافقت سهى نعش زوجها على المروحية التي اقلته الى مطار فيلا كوبلاي.
وهتف جموع من الناس أمام المستشفى "عاشت فلسطين" ونثروا الزهور في الهواء بينما حلقت المروحية مبتعدة عن المكان.
ابرز القادة والشخصيات المشاركة في جنازة عرفات
هذا، وتقام مراسم تشييع عرفات في القاهرة بمشاركة قادة وشخصيات بارزة من نحو 60 دولة.
وتاليا قائمة بابرز الزعماء العالميين وكبار الشخصيات المشاركة في جنازة عرفات في القاهرة حيث ولد بحي السكاكيني (وسط المدينة) عام 1929 وحيث أتم دراسته الجامعية بكلية الهندسة بجامعة القاهرة.
العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني، امين عام الجامعة العربية عمرو موسى، والرئيس المصري حسني مبارك، والرئيس التونسي زين العابدين بن علي، والرئيس اليمني علي عبد الله صالح، والرئيس السوري بشار الاسد والرئيس اللبناني اميل لحود.
رئيس المجلس الوطني الاتحادي الاماراتي محمد سعيد الكندي ووزير شؤون المجلس الاعلى الشيخ فاهم بن سلطان القاسمي، ووليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الاميركي، ومسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا.
وزراء خارجية فرنسا ميشيل بارنييه، والمانيا يوشكا فيشر، واليونان بتروس موليفياتيس، وبلغاريا سولومون باسيمن، والدنمرك بير شتيج مولر، واسبانيا ميجيل انخيل موراتينوس، وبريطانيا جاك سترو، والنرويج يان بيترسن، وسلوفينيا ايفو فايجل، وايرلندا ديرموت اهيرن، وهولندا برنارد بوت.
وكذلك وزراء خارجية سلوفاكيا ادوارد كوكان، وسويسرا ميشلين كالمي راي، وفنلندا اركي تيوميويا، ولوكسمبورج جان اسيلبورن، وكرواتيا ميومير زوزول، والتشيك سيريل سفوبودا، والمجر فيرينك سوموجي، وبلجيكا كاريل دي جوشت، وكندا بيير بتيجرو، وقبرص جورج ايفاكوفو، والبرتغال انتونيو مونتيرو، وايران... وزير الخارجية كمال خرازي.
هوبرت جورباخ نائب المستشار النمساوي، وهوي ليانج يو نائب رئيس الوزراء الصيني، والرئيس الاندونيسي سوسيلو بامبانج يودويونو، ورئيس الوزراء الباكستاني شوكت عزيز، ورئيس جنوب افريقيا ثابو مبيكي، ووزير الخارجية الكوري الجنوبي السابق يون يونج كوان، ورئيس الوزراء السويدي جوران بيرسون.
رئيس الوزراء التركي طيب اردوغان ووزير الخارجية عبد الله جول، وهدايت امين ارسلا نائب الرئيس الافغاني، ورئيس بنغلادش اياج الدين احمد، وسيمونا ميكوليسكو متسشار الرئيس النمساوي.
وكبير أمناء مجلس الوزراء البرازيلي خوسيه ديريسيو، ورئيس مجلس الدوما الروسي جريزلوف والكسندر سلطانوف نائب وزير الخارجية.
روز شاويس نائب الرئيس العراقي، والفريدو مانتيكا مساعد وزير الخارجية الايطالي، ورئيس مجلس الشيوخ البولندي لونجين باستوسياك ونائب وزير الخارجية بوجوسلو زالسكي، ومحمد علي شين نائب الرئيس التنزاني، ومبعوث الامم المتحدة الخاص للسلام في الشرق الاوسط تيري رود لارسن، ورئيس زيمبابوي روبرت موجابي.
عرفات المميز للوطنية الفلسطينية
وقد أصبح ياسر عرفات الذي توفي يوم الخميس عن 75 عاما الوجه المميز للوطنية الفلسطينية لكنه فشل في تحقيق حلمه في اقامة دولة مستقلة سواء بالحرب أو السلام.
وبالنسبة لمعجبيه كان عرفات طائر العنقاء في الشرق الاوسط الذي تغلب على المحنة تلو الاخرى للدفاع عن حقوق شعبه أولا في المنفى كزعيم فدائي ثم في الضفة الغربية طوال السنوات العشر الماضية.
وبالنسبة لمعارضيه كان عرفات أستاذ الحسابات الخاطئة الذي "لم يفوت قط فرصة لإهدار فرصة".
وبعد ان كان يوما بطلا لحرب المقاومة في معظم انحاء الشرق الاوسط ثم تحول فيما بعد الى صانع سلام تاريخي أنهى عرفات حياته ضعيفا محاصرا بالغضب الاسرائيلي وبمعارضة قوية من الاسلاميين وغيرهم ممن أنحوا باللائمة على حكمه وحملوه مسؤولية الفساد.
ونجا عرفات من عدة مؤامرات ومحاولات لاغتياله ومن حادث تحطم طائرة وتحمل عزلة فرضتها عليه اسرائيل بالضفة الغربية.
وعاد عرفات من المنفى في تونس ليرأس سلطة وطنية فلسطينية وليدة بعد توقيع اتفاقات اوسلو المرحلية للسلام عام 1993. وحصل شعبه على قدر من الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة اللذين احتلتهما اسرائيل في حرب 1967.
ومن أجل ذلك تقاسم عرفات جائزة نوبل للسلام مع رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين الذي قتله متطرف يهودي معارض لاتفاقات اوسلو عام 1995 ورئيس الوزراء السابق شمعون بيريس.
ولكن اسرائيل والولايات المتحدة فقدتا الثقة به بعد فشل قمة سلام عقدت برعاية اميركية في تموز/ يوليو 2000 وأيضا خلال الانتفاضة الحالية المستمرة منذ اربع سنوات.
واتهم الاسرائيليون والاميركيون عرفات بالتحريض على العنف، فيما دمرت اسرائيل مقره في غزة وجانبا كبيرا من مقره في الضفة الغربية حيث ابقت عليه محاصرا لاكثر من عامين ونصف العام.
ونفى عرفات الاتهامات وتعهد بالمضي قدما في كفاحه من اجل اقامة وطن للفلسطينيين على الرغم من التهديدات الاسرائيلية المتكررة "بابعاده".
وتخلى عرفات الذي اشتهر بلحيته القصيرة والكوفية الفلسطينية الشهيرة عن شخصيته كزعيم لحرب المقاومة رغم بزته العسكرية ومسدسه الذي وضعه على خصره لفترة طويلة.
وفيما يعتبره كثيرون من ابناء شعبه بطلا ورمزا لمعركة تقرير المصير في معظم ارجاء العالم الثالث كان عرفات تجسيدا للكفاح الفلسطيني المسلح على مدى ثلاثين عاما.
وفي عام 1997 قال عرفات في معرض تحديد هدفه الرسمي لاقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس خالية من المستوطنين اليهود "نقول انه لا سلام دون القدس ولا سلام بوجود المستوطنات."
وظل عرفات زعيما لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد طردها اثر معارك شرسة من الاردن عام 1970 ثم طردها من لبنان بعد الغزو الاسرائيلي عام 1982.
وساعد تحوله من محارب الى صانع سلام في عودته منتصرا الى قطاع غزة في تموز/يوليو 1994. وبالنسبة للفلسطينيين حتى اولئك الذين يشعرون بفتور نحو زعامته كان عرفات ببساطة هو ابو عمار او "الختيار".
وبالنسبة للعالم فان الصورة التي تلتصق بأذهان الجميع هي صورته وهو يصافح عدوه السابق اسحق رابين بعد توقيع اتفاقات اوسلو المرحلية للسلام عام 1993 بحديقة البيت الابيض.
ومنحت اتفاقات اوسلو مع اسرائيل الفلسطينيين قدرا من الحكم الذاتي للمرة الاولى. كما منحت عرفات شرعية دولية مقابل اعترافه بالدولة اليهودية ونبذ العنف.
واعترفت اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية ولكن الاتفاقات لم تؤمن للفلسطينيين الدولة التي حلم عرفات بقيادتها.
وتضمنت خطة "خارطة الطريق" للسلام التي دعمتها الولايات المتحدة عام 2003 اقامة دولة فلسطينية بحلول عام 2005 لكنها تعثرت بسبب اعمال العنف المستمرة.
كما ألقت خطة اسرائيلية احادية الجانب للانسحاب من غزة بظلالها عليها. ويقول فلسطينيون ان هذه الخطة ستساعد اسرائيل في احكام قبضتها على الضفة الغربية الاكبر مساحة وتقتل أحلامهم في اقامة دولة على الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967.
وتعهد عرفات بالموت دفاعا عن قضيته اذا حاولت القوات الاسرائيلية اقتلاعه من مقره في الضفة الغربية. وقال متسائلا "أموت شهيدا .. نعم. هل في فلسطين من لا يحلم بالشهادة.." ولكن في نظر منتقديه كان عرفات يخطيء في الحساب دائما.
ويقول هؤلاء ان عرفات اساء تقدير الامور على الساحة السياسية مرارا حتى كان تأييده الكارثي للعراق في حرب الخليج عام 1991 والذي كلفه دعم الدول الخليجية النفطية ودفعه للجلوس الى مائدة المفاوضات والبحث عن تسوية غير متكافئة مع اسرائيل.
وادى "سلام الشجعان" الذي أقر فيه في نهاية المطاف بحق اسرائيل في الوجود داخل الحدود التي اقامتها على معظم اراضي فلسطين التاريخية عام 1948 الى انقسام في منظمة التحرير الفلسطينية.
كما وضعه ذلك بقوة في مواجهة مع المتشددين الاسلاميين الذين يشكلون غالبية المعارضة القوية لاتفاقات اوسلو للسلام. ويقول منتقدون فلسطينيون ان عرفات اقام نظاما للحزب الواحد في الضفة الغربية وقطاع غزة تسوده محاباة الاقارب.
وخلال الاشهر القليلة الماضية واجه عرفات حالة اضطراب فلسطينية لم يسبق لها مثيل تضمنت عمليات خطف واشتباكات في غزة فيما تنافس فرقاء على السلطة في اكبر تحد داخلي له خلال عشر سنوات.
ويرى كثير من الفلسطينيين ان سلطة عرفات غضت الطرف عن الفساد وسوء الادارة وانتهاكات حقوق الانسان من جانب المحيطين به الذين عادوا معه من المنفى في تونس.
ولم يعد عرفات قط خليفة له سواء في منصبه كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية أو كرئيس لسلطة الحكم الذاتي. وعندما اجبر على تعيين رئيس للوزراء تحت ضغط دولي لتقاسم المسؤوليات وتنفيذ اصلاحات تشبث بسلطاته بقوة.
واستقال محمود عباس أول رئيس وزراء بعد اربعة اشهر. وخاض الثاني احمد قريع معركة مع عرفات للسيطرة على اجهزة الامن.
ولد عرفات باسم محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني في 24 اب /اغسطس1929 لاسرة متوسطة الحال تعمل بالتجارة. ويقول كتب بارزة للسيرة الذاتية انه ولد في القاهرة حيث كان يقيم والده التاجر في حين كان عرفات نفسه يزعم انه ولد في القدس.—(البوابة)—(مصادر متعددة)