خبر عاجل

الفن حين يتحول إلى خطاب أممي ..

تاريخ النشر: 03 نوفمبر 2007 - 10:02 GMT

الفن حين يتحول إلى خطاب أممي ..

مسرح "الحارة" الفلسطيني وجع الواقع وبنفسج التسييس

حوار - محمد الفضيلات

"نحن لسنا سياسيين، نحن بالدرجة الأولى فنانون استطعنا ترجمة الصراع العربي - الإسرائيلي إلى خطاب أممي نجحنا في إيصاله إلى العالم على الرغم من الآلة الإعلامية الإسرائيلية .. وقبلا الآلة العسكرية" ، بهذه المداخلة بدأ حوارنا مع عضوي فرقة "مسرح الحارة" نقولا أبو زرينة وسامي متواسي اللذين حملا مع بقية أعضاء الفرقة الهم الفلسطيني إلى الغرب متحديين ومتحدين الضغوط "اليهودية" التي كانت تمارس عليهم وعلى الدول المستضيفة .

"مسرح الحارة" تاسس في كانون ثاني من عام 2005 كامتداد لمسرح عناد سابقا والذي شارك اعضاؤه في العدد من المهرجانات المسرحية العربية والعالمية ،وحازوا عددا من الجوائز اذ حصل نيقولا زرينة على جائزة افضل ممثل عام 2004 عن دوره في مسرحية " بائعة الكبريت" في مهرجان مسرح الطفل العربي في الاردن كما حصلت زميلة ربى صبحي على جائزة افضل ممثلة عن دورها في ذات العمل ، كما حازت مسرحية "وبعدين" جائزة افضل تقنيات مسرحية في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح.

وخاضت الفرقه تجارب مشتركة مع عددا من الفرق العالمية كان اخرها مسرحية "حنين البحر" التي تم افتتاحها في نيسان 2005 على خشية مسرح باكا- السويد بالتشارك بين اعضاء مسرح الحاره ومسرح باكا، وهو العمل الذي حاز جائزة أفضل عرض في مهرجان مسرح الطفل في رومانيا 2005.

هنا حوار مع ممثل الفرقة نقولا أبو زرينة والممثل والمخرج سامي متواسي حول واقع المسرح الفلسطيني في ظل ما تشهده الساحة الفلسطينية من توترات وعدم استقرار رافق التطورات السياسية عامة في السنوات العشر الأخيرة واثر ذلك على الواقع المسرحي للفن الفلسطيني .

* المسرح الفلسطيني ، أين موقعه على خارطة العمل المقاوم ؟

- نقولا ابو زرينة : موقعه متقدم جدا .. اذا عدنا الى الوراء وتحديدا الى تاريخ انطلاق الانتفاضة الاولى نجد ان العمل المسرحي او أي عمل متصل بالفعل الثقافي كان مرفوضا من المجتع ، اذ كانت تلك الاعمال تصنف في باب التسلية فقط ومرفوضة في ظل ثقافة تشكلت بفعل ما يعيشه الناس من قتل وهدم للبيوت، لكن المتابع للشأن الثقافي الفلسطيني يرى انه وبعد الانتفاضة الثانية حدثت ثورة ثقافية حقيقية في الداخل الفلسطيني، اصبح الناس يقدرون وبمختلف شرائحهم اهمية الفنون بمختلف اشكالها.

في بداية الانتفاضة اذكر اننا جلسنا مدة شهرين اقرب الى حالة الشلل دون ان نعرف ما سيكون عليه دورنا، وما هو موقف الناس، هل سيقاطعون الاعمال المسرحية؟ هل سنلاقي قبولا اذا قمنا بمبادرة وعرضنا اعمالنا ؟ فترة الصمت والقلق والتفكير هذه قطعتها مجموعة من المكالمات الهاتفية التي تلقيناها من عدد من مدراء المدارس وتحديدا من مدارس بيت ساحور / محافظة بيت لحم/ يطلبون منا مساعدتهم ، وقال لنا مدراء المدارس ان الطلاب حاضرون باجسادهم دون عقولهم وانهم يعانون من مشاكل كثيرة في بيوتهم ، الطلاب لا ينامون يحلمون احلام مزعجة يعانون من التبول اللاارادي ، في وقتها جلسنا كفرقة مسرح وفكرنا بشكل المساعدة التي يمكن تقديمها لهم، استشرنا اختصاصيين نفسيين واجتماعيين في تلك الفترة واخبرونا بضرورة قيام الطفل بالتعبير عن نفسه وما يشعر به، ويجب وضع الطفل في جو يخرحه من دوامة العنف المحيط به.

قدمنا وقتها عرض / يالله يالله/ ولم يكن عملا مسرحيا بقدر ما هو عمل ترفيهي يستند الى الغناء والرقص، فالطفل يشارك بالعرض بحركاته وبصوته على اعتباره جزءا من القصة التي نقوم بسردها ، وبعد انتهاء العرض كنا نقوم بتقسيم الاطفال الى مجموعات ليتكلموا مع بعضهم البعض ويعبروا عن مشاعرهم كي يشعروا انهم ليسوا الوحيدون في الظروف الصعبة التي نعيش بل نحن الكبار نعيش ذات المخاوف والضروف السيئة .

هذا العرض قدمناه في اول ثلاث سنوات من الانتفاضة امام عشرات الالاف من اطفال فلسطين وكان تركيزنا في العرض على الاماكن التي تتعرض للقصف المباشر والاجتياحات في مختلف مدن الضفة الغربية.

* اذن كان هناك منهجية او رسالة اعتمدها "مسرح الحارة" في مخاطبة الطفل الفلسطيني ؟

نقولا ابو زرينة : سعينا كفرقة ومن خلال اعمالنا المسرحية الموجهة للطفل الى اخراج الاطفال من اجواء العنف والتوتر الامني الذي يعيشونه والذي ليس من ذنبهم انهم وجدوا في هكذا اجواء وظروف، وهنا جدا احب أن انوه الى انه ليس كما تتناقل وسائل الاعلام ان الام الفلسطينية او الطفل الفلسطيني يرمي بنفسه للموت ، والحقيقة انه "ليس هنالك ام ترمي بابنها للموت مهما كانت القضية وحتى لو كانت القضية الفلسطينية .." ، لايوجد ام يتوفى لها ابن سواء طفلا او شابا ، وتكون سعيدة بذلك ربما ردة الفعل الاولى ولكن في النهاية الفقيد هو ابنها. دورنا في العمل المسرحي كان تذكير الاطفال بطفولتهم ، نقول لهم ان مجرد التزامكم بدراستكم بالمقاعد الدراسية وذهابكم الى المدرسة والعودة الى بيوتكم بامان هو المطلوب منكم حاليا . هذا ما نريده من اطفالنا وهو ما نترجمه لهم خلال اعمالنا المسرحية الموجهة لهم .

هذا ما عبرنا عنه في "حنين البحر" والتي اوصلنا من خلالها رسالة للاطفال بعدم التخلي عن احلامهم والتمسك بالامل من اجل تحقيق اهدافهم للوصول الى مستقبل افضل.

- سامي متواسي : مهمتنا كفرقة مسرحية اخذت على عاتقها معالجة وضعية ، ولا اقول تغيير ، هي مهمة صعبة ، الطفل الفلسطيني يشكل حالة متفردة بالنسبة لعالم الطفولة عامة ، فهو ليس بطفل متلق فقط ، بل له قراره الذي يتشكل بفعل ما يراه فهو يعيش ظرفا بالمطلق ليس طبيعيا ، الاطفال حين يخرجون من بيوتهم ليجدوا الدبابات امامهم تنتابهم ردود فعل متباينة يصبحون هم من يريدون ان يقدموا الحماية لاهلهم ، هم جميعا اما لديهم ابا اواخا او صديقا كان قد استشهد ، وبالتالي تتشكل لهم معطيات بديهية للعمل الذي سيقدمون عليه ، الامر الذي يوكد صعوبة مخاطبتهم بهذا الشأن .

وعلى الصعيد الداخلي نحن كمسرح الحارة واسوة بمسارح فلسطينية اخرى لدينا مشاكل كثيرة خلقها الاحتلال ، وهنا كان دورنا ، عملنا على معالجة العديد من القضايا من خلال عروضنا كقضايا المرأة والطفل والمسنين ، فالمسرح بالاضافة الى اعتباره فنا راقيا هو ايضا علاج نفسي واجتماعي.

الاحتلال سبب مشاكل كثيرة وفرض اجواء من الانغلاق ، هناك فقر وجهل وانعدام التواصل مع الآخر ، تلك الحيثيات دفعت بالانسان الفلسطيني الى ان يصبح شغله الشاغل قوت يومه واطفاله ، لم يعد هناك شغف للتعلم والمعرفة ، هذه من المشاكل التي نتطرق اليها في عروضنا الداخلية .

* هل استطاع "مسرح الحارة" تغليب الفن في قضية المسرح المسيس؟

- نقولا ابو زرينة : لا شك ان فن المسرح تكتنفه صعوبات متعلقة بماهية المحتوى خصوصا في ظل المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني والتي تفرض علينا الحياد بالنسبة لمفهوم الفن المجرد ، وليس بالامكان تفنيد مسألة المسرح المسيس، ويكون دائما السؤال لدينا حول طبيعة الرسالة التي نريد توجيهها عبر حراكنا المسرحي .

مسرح الكبار عامة يتحدث اساسا عن القضية الفلسطينية ولكن بشكل غير مباشر ، ونحن كمسرح فلسطيني نؤمن ان هذا الدور من اهم الادوار التي علينا تقديمها وهي توصيل رسالة في غاية الاهمية ، نحن لسنا سياسين بالدرجة الاولى نحن فنانين ، ولكن ليس بالامكان ان نعمل بمنأى عن الواقع السياسي ، العمل المسرحي ومن خلال خبرة بسيطة اكتشفنا خلال جولاتنا في عدد من الدول العربية والاوريية / فرنسا، سويسرا ، بلجيكا، السويد، الاردن ، مصر وغيرها/ كم الفن والمسرح اداة فعالة، واكتشفنا كم هو تقبل الغربي للغة الفن، عندما نتوجه الى الغرب بعمل مسرحي راق وحضاري نستطيع ايصال رسالة يعجز عن ايصالها أي سياسي يقف ليخطب ثلاث ساعات في الجمهور، هذا الكلام سمعناه من سفراء فلسطين في كل الدول التي قدمنا عروضنا فيها قالوا لنا" نحن ولسنوات في السفارة لم نستطع ايصال الرسالة التي اوصلتموها في ساعة من العرض المسرحي".

* تميزت فرقة "مسرح الحارة" عن غيرها من الفرق الفلسطينية بان حملت المسرح الفلسطيني الى خشبة المسرح العالمي عبر عروضها في دول اوروبية عديدة .. ما حجم الصعوبات التي واجهتكم ازاء ذلك في ظل ما تبثه وتكرسه الآلة الاعلامية الاسرائيلية في الغرب تحديدا ؟

- سامي متواسي : نحن نعمل على مستويين ، الاول ضرورة ان يعرف الناس الحقيقة خصوصا في ظل التعتيم الاعلامي الذي الذي تمارسة اسرائيل على القضية الفلسطنية والشعب الفلسطيني، فدورنا كفنانين توضيح حقيقة القضية وان كانت رسائلنا السياسية غير مباشرة فنحن نحمل على اكتافنا قضية يجب ان يعرفها العالم ، كما اننا كفنانين يعنينا ان نتوجه الى العالم الغربي ونحن على قدم من المساواة معهم وبكل ندية ، نحن نمتلك فنا مثلهم ، وفننا يصل الى العالمية ، توجهنا الى الغرب في اطار من الندية وليس في اطار استجداء الشفقة والعطف.

كما ان وصولنا الى الغرب بحد ذاته يعد تحديا واضحا وانجازا يسجل للحراك المسرحي الفلسطيني ، تعرضنا في بعض الجولات الى مشكلات تقف وراءها جهات وافراد من الجاليات اليهودية ، اقلها ما تقوم به هذه الجاليات من مظاهرات احتجاج ضدنا وضد الدولة المستضيفة لنا. المفارقة المثيرة للتساؤل والدهشة انهم ينددون باستضافتنا كفرقة مسرحية فلسطينية تحظى بفرصة تواجد وتقديم عروضها ، دون ان يكون هناك بالمقابل فرقة مسرحية يهودية.

نحن في النهاية فنانين ، وكافراد فلسطينيون نحمل قضيتنا على اكتافنا وعلى عدة مستويات وعمدنا الى استثمار فرص وجودنا بدول الغرب ، فخلال عروض الاطفال التي قدمناها هناك كنا نهدف من ورائها التوجه الى اطفال الغرب الذين نعتبرهم "الطريق السريع" للدخول الى مجتمعاتهم ، الاطفال اصحاب تحرر فطري ولا اجندات لعقولهم البريئة ، ولديهم فضول ليسمعوا ويكتشفوا وليسوا /منغمسين/ في افكار ومفاهيم اجدادهم التي يتوجب كسرها وتغيرها. اطفال الغرب هم اطفال الانسانية اولا ، وعلينا ايجاد المداخل البسيطة والمضامين الابسط لايصال فكرة ان لدينا اطفال فلسطينيين يدفعون "فاتورة" الاحتلال والحروب والدماء دونما ذنب اقترفوه .

* نلحظ ان الآلة الاعلامية العالمية تركز على اخبار فلسطين المتعلقة بالقتل والدمار ، هناك تركيز على الحدث السياسي والعسكري ، كيف تتعاملون مع ذلك الواقع وما هو دوركم ؟

- سامي: اعمالنا فيها رسائل سياسية غير مباشرة، نحن لا نستطيع تقديم عمل مسرحي شكسبيري لان الاولوية للاعمال التي تعكس معاناة شعبنا وقصصه حتى نكون قريبين من الصدق، نحب ان نقدم اعمال عالمية لكن نستمتع كفناني مسرح عندما نقدم واقعنا، عادة ما نبتعد باعمالنا عن المباشرة ، نبتعد عن القتل والرصاص حتى تكون اعمالنا عالمية ، عندما نقدم القضية الفلسطينية في اطار المعاناة الانسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني وما يتضمنه العمل المسرحي من محتوى يرصد معاناة شعبنا بطريقة تسجيلية واقعية تقول بتدني مستوى العيش والفقر والحصار الاقتصادي وانعدام الامن والصمود بطبيعة الحال ، هذه المشهديات حينما يطالعها المشاهد الغربي يجد نفسه امام معاناة انسانية لشعب اعزل ، نحن بعروضنا في دول الغرب وحتى الدول العربية نكون امام ثقافات مختلفة وبالتالي نجذب المشاهد من خلال محتوى العمل الذي يطغى عليه الخطاب الاممي ، نقدم ما هو انساني على حساب الصراع الذي هو اصل معاناة شعبنا بالضرورة .

ومن هذه الماساة الانسانية كانت فكرة مسرحية "ولد في بيت لحم " والتي حاولنا فيها التقريب بين عذابات السيد المسيح التاريخية وما يعانية الشعب الفلسطيني الان من عذابات على يد الاحتلال، والتركيز على محاولاته طمس حقيقة الوجود والارث التاريخي للشعب الفلسطيني ، وجاء العمل في اطار انساني بحت يحمل على عاتقه مهمة تعريف العالم بقضية شعب يحب الحياة ويؤمن بالسلام العادل .

- نقولا : ولأجل ذلك تجد ان العمل المسرحي الفلسطيني حاضر في كل المهرجانات التي نذهب اليها سواء في العالم العربي او اوروبا ، الكثير من الحضور المهتمين والنقاد المتابعين ينتظرون العمل الفلسطيني الذي سيقدم في المهرجان.

* الانتظار بالفهم العاطفي ام الابداعي؟

-نقولا: هذا الامر اخذناه في عين الاعتبار مع بداية مشاركاتنا بتقديم عروضنا بالخارج ، والواقع انه اذا تم استثناء تونس على المستوى العربي يكون المسرح الفلسطيني ارقى مسرح عربي من الناحي الابداعية والفنية ، الى جانب اننا لم نغفل اننا نخاطب عقول واعية نسبية الامر الذي جعلنا ننأى عن الافراط في استثمار العاطفة او استجداء التعاطف ، وان كان ذلك هو النهج الذي اتبعته المؤسسات الاسرائيلية بشتى اصنافها في كسب تأييد الغرب لهم. قدمنا لهم عبر اعمالنا فنا ابداعيا ومحتوى واقعيا ذا معطيات حقيقية.

-سامي: في الحقيقة نحن فنانون ليس لدينا خلفيات اكاديمية في عالم الفن والمسرح، ليس لدينا معاهد مختصة لتدريس الفن، لكننا تربينا على روائع الاعمال التي انتجها العالم العربي والغربي، وكانت عيوننا مفتوحة على كل التجارب التي يمكن لها رفد تجربتنا والارتقاء بها، وخلال العشر سنوات الماضية ومع تراكم الاعمال الجيدة التي قدمها المسرح الفلسطيني يمكن القول انه في كل مهرجان او في كل عام يكون هنالك عمل او عملان فلسطينيان مميزان ، الامر الذي يترك بصمة لدي المشاهد الذي يأتي لمشاهدة المسرح الفلسطيني.

( بالتزامن مع مجلة الجوبة الثقافية)