بقلم: ايمن العبوشي*
لم تكن ما تعرف بالفوضى الخلاقة، الإفراز الأمريكي الوحيد في المنطقة، بل إن الأشد خطرا منها.. تلك الفوضى الذهنية التي بدأت فعليا مع انتهاء الاصطفاف العالمي خلف جبهتين //رأسمالية وشيوعية//، وزوال منهج اجتماعي منظم لحركة بشرية شكلت أكثر من نصف العالم. واندلعت //الفوضى الذهنية// بعد رواج نمط الحياة الأمريكية، التي شكلت طابورا خامسا بامتياز.
ويعرف الجميع أن //الفوضى الخلاقة//، انتشرت كمصطلح سياسي، كانت قد أطلقته وزيرة الخارجية الأمريكية ــ كونداليزا رايس ــ في تصريحات لصحيفة واشنطن بوست، إبريل 2005، ويعني وفق المفكر الأمريكي مايكل ماكفيل: //السعي إلى التغيير، من خلال التدمير والبناء//. وجاء هذا المصطلح ليبرر لاحقا اندلاع الحروب الأهلية، والاضطرابات في أفغانستان، والعراق.. على الرغم من محاولة الاحتلال الأمريكي إقامة //نموذج ديمقراطي// في هذين البلدين.
واللافت أن الساسة الأمريكيين لم يستخدموا مصطلح الثورة، التي من شأنها بالفعل أن تدمر نظاما قائما بثمن باهظ، من أجل تغيير الواقع المتسلط، والاحتكاري في بلد ما. ويستحيل طرح الثورة نموذجا مشابها للفوضى في العراق، التي انفجرت بين مكونات الشعب نفسه بسبب التوزيع الخارجي، والمنحاز للسلطات.
وكان أن وجدت الفوضى الميدانية في العراق طريقا معبدا من خلال فوضى الأفكار التي تفشت على ركام مرحلة اقتصادية استنزفت ولاء الشارع للنظام، وقادت الشعب إلى الكفر بكل المعتقدات القديمة، فكانت الفوضى الذهنية محفزا للاصطدام العشوائي بين فئات طائفية انسجمت يوما بسبب إيمانها بالفكرة الجامعة لا المفرقة.
ويكمن الخطر الفعلي والقادم، في أن تكون حالة التناحر الاجتماعي في الوسط العراقي الفيسفائي، قنبلة موقوتة في البيئات العربية المتجانسة، في الوقت الذي لا يستطيع فيه الفرد العربي أن يحدد متى يكون تعامله مع الحدث مبدئيا، أو حتميا، أو حتى براغماتي.. خاصة وأن التطورات المتلاحقة، والمتسارعة، تلازما مع التغطية الإعلامية المكثفة، والموجهة للأحداث، وفرص العيش الضيقة، لم تترك مجالا للمواطن العربي كي يشكل صورة أخلاقية، وتوجها منطقيا تجاه القضايا المختلفة..
وعلى النقيض، قد تبدو الحقبة //القومية// أكثر اتساقا، لأنها اعتمدت موقفا جماهيريا واضحا، تلاقى مع التوجهات السياسية العامة، بغض النظر عن جدوى تلك المرحلة أو أخطائها ونكساتها.. إذ لو واجهت الشعوب العربية الإشكاليات ذاتها، وبالعقلية الحالية، لكانت النتائج الكارثية ضعف ما أورثته الحقبة السابقة.
وعلى الرغم من الفساد، وتضخيم الشعارات، والشخصنة، فإن مرحلة العقود الثلاثة، //الخمسينات، والستينات والسبعينات// كونت تلاق جماعي حول الفكرة.. وقناعة عامة بمنظومة المباديء، وهامش أضيق للبراغماتية الشعبية الضمنية.. ربما لم تعبر عنها الأنظمة بنجاعة، بسبب الرؤى المتباينة، والفشل في تحقيق المقاربة بين التنظير والتطبيق، إلا أنها حافظت وإلى فترة طويلة على انتظام التفكير الذي يمكن صاحبه من رؤية الوقائع بصورة جلية.
واليوم والشعوب أكثر إطلاعا، وتماسا مع الحدث، وأكثر قدرة على التعبير، نراها عاجزة، وتائهة، وأنانية، ومسكونة بفوضى ذهنية، لانقيادها أولا وأخيرا وراء طريقة عيش مزدوجة، وفقدانها للفكرة المحركة والجماعية.
أما حركات المعارضة الباهتة، والجماعات الإسلامية الضاربة في وقتنا الحالي، فهي تكاد تكون كتلا منشقة عن الإجماع.. قد تعبر في بعض الأحيان عن المواقف المبدئية، لكنها لا تقدم طرحا ملهما، وإنما سيناريوهات نظرية يصعب تطبيقها، وتفشل قبل أن تبدأ..
الفوضى الذهنية بدأت من حيث انتهت //ضوابط فكرية صارمة، أمكن قبولها بواسطة المشاعر الثورية، والوطنية// والتي عملت على ضبط إيقاع المجتمع.. وبالتالي لن يكون البديل في إطلاق الحريات بشكل صارخ في وسط اجتماعي غرائزي وفوضوي.. قد يسارع إلى الاصطدام، مستغلا الهامش الأوسع المعطى له.. وإنما في وضع منهج ضابط، ينطلق من فكرة عامة، أو مبدأ يتفق عليه الجميع، ويقوم على أساس من الوعي، والإدراك بحاجة الفرد لحقوقه، وواجباته في آن معا.
وإذا كانت الفوضى الذهنية متصلة بتضارب الحاجات بين الرغبة في الحصول على كل شيء، والعجز في الحصول على الحدود الدنيا من الحاجات الأساسية.. فإن المحصلة ستكون هوة شاسعة بين طبقة فاحشة الثراء، ورقعة جماهيرية واسعة تقبع فوق أو تحت خط الفقر بهامش ضيق.. فمولدات هذه الفوضى تكمن في نظام اقتصادي، احتكاري، ومخصخص، يؤسس لمجتمع طبقي.
ولهذا السبب، سوف تكون الديمقراطية غير المنضبطة، والنظام الاقتصادي المعاصر، مسرعات لـ//فوضى كامنة//، تنفجر من لدن شعوب مسكونة بها في أنماط تفكيرها، وانفعالاتها.. ومتربصة لفرصة تقلب فيها الطاولة على أول المستفيدين القلائل من فسحة الحرية المزعومة، والسلطة المستعادة.
والفوضى الخلاقة التي ترى فيها واشنطن فرصة لإعادة بناء الدول العربية وفق توجهاتها، لن تكون أشد خطرا من الفوضى الذهنية، التي تعمل على تفريغ العقول الجمعية من مبادئها الأساسية لبناء منظومة أفكار مختزلة، وسطحية، تسهل على الآخرين عملية التحكم بها.
*كاتب أردني مقيم في قطر