المال- الملك، عقيدة الليبيرالية: برونو غيغ

منشور 22 تشرين الأوّل / أكتوبر 2018 - 11:51
برونو غيغ كاتب مقالات ومختص بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962
برونو غيغ كاتب مقالات ومختص بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962

 ترجمة: علي إبراهيم

تكمن الميزة في قراءة بنجامين كونستانت في العودة إلى المنابع العقائدية لليبيرالية. يقيم هذا الكاتب تعارضاً بين وجهين متقابلين للحرية، لا يمكن المصالحة بينهما أبدأً. لكنه، ولكي يجنبنا الوقوف في صف الحداثويين ضدّ الأقدمين، كان ينوي تحويلنا نحو فضائل الحداثة. ذلك هو مغزى الجدل الذي احتدم في المحاضرة الشهيرة التي ألقاها في باريس سنة 1819 بعنوان "مقارنة بين حرّيّة القدماء والمحدثين"، وهي محاضرة يمكن اعتبارها التعاليم الحقيقية لليبيرالية الفرنسية، أي: " كان هدف القدماء تقاسم السلطة الاجتماعية بين جميع مواطني المدينة، وقد أطلقوا على ذلك تسمية الحرية. أما هدف المحدثين فهو يتمثل بالأمن في المتع الخاصّة، والحرية بنظرهم هي الضمانات التي توفّرها المؤسّسات لممارسة تلك المتع".

أي أنّ الحرية السياسية تعتبر ثانوية مقابل الحرية الفردية، إنها حرية عابرة وليست جوهرية. بدلاً من استمتاع الأنا، تقدّم الحريّة السياسة الضمانة المؤسساتية غير الأكيدة. لأن الشيء الجوهري هو ممارسة الحقوق غير القابلة للتصرّف التي يتمتع بها الفرد. لنلاحظ الفرق بين المفردات: إذ بينما تشكّل الحرية القديمة موضوع "الممارسة"، تقدّم حرية المحدثين فرصةً "للتمتع". إن حرية القدماء بصفتها سلطة المجتمع على ذاته، تؤشّر إلى سلسلة من الأفعال الإيجابية، بينما تقوم حرية المحدثين بتثبيت حدود السلطة بشكل سلبي. وحيث تنبع الأولى من الروح الجماعية، تأخذ الثانية جميع الاحتياطات ضدّ تلك الروح. وحين تحدّد الحرية القديمة الممارسة المشتركة للسلطة العامة، تهدف الحرية الحديثة إلى حماية الجميع من الجميع.

لذلك، فإن مضمون الحرية الحديثة، لدى كونستانت، يتمّ نطقه أولاً وقبل كل شيء بطريقة سلبية: "لكل إنسان الحق في أن يخضع للقوانين فقط، حتى لا يتمّ القبض عليه أو اعتقاله، وكي لا يُقتل ولا تُساء معاملته بأيّ شكل من الأشكال بتأثير الإرادة التعسفية لفردٍ واحد أو أكثر من الأفراد".  تحدّد السلطة العامّة لنفسها حدودًا لا يمكن تجاوزها تتوافق مع سلامة الأفراد. إنّ  الحدّ من المجال العام الذي تقوم به الأنا التي تعارض انتهاك المحيط المقدس، يرتدي شكلاً من أشكال الحظر الصادم لأيٍّ من قيود الجسد. لكن حرية كونستانت لا تبقى سلبية بحتة. لأنه يتمم الحرية -الحمائية بالحرية- المتعة والتي تشكل هدفها الحقيقي: "من حق كلّ شخص أن يقول رأيه، واختيار صناعته وممارستها، والتصرف في ممتلكاته، بل حتى إساءة استخدامها". إن الحظر المفروض على جميع أشكال الإكراه الذي يمارس خارج نطاق القانون، هو الجانب السلبي للحرية. بينما يمثّل البيان غير الشامل لإمكانيات التعبير المقدمة للفرد الجانب الإيجابي.

لكن كونستانت لا يشير إلى العلاقات مع الآخرين، في تعريفه الرئيسي للحرية الحديثة، إلا فيما يتعلق بالنشاط الاقتصادي والعبادة الدينية. وإذا كان يعترف بحقّ كل إنسان  في "الاجتماع مع أفرادٍ آخرين"، فإنّ ذلك يعود في المقام الأول من أجل أن "يضطلع بمصالحه" أو "أن يمارس العبادة التي يفضّلها هو وزملاؤه". إنّ التفاعل مع الآخرين لا يتعلق إلا بالمجال الخاص.  لن نقوم بتكذيب كونستانت من خلال اعتباره يمثّل إنكاراً ضمنياً لأية حرية جماعية،  ولأيّة ممارسة مشتركة، من قبل الأفراد، لقوّتهم المشتركة. ويبرز هذا الإنكار، علاوة على ذلك، بالإصرار على حقّ الملكية. بالنسبة لليبراليين، فإن العلاقة مع الأشياء لها الأولوية دوماً على العلاقة بالبشر، ولها ميزة كونها بلا حدود: الحرية هي "حقّ الشخص في التصرف بملكيته، حتى في إساءة استخدامها". لا يُنظر إلى العلاقة مع الآخرين على أنها الأصل، وإنما على أنها نتيجة عرضية للنشاط الخاصّ، وهي العلاقة الوحيدة التي تتمتّع ببعضٍ من الكرامة.

وبالتالي تعفي الحرية الاستمتاعية نفسها من أيّ علاقة مع الآخرين  تتجاوز تقارب المصالح. في معادلة قاطعة، يلخص كونستانت فكره: "يجب أن تتكوّن حرّيتنا، نحن، من خلال التمتّع العذب بالاستقلال الخاص". لكن يجب ألا نسمح لأنفسنا بأن ننخدع بهذه الـ"نحن": فالحرية هي حصراً في صيغة المفرد و"الأنا" لا تنضمّ أبداً إلى "نحن" للاندماج تحت اسم جماعيّ. تتطابق الحرّية صراحة مع الاستقلالية المطلقة للذات الفردية، وأيّ تغيير نحو الذات الجماعية أمر مستحيل. بالنسبة لكونستانت، أن تكون حراً يعني أن تسمتع برغباتك. الفلسفة الليبرالية هي الفردية في الحيازة: فهي تستند إلى الفكرة المتفائلة بأن الرغبة مشروعة تماماً وأن الاستمتاع هو غاية كلّ مسعىً إنساني.

لهذا السبب تجعل هذه الحرية- الاستمتاعية من حرية الآخرين سلعةً رخيصة. أفعل ما يبدو لي أنه أمر جيد ويلبّي مصلحتي، هذا هو التعبير عن الاكتفاء الذاتيّ للأنا. ولكن هل تقوم الأنا برسم حدٍّ آخر لحرّيتها مثل الحدّ الذي ترسمه أمام رغبة الآخر؟ من خلال هذا الفهم، يمكن للمرء أن يتوقع النتيجة بسهولة: الموافقة على أن استمتاع الأنا يشكّل جوهر الحرية، أي أنها عبارة عن عملية جمع للأنانيات. بدلاً من أن يتم تأسيسها على عملٍ جماعي، تفرض هذه الحرية، على العكس، على أي مؤسسة جماعية أسبقية الفرد. بهيمنتها على الأنا الجماعية، لا ترسم الأنا الفردية الحدود لتلك الأنا فقط بل إنها تفرغها من جوهرها. وبدلاً من خلق "نحن" جوهرية تقوم بحرمان المؤسسة الاجتماعية من كلّ حقيقة باسم حقٍّ فردي في التمتّع الخاصّ.

ولكن لكي يكون هذا الاستمتاع عذباً، من الضروري حمايته من مبادرات السلطة غير المرغوب فيها. إنّ العلاقة بين الحرّية الفردية والحرية الجماعية تشبه مبدأ الأواني المستطرقة، ما يعني ضمناً أنّ ما يتمّ الحصول عليه من جهة يتمّ فقدانه من الجهة الأخرى. لا يمكن للأفراد التمتّع باستقلالهم الخاصّ والمساهمة في ممارسة السلطة العامّة في نفس الوقت. هذا هو السبب في أن أفضل نظام هو النظام التمثيليّ. "الناس يقومون بعملهم الخاصّ، و الأغنياء يحصلون على خزنات الأموال. هذه هي قصّة الأمم القديمة والدول الحديثة. تشبه ممارسة الحريّة السياسيّة، لدى المحدثين، يقظة صاحب ملكيّة كبيرة  يتوق إلى تثمير إرثه. ومثل خازني المال الذين عيّنهم، فإن ممثلي الأمة يديرون مصالح الهيئة الاجتماعية بإشرافه. مفوّضبن من "الشعب" ، يعطون أنفسهم الوكالة لإدارة الشؤون العامة. دعونا نقرأ ما بين السطور: الوظيفة الشرعية للسلطة السياسية هي إدارة الشؤون العامة للطبقة المالكة.

إنّ حرية المحدثين هذه في تضادّ مع  حرّيّة القدماء. يحدث كلّ شيء في الديمقراطيات القديمة، كما لو كانت السلطة الاجتماعية تسعى إلى الكمال، وإلى استنفاد جميع أشكال العمل الممكنة. تتمتع السلطة بالصلاحية الشاملة، فهي تتدخل في كل شيء. لا يبدو أن هناك وسيطًا يمكن تقديمه بين الهيئة الاجتماعية، والأفراد الذين يؤلفونها. كما لو أن ممارسة السلطة الشعبية كانت تحمل نوعاً من اللعنة، حيث يساق المواطنون إلى العبودية في نفس اللحظة التي يمارسون فيها حرّيتهم المشتركة. مرّةً أخرى، يتمّ اكتشاف اللعبة ذات الحصيلة الصفرية بين الجماعيّ والفرديّ، ولكن في الاتجاه المعاكس: فائض الحرية الجماعية يفسد الحرية الفردية، وتمنع ممارسة السلطة العامة التمتّع الخاص. كلّ شيء يحدث كما لو كان القانون الديمقراطيّ يقتل الحرّية: بمعنى أن  الأقدمين كانوا أحراراً بشكلٍ جماعيّ بينما هم مستعبدون بشكل فرديّ.

لم يكن كونستانت إذن يرى في الحرّية القديمة سوى آلةٍ لسحق الأفراد. إنّ تمدّد السلطة الاجتماعية الذي يرافقها لا يتماشى مع الاستقلال الخاصّ. غير أن جوهر الحجّة لا يكمن في هذا المظهر غير الكامل. بل في تبرير المفهوم الحديث للحرّية باسم اختلاف الأزمنة. إذا كان يتوجّب رفض الحرّية القديمة،  فليس فقط لأنها تنتهك حقوق الفرد، بل لأنها غير قابلة للتطبيق الآن. يرجع عدم صلاحيتها من الناحية النظرية إلى أنها أضحت بالية  أكثر مما يعود إلى قسوتها. وهكذا تقترن الحجّة الفلسفية بحجّة واقعية: ما كان سائدًا لم يعد ساريًا اليوم. إنه خطأ روسّو الفادح، من وجهة نظر كونستانت، أن ينقل إلى العصر الحديث المثل الأعلى الذي عفا عليه الزمن للحرّية الرومانية.

لأن الحرّية، بالنسبة إلى شخصٍ عقائديّ ليبيراليّ مثل كونستانت، ليست طاعة القانون المنصوص عليه (كما كان يعتقد روسّو)، بل هي تلبية الرغبات الفردية للشخص في مكان محظور على القانون: الحرمة الخاصّة. بالنسبة لروسّو فإن القانون غير شرعي إن لم يصدر عن الإرادة العامة، أمّا بالنسبة لكونستانت، يكتسب القانون شرعيّته من خلال إفساح المجال بشكل تامّ أمام الإرادات الخاصّة. بالنسبة لروسّو، القانون الجيّد هو الذي ينبثق من الشعب والذي يتمّ تطبيقه على الجميع. ولذلك فإنّ القانون الذي لا يصوّت له الشعب يعتبر لاغياً، ويجب أن يكون حقّ الاقتراع شاملاً. في المقابل، القانون الجيّد، بالنسبة لكونستانت، هو الذي ينبثق من الأغنياء والذي يهتمّ فقط بالحفاظ على مصالحهم. لذلك يجب أن يكون الاقتراع نخبوياً ويقتصر دور الدولة على ضمان أمن الممتلكات.

لكن لماذا أصبحت حرية القدماء هذه غريبة عنّا؟ بسبب تطوّر التجارة، يجيب كونستانت. بعد إثبات أنّ الحرب تأتي بنتائج عكسية، أقنعت التجربة البشر بالانخراط في التجارة للحصول على ما يرغبون فيه. لأنها، بالمقارنة بالحرب، هي "وسيلة أكثر حلاوة وأكثر ضمانةً في جذب اهتمام الآخر نحو الموافقة على ما يناسب مصالحه". ومثل الحرب، فإن التجارة تجد أصلها في الرغبة في الاستملاك، ولكنّها تتمتّع بميزة الوفاء بوعودها بالكامل. كما يمكن للتبادل التجاري أن يوفّر بسلاسة ما تجلبه الحرب، بشكل طبيعيّ. تقوم التجارة بتحوير شكل عمليّة الاستحواذ، لتحلّ منافع الأسواق محلّ ثمار النهب. إن روح الشعوب المعاصرة، بالنسبة لكونستانت، تدفعها نحو التجارة: التجارة هي "الحالة العاديّة، والهدف الوحيد، والميل العالميّ، والحياة الحقيقية للدول". يعيدنا علم الأنثروبولوجيا الليبرالية دائمًا إلى أفق الإنسان العقلانيّ الاقتصاديّ. تضفي الليبرالية على المحدثين مسحةً إجماعيةً تخصّ الإثراء الخاصّ، كما لو أنه بديهياً.

إنه أمر ذو دلالة  أن يتحدّث كونستانت عن الأمم الحديثة كما لو أنّ تركيبتها الاجتماعية متجانسة. الفرد هو نفسه في كلّ مكان: تحرّكه نفس الرغبة في التمتع، ينسب إليه نفس القدرة على إدارة شؤونه الخاصة.  عندما يستحضر كونستانت الشعب، فإنّه يصفه بأنّه مجموعة من الأفراد الأنانيين العازمين على تحقيق مصالحهم.  لكنّ التجارة هي في الوقت نفسه السبب والنتيجة لمثل هكذا تطلّع إلى التمتّع. حيث أنها تلهم البشر "حبّاً مشتعلاً للاستقلال الفردي، يرضي رغباتهم". بوصفها الحلقة الوسطى لسلسلة: الرغبة- التجارة- السعادة، فإنّ التجارة تضاعف فرص الرضا، وتشجّع على تراكم المتع. من خلال إلغاء الحدود التي تفصل بين الدول بسلام، تقوم بتشكيل هذا الكون المثاليّ الذي يمكن فيه للجميع الاستمتاع بثمار أنشطتهم. مع امتلاكها لذلك الأثر السحريّ المتمثّل في "تضاعف وسائل السعادة الخاصّة وتغييرها إلى ما لا نهاية"، فإن التجارة تتمتّع بفضيلة سحر العالم وإضفاء الطابع العالمي على التمتّع الفرديّ. إنها "العولمة السعيدة" التي سبقت تلك الرسالة، وهي نوع من الرومانسية الليبرالية المعاصرة.

إضافةً إلى وصم النموذج القديم بالتفاهة، كان من آثار نجاح التجارة أنها وضعت حداً لسيادة الشعب. السيادة العزيزة على روسو، هي، بالنسبة لكونستانت، كيان مجرد، فكرة جوفاء. سرعان ما تمّ احتلال السيادة، وهي مكان فارغ، لا مادّي، في انتظار تحقيقها من قبل رجال أو مؤسّسات، من قبل الأقوياء. يتمّ تحديثها بأشكالٍ مختلفة، لا يوجد بينها شكل أكثر شرعية من الآخرين. بما أن السلطة لا تحدّد حدودها من الداخل، لا بدّ إذن من تلقّي تلك الحدود من الخارج. وهذا الخارج الذي يأتي منه خلاص الحرّية، هو ما تسمح التجارة لحسن الحظّ بتراكمه غير المحدود: الثروة الغزيرة في العصر الحديث. ولأنه يقوم بتسييل الثروة، وطرحها من شهوات السلطة، فإن المال هو "الكابح الأقوى" للاستبداد: "يمكن للسلطة أن تؤثّر دائماً على حقّ الانتفاع، لأنه يمكن لها أن تسلب المتعة. لكنّ التداول يضع عقبة غير مرئيّة لا تقهر أمام هذا الفعل الذي تقوم به السلطة الاجتماعية". إنّ أفضل ضمان ضدّ الإساءة هو الطابع المراوغ الذي تتمتّع به الثروة المنقولة. إن حيازة الثروة، بالنسبة لكونستانت، يضاعف خطر الطغيان. إن سيولتها لا تقوم فقط بتهريبها من قبضة السلطة السياسية، بل إنها تملك أيضاً الوسائل للتأثير على ممارسة السلطة.

لأنّه يمكن لمن يملكون رؤوس الأموال، عن طريق حرمان الدولة من الموارد الجديدة، فرض إرادتهم عليها: "يتمّ إخضاع الائتمان للرأي؛ القوّة غير مجدية والمال يختبئ أو يهرب، وبالتالي يتمّ تعليق جميع عمليات الدولة ".نحن في عام 1819، فهم كونستانت بشكل تامّ القوّة التي لا تصدّق التي يملكها رأس المال الماليّ. إن الثروة هي قوة هاربة تفلت من كل سلطة جماعية لأنها سائلة ولكنها أيضاً تمارس تأثيراً حاسماً على الحكومة. إضافة إلى أنّها ضامنة للحرّية السياسية، فهي تحدّد حدود السلطة من خلال إخضاعها إلى قوانين الدين العامّ الصعبة.كما يمكن لها أن تعكس العلاقة بين السلطة السياسيّة والنشاط الخاصّ. الأقوى ليس هو من نظّنه كذلك. إنها ليست السلطة  السياسية، على الرغم من تباهيها، بل هي قوّة سرّيّة، فوق الشبهات بحيث لا يمكن مقاومتها. " الأفراد أقوى من السلطات السياسية اليوم؛ الثروة هي قوّة متاحة أكثر في كل لحظة، وأكثر قابلية للتطبيق على جميع المصالح، وبالتالي أكثر حقيقية وتتم إطاعتها أكثر، السلطة تخيف وتهدّد، أمّا الثروة فهي تقدّم المكافآت؛ يهرب المرء من السلطة بخداعها؛ ولكن للحصول على فضائل الثروة، يجب خدمتها".

إن الدرس الذي قدّمه كونستانت واضح: للهروب من نوبات الشر من جانب السلطة، عليك أن تضع نفسك في خدمة سلطة الخير الذي يشكّل الترياق: الثروة. العلاج الحقيقي للاستبداد، بالنسبة للفيلسوف، هو امتلاك ثروات معيّنة، جزر مقاومة حقيقية للسلطة التي تكبت الحريات. إن تلك الثروة التي لم يسبق لها مثيل لا تقدّم فقط الملاذ للحرّية، بل إنّ انتصارها مضمون: إنّ تفوّق الثروة على السلطة ليس أمنية ورعة، بل حتميّة تاريخيّة، نبوءة تحقّقت بالفعل على أرض الواقع. لأن النموّ الهائل للقيم المالية هو ظاهرة لا رجعة فيها، فإن أولوية الثروة على السلطة يندرج في مسار التاريخ. إنه نوع من البركة، يكاد يكون إلهياً، و يجب علينا أن نلقي التحيّة له . في الوقت الذي يعلن فيه عن قدوم عصر فخم، يحتفل المؤلّف بزواج المال والحرّية. فلسفة كونستانت هي الفلسفة العفوية للتجار والأجواء الطبيعية لغرف التداول.
إذن، قوة المال التي لا يمكن القبض عليها هي التي تضمن الانتصار النهائي للحداثة السياسية على القوى القديمة. تجد الدولة، المستعدة دائما  لإساءة استخدام سلطتها، نفسها مقيدة بحدود موضوعية، وضعتها الطبقة الحاكمة الجديدة، الجاهزة  لقطع الإمدادات عن الدولة للحفاظ على الأمر الضروري. إنها الثروة النقديّة التي حازتها البرجوازية، الطبقة الصاعدة التي خلعت طبقة النبلاء، ملّاك الأراضي، عن عرشها، هي الحارس اليقظ للحرّية الحديثة. إن الحرّية السياسيّة، التي عرّفها كونستانت في البداية، على أنها يقظة مالك كبير،  تتحدّد في نهاية المطاف بنفوذ مالكي رأس المال الذي لا يقاوَم. هذه القوى المالية التي لا يسيطر عليها أحد ستضمن أن الحكّام هم الحرّاس الصارمون لمصالحها. وفي الحالة المعاكسة سيتحمّلون العقاب الخلاصيّ في الأسواق. تعلّمت الطغمة المالية المعاصرة الدرس: ليس هناك ما هو أكثر ملاءمة للحرية (حريتها) من قوّة رأس المال، لأنه يجسّد قوّة لا تقاوم تنتهي دائماً بتنازل السلطة السياسية الأكثر عناداً.

بسبب طلاقتها ومراوغتها، تعتبر الثروة المنقولة المركز لمقاومة غير مسبوقة للقمع الجماعيّ. لقد تمّت تنشئتها على يد العقيدة الليبرالية باعتبارها الضمانة العليا للحقوق الفرديّة.  إن تحويل نمط الملكية، من الثروة غير المنقولة إلى الثروة المنقولة، يلخّص التاريخ البشري. على الأقل ينسجم كونستانت مع نفسه: بعد تخفيض شأن السيادة، من المنطقيّ أنه يريد جعل العملة ذات سيادة . إذا لم يكن هناك أساس أخلاقي يشرّع السلطة، فالأمر متروك للثروة المادية لوضع الحدود اللازمة للضمانات الفردية .  إن احتمال أن يكون المال- الملك سبباً للقمع بالكاد يمسّ فكره، لأن الإساءة تأتي دائماً من جانب "السلطة الاجتماعية" وليس من جانب التمتّع الخاص. إن ما يثبته كونستانت هو أن الليبرالية السياسية يتمّ حلّها دائماً في الليبرالية الاقتصادية. وأنه إذا تم الانتقاص من السيادة الشعبية، فذلك دائما لصالح الثروة الخاصة وقوة الأثرياء. في الحركة التي أدت إلى رفض الديمقراطية، تقوم العقيدة بإضفاء القداسة على نفوذ المال دون أن يرفّ لها جفن. نجد لدى كونستانت تفاؤلاً قويّاً بالتوازن الفرديّ، وتشاؤماً متأصّلاً بكل ما هو جماعيّ. وهذا هو السبب في أن الحرّية- النفوذ، المتبلورة في القوة المالية، لا تشجع الحرية- الحماية إلّا من أجل ضمان الحرية -الاستمتاع بشكل أفضل.  من خلال إدانة التحكّم الجماعيّ بالمصير المشترك، فإن العقيدة ترسّخ الحرّية بالاستمتاع بالاستقلال الخاصّ كأعلى شكل من أشكال الحرّية.   على الارجح، إنها واحدة من الحقائق النهائية الليبرالية الحديثة: علامة حتمية من علائم ظهور الحداثة، فإن الزيادة غير المحدّدة للرأسمال تسم بالسفاهة مبدأ سلطة المجتمع على نفسه. إذا كان المجال الخاصّ هو الحرم الذي لا يمكن انتهاكه للحرية، فإن السلطة الشرعية الوحيدة هي سلطة الثروة الخاصة.  وبعيداً من كونها عقبة في طريق الحرّية، فإن عدم المساواة في الثروة هو الأساس في ذلك . السيادة الشرعية الوحيدة للمالكين، وليست للشعب، هذا التجريد الكارثي.  ولا يهمّ ما إذا كانت حرية المواطنين هي عبارة عن صدفة فارغة، لأنّ المصير المشترك تتمّ العهدة به  إلى النتيجة المباركة المفترضة لتمتّع أغنى الأغنياء.

21-10-2018

* BrunoGuigue موظف كبير سابق، كاتب مقالات ومختص بالسياسة، ولد في مدينة تولوز سنة 1962. درس في المدرسة الوطنية العليا وفي المعهد الوطني للإدارة. أستاذ فلسفة ويحاضر في العلاقات الدولية في التعليم العالي. له العديد من الكتب التي ترجمت إلى ثمان لغات. صدر كتابه الأخير "مقالات عن الإمبريالية" عن دار ديلغا للنشر في شهر كانون الثاني 2018. أقيل من منصبه سنة 2008 بسبب انتقاده السياسة "الإسرائيلية" في مقالة نشرها على موقع oumma.com. متضامن ومتعلق بالقضية الفلسطينية.

المصدر:

https://www.facebook.com/notes/bruno-guigue/largent-roi-credo-du-lib%C3%A9ralisme/1522004634611653/?qid=6611910671650016602&mf_story_key=-5037742946404463590


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك